|
|
|
|
|
|
|
د. عبدالعاطي محمد برغم كل التجاوزات التي تقع من بعض الصحف المصرية في تناولها للشخصيات العامة والأحداث الداخلية, فإن ذلك لا يجب أن يجعلنا نغفل الحقيقة الأكبر, وهي تمتع الصحافة المصرية بقدر كبير من الحرية في التعبير عن الرأي ومباشرة دورها كسلطة رابعة في البلاد, وهو أمر يحسب لتاريخ هذا العصر من حكم الرئيس مبارك. ولكن مثل كل تجربة فإنها تحتاج إلي وقفة مع النفس للمراجعة والتقييم خصوصا أن التجربة في حد ذاتها تفرز معطياتها ومبادئها التي لا يمكن بالضرورة القول, إنها كانت في الحسبان عند اتخاذ القرار السياسي بإطلاق حرية التعبير من خلال الصحافة بلا سقف محدد.
*** من حق الكثيرين أن يقلقوا من مظاهر هذه التجاوزات إلي حد الجزع, ومن حقهم أن يتساءلوا عن مصير التجربة وتأثيرات هذه التجاوزات علي العقل الجمعي لكل المواطنين, وعلي مسار العمل الوطني ذاته, سواء علي مستوي الموالاة أم المعارضة فليست هناك تجربة ـ أي تجربة ـ بلا هدف أو رسالة أو مردود, والمؤكد أن الجميع لا يختلف علي أن الهدف والرسالة هما العمل علي تطوير القدرات الوطنية لتحقيق نهضة شاملة, وليس العكس, وعندما لا يرسخ في الأذهان سوي هذه التجاوزات وتصبح هي وحدها عنوان التجربة الصحفية الجديدة, ولا تجد الإيجابيات حظها من الاهتمام لدي المراقب والمتابع للتطور السياسي في مصر المعاصرة, فإن الجماعة الصحفية, بل والرأي العام أيضا مطالبون بمثل هذه الوقفة مع النفس ليتساءلوا: ماذا حدث وإلي أي طريق تقودنا مثل هذه التجاوزات مرورا بالبحث عن الأسباب التي قادت إلي مثل هذا الوضع. لا يجب أن نقف طويلا أمام المساس الصارخ بالحريات الشخصية, خصوصا للشخصيات العامة أو عند افتعال وقائع بعينها أو الترويج المتعمد لآراء واتجاهات سياسية فئوية لا تفيد الصالح العام, فكلها سلبيات لا يقبلها العقل ولا تتحملها الفطرة السليمة أو تستسيغها فضلا عن أنها ما كان لها أن تصدر في مجتمع يفخر بتاريخه الحضاري في المنطقة أو في دولة قديمة تملك مفاتيح الاستقرار والممارسة السياسية الرشيدة..
*** ماهو أخطر من كل ذلك هو تعميق حالة الامبالاة وعدم الثقة في الحاضر والمستقبل لدي الرأي العام, بفعل استمرار كل صور الانفلات والشطط التي يمتليء بها الواقع الصحفي الراهن, وذلك علي عكس ما كان يقصده الجادون والمخلصون الذين رفعوا رايات النقد الحاد واقتحام الخطوط الحمراء من منطلق تعميق حرية الرأي, لقد وصلنا إلي استقطاب حاد بين تأييد مطلق مبالغ فيه يستعيد تراث مرحلة الحزب الواحد ومركزية الدولة, وبين رفض مطلق مبالغ فيه أيضا, لا يمتلك رؤية أو مشروعا للتحول الديمقراطي حيث لا هم له سوي التجريح ومطاردة الحكومة والحزب الوطني في كل صغيرة والتعمد الدائم كل يوم لإثارة مشكلة أو أزمة حتي لو لم يقم عليها دليل. كان من المتصور مثلا أن الشحن والتسخين والنقد المستمر بلا حدود سيؤدي إلي رفع درجة وعي المواطن واهتمامه بالشأن العام والتعبير عمليا عن هذا الوعي وذلك الاهتمام, ولكي يبدو ذلك واضحا علي سياق القياس فقد كان من المتصور تبعا لذلك أن يزداد الإقبال علي شراء الصحف ككل من ناحية, وأن تزداد نسبة المشاركة السياسية من ناحية ثانية, وأن تزداد أشكال التعبير السلمي عن الاحتجاج من ناحية ثالثة.. فما الذي حدث بكل صدق وأمانة؟ لم تزدد مبيعات الصحف ككل قومية وغير قومية, وإن تحرينا الدقة فربما يكون قد ارتفع عدد التوزيع بالإجمالي بنسبة قليلة جدا لا تتلاءم مطلقا مع كل هذا التوسع في عدد الصحف, ولا مع درجة السخونة والإثارة التي تتميز بها بعض الصحف, وبالإجمالي تضاءل دور الصحف لدي المواطن أو الرأي العام واهتزت مكانتها لديه فلا ساعد هذا المناخ الغريب علي تطوير وإنقاذ الصحف القومية, ولا علي انتشار صحف الإثارة, ولا يبالغ المرء كثيرا في القول بأن ما حدث من انتشار لصحف الإثارة كان بالاقتطاع من الصحف القومية, فلا زيادة حقيقية ملموسة في توزيع الصحف المصرية ككل. وقد يرجع البعض محدودية الانتشار إلي الظروف الاقتصادية, أي إلي عدم قدرة القاريء علي اقتناء الصحف لأن دخله لا يسمح بذلك.. ولكن هذا مردود عليه بأن متوسط دخل الفرد قد ارتفع بشكل ملحوظ وإقباله علي الاستهلاك في سلع كثيرة تزايد بدرجة ملحوظة بمن فيهم شريحة واسعة من المواطنين, كانت في الماضي ضمن حد الفقر بينما هي اليوم غير ذلك تماما وإلا بماذا يفسر المراقب إقبال هذه الشريحة علي اقتناء سلع تعد في نطاق الرفاهية؟.. ومن ثم فإن الحقيقة التي يجب أن يصارح الجميع نفسه بها هي أن القاريء بوجه عام لا يثق في هذه الصحف بكل تجلياتها, أو لا يشعر بأن لها دورا في حياته الخاصة والعامة إن لم يكن قد وصل إلي حالةمن الاشمئزاز أو الضيق منها تجعله ينصرف عنها.. وإذا افترضنا أن الصحافة دائما تعني المواطن المهتم الذي يختلف عن غيره من حيث إدراكه لأهمية وقيمة اقتناء الصحف, ومن ثم تحمله لنفقاتها وتفضيله لها علي غيرها من احتياجات أخري, فقد كان من المتصورأن توسيع عدد الصحف ورفع درجة سخونتها سيؤدي إلي زيادة, هذه الشريحة المهتمة بشكل كبير وأن يتضح ذلك من خلال حركة بيع الصحف يوميا, وهو ما لم يحدث مما يعني أن قطاعا عريضا من المهتمين بالشأن العام انصرف تلقائيا عن اقتناء الصحف لاعتراضه علي مضمونها وأسلوبها.
*** وأما علي صعيد تأثير ذلك علي قضية المشاركة السياسية, فإن النتيجة سلبية بكل تأكيد.. لقد مرت البلاد بأكثر من تجربة لاختبار درجة المشاركة السياسية, وذلك علي مدي نحو عامين ما بين الاستفتاء علي اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب وبين الاستفتاء علي التعديلات الدستورية مرورا بالانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب, وها نحن نتأهب لانتخابات نيابية جديدة علي مستوي مجلس الشوري, وظهر فيها كلها انخفاض واضح في نسبة المشاركة السياسية, ولن يتحسن الحال في انتخابات الشوري.. ونعلم جيداأن لانخفاض نسبة المشاركة أسبابا عديدة يطول شرحها لا علاقة لها بأداء الصحافة, ولكن ما لا يستطيع أن يغفله أحد أن أداء الصحافة دخل طرفا رئيسيا في العمل علي الحد من نسبة المشاركة في الفترة الأخيرة التي شهدت كل التجارب السالف الإشارة إليها, فلا أحد ينكر أن هذه التجارب كانت موضوعا رئيسيا في اهتمامات الصحف المصرية ولايزال كذلك. وعند بدء التجربة كان من المفترض أن فتح حرية العبير ـ عبر الصحافة ـ علي مصراعيها سيعمل بالدرجة