الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3‏17‏ عاما علي مهرجان القراءة للجميع

إعادة الإعتبار للكتاب المصري

السبت 28 / 7 / 2007

تحقيق ـ مصطفي عبادة‏:‏ تصوير ـ موسي محمود


تميز الصيف المصري منذ سبعة عشر عاما بمشروع مكتبة الأسرة‏,‏ فلم يعد موسما للتصييف والإجازات فقط‏,‏ فقد أصبحت القراءة والكتاب هما القاسم المشترك الأعظم في أجواء الثقافة المصرية‏,‏ وبانتقال المشروع هذا العام من مهرجان موسمي‏,‏ إلي حملة قومية للقراءة للجميع‏,‏ واستمرارها طوال العام‏,‏ يبدو أننا دخلنا مناخا جديدا في علاقتنا بالكتاب‏,‏ لكن هذا الأمر علي أهميته‏,‏ سيما أن من ترعاه هي السيدة سوزان مبارك‏,‏ يثير لدي العديد من المثقفين هواجس كثيرة‏,‏ وإن أجمعوا كلهم علي جدواه‏,‏ وبعضهم ذهب إلي أنه خلق جيلا جديدا من القراء‏,‏ ويخشي الجميع أن تتسع الفجوة بين الأحلام الكبيرة وبين ما يجري علي أرض الواقع‏,‏ سطور التحقيق التالي تحاول الإجابة عن الأسئلة التي تشغل المهتمين بالمشروع‏.‏
الروائي خيري شلبي يري أن المشروع خلق بالفعل جيلا من القراء ارتبطوا به‏,‏ وله فضل كبير ليس علي الثقافة المصرية بل علي الثقافة العربية برمتها‏,‏ ومن ينكر هذا فهو فج‏,‏ وعديم الوطنية‏,‏ لأن الوطنية ليست مهاجمة كل شيء تكون الحكومة طرفا فيه‏,‏ وقد لمست مدي أهمية هذا المشروع بنفسي في سوريا والمغرب‏,‏ بالقدر الذي لمسته في قريتي وفي قري أخري‏,‏ وقد رأيت عمالا باليومية لديهم مكتبات مكونة من منشورات مكتبة الأسرة‏.‏
كما أن هذا المشروع‏,‏ فيما يوضح خيري شلبي‏,‏ استرد‏,‏ أولا أرضا كانت مفقودة من الكتاب‏,‏ وثانيا‏,‏ أيقظ في الناس ذاكرة القراءة‏,‏ وجعل الشباب غير المرتبطين بها‏,‏ تكون لهم ذاكرة قرائية‏,‏ وصاروا يستطيعون تذوق الأدب ويفرقون بين الغث والسمين فيما يقرأون‏,‏ ثالثا‏,‏ كونت مكتبة لكل مواطن لدرجة أن أغلب الكتب تنفد‏,‏ حتي إنني كنت أتصور أن الهيئة تخدعني حينما تنشر لي كتابا وتعطيني منه نسخا‏,‏ ولكنني لا أجده في السوق‏,‏ فأتهم الهيئة بالتقصير‏,‏ ثم أفاجأ بأن الكميات نفدت بالفعل‏,‏ وهو ما يرجع إلي سببين‏:‏
الأول‏:‏ أن القراء يترصدون صدورها‏,‏ ويوصون الباعة باحتجاز نسخ لهم‏,‏ والثاني أن هناك تجارا عربا يشترون نسخا كثيرة بأسعار زهيدة‏,‏ ثم يعيدون بيعها بأسعار غالية‏,‏ وكذلك هناك بعض المكتبات في مصر وهي معروفة تحرص علي شراء كميات كبيرة من النسخ‏,‏ وتقوم بتخزينها