الأساسية علي تحفيز المواطنين للانشغال بالشأن العام والانخراط في المشاركة السياسية حتي لو كان ذلك بهدف التعبير عن الرفض عمليا من خلال الذهاب إلي صناديق الاقتراع, وكان من المتصور أن حالة الشحن التي ميزت أداء بعض الصحف ستؤدي إلي زيادة المشاركين بشكل عام حتي لو جاء ذلك للتعبير عن الرفض وهو ما لم يحدث. فبدلا من التشجيع علي المشاركة كان هم هذه الصحف الأول هو الدعوة إلي المقاطعة ودفع المواطنين دفعا إلي كراهية كل ما يجري حولهم, وبث بذور الشك والريبة في جدوي كل شيء, فماذا كانت النتيجة؟ ازداد عزوف الناخبين عن هذه الأحداث الكبري في حياتهم وفضلوا السلبية علي الإيجابية مع أنهم كان بإمكانهم أن يشاركوا ويعلنوا الرفض بدلا من هذه السلبية.. وهكذا فإن صحافة التحريض تتحمل الوزر الأكبر في تراجع نسبة المشاركة مع كل التأكيد علي أن هناك أسبابا موضوعية أخري وراء انخفاض هذه النسبة.. ومن المؤسف أن قطاعا من الصحف القومية ذاتها يدفع في نفس الاتجاه, عندما يعزف دائما علي جلد الذات وعلي مقولة مفيش فايدة وذلك تحت دعوي الموضوعية في المعالجة.
*** إذا كان هناك من بقية في الضمير الصحفي الوطني, فإن هناك دعوةواجبة اليوم إلي كل الإعلاميين والمثقفين المصريين لوقف مناخ الكراهية والتحريض والانفلات والجدل العقيم الذي أصبح مخيما علي أداء الجماعة الصحفية بل والإعلامية بوجه عام, ثم الدخول في مرحلة جديدة تحتكم إلي حوار العقل وإلي الالتزام الوطني, لأن الاستمرار علي هذه الحالة سيؤدي إلي الحكم بوفاة المشاركة الشعبية الواعية والداعمة لكل خطوات الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي, بينما الهدف الأكبر للجميع هوالعمل علي تفعيل دور المواطن والمواطنة, سوف تتسع قاعدة غير المشاركين إلي حد مخيف بدلا من أن تضيق, وسوف يصبح الحوار في أي شيء وفي أي اتجاه حوار طرشان إن لم يتحول ـ لا قدر الله ـ إلي عراك وفوضي لا تستقيم مع تاريخ هذا الشعب العريق.. استمرار هذا الوضع يجعلنا نصدق مقولة إن مصر هانت علي نفسها فاهتزت مكانتها وغابت عنها بوصلة التوجيه للأحداث في المنطقة..
*** في هذا الإطار لم تعد نقابة الصحفيين بالمكان المؤهل وحده للإنقاذ بعدأن تم اختطافها من جانب المنفلتين ودعاة الفوضي.. ولم تعد أجهزة الثقافة المعروفة قادرة وحدها علي القيام بدورها التاريخي في رعاية الإبداع وتوسيع أفاقه ونشر الثقافة المدنية الملائمة للتحول الليبرالي.. ولذلك لماذا لا يجري التفكير في إقامة منتدي وطني للإعلام والثقافة تتبناه الدولة بحكم مسئوليتها عن حماية منظومة القيم والمباديء التي تشكل حزمة أساسية لأي نهضة, يدير أعماله باستقلالية كاملة, يتبني جانبا من مهمة الإنقاذ المطلوبة إن لم تكن المهمة كلها, يجذب النخبة الإعلامية والثقافية المشهود لها بإسهاماتها الجادة ورؤيتها الوطنية الصافية ويكون منبرا للحوار الجاد والعقلاني بين كل أصحاب الرأي والمواقف السياسية بمختلف ميولهم واتجاهاتهم.. سوف تزول بذلك المسافات بين الفرقاء وستسقط الجدران العازلة التي أقامها البعض ضد بعضهم البعض وسينتصر في النهاية ما هو مفيد لهذا البلد.. ** من الأجندة: * أعلنت مصر رفضها للحملة المغرضة التي تنظمها جمعية يرأسها شخص سويسري صاحب شركة سياحية في سويسرا لاختيار عجائب الدنيا السبع الجديدة عبر الإنترنت.. د. زاهي حواس أمين عام المجلس الأعلي للآثار أكد رفض مصر لقاء المسئول عن تلك الحملة, وأنها اقترحت أن تتولي اليونسكو تنظيم حملة عالمية من خلال لجنة تضم أفضل300 عالم وكاتب ومفكر وفنان ومعماري, من كل العالم لإصدار قائمة تضم عجائب الدنيا السبع الباقية سواء القديمة أم الحديثة.. تحرك حواس يجب أن يلقي مساندة إعلامية قوية حرصا علي تراث مصر الحضاري من العبث وللحفاظ علي المكانة التي تليق به.. * الأستاذ إبراهيم سعده صحفي من طراز فريد قبل أن يكون كاتبا كبيرا.. القاريء ليس في حاجة إلي تذكيره بما وصلت إليه أخبار اليوم في عهده من انتشار وكيف أنه كان بقلمه حاضرا ومؤثرا للغاية في الرأي العام المصري والعربي.. ترك المسئولية ولكنه لايزال حريصا علي أن يبقي صحفيا لامعا.. تابع ما نشرته مجلة الأهرام العربي في حوارها مع الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس مبارك والذي أجرته معه الزميلة سوزي الجنيدي.. خصص عموده يوم الاثنين الماضي للحديث المثير وللأهرام العربي وهي شهادة نعتز بها لأنها جاءت من علم بارز من أعلام الصحافة المصرية المعاصرة, تؤكد أن المجلة كانت علي صواب في اختيار الموضوع وفي أن تجعله غلافها كما أنها دليل علي مقروئية المجلة وانتشارها وسط ساحة واسعة من المنافسة الشرسة.. الشكر والتقدير واجبان للكاتب الكبير إبراهيم سعده. * الأسبوع الماضي كانت مؤسسة الأهرام علي موعد مع مناسبتين غاليتين هما مرور16 عاما علي صدور الأهرام المسائي تحت قيادة الصحفي الكبير مرسي عطا الله, و7 أعوام علي صدور مجلة البيت بقيادة الكاتبة الرقيقة صاحبة الحس الجميل سيلفيا النقادي.. كل احتفل بطريقته علي المستوي الذي يليق بمؤسسة الأهرام العريقة.. أحد عشر وزيرا ومحافظا والعشرات من كبار الفنانين المصريين ونجوم الرياضة والبارزون في مجالات المال والتجارة والاستثمار والخدمة العامة للمجتمع جمعهم احتفال الأهرام المسائي وأحاطوا مرسي عطا الله وكتيبته القوية من الزملاء بكل صور الحب والتقدير والإعجاب.. لا غرابة في ذلك فقد ولد الأهرام المسائي قويا منذ اللحظة الأولي وأذهل الجميع بقفزاته الصحفية السريعة برغم الوقت الضيق لإطلاقه مع بدايات أزمة الخليج الثانية.. وأما احتفال الزميلة العزيزة سليفيا النقادي فقد جعل من مجلتها البديعة ومؤسسة الأهرام كمثل نجم ساطع في سماء القاهرة.. اختيار المكان بحديقة قصر محمد علي بالمنيل ولمسات الديكور وأجواء الاحتفال بهرت نجوم المجتمع المصري وسط عبارات الثناء التي غمروا بها الكاتبة الفنانة لأنها نجحت باقتدار في أن تجعل المجلة المتميزة تشيع الجمال والذوق الرفيع ليس في البيت المصري فقط بل في البيت العربي أيضا.. إن النجاح يولد النجاح.. لا يأت ذلك من فراغ وإنما بالجهد والصبر وتحمل المشاق.. هكذا تقول لنا خبرة الأهرام المسائي ومجلة البيت.
|
|
|
|
|
|
| |
|
|
| السبت 5 / 5 / 2007 |
|
رقم العـدد 528 |
|
|
الأهرام العربي |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأرشيــــــــف |
|
|
| |
|
|
|
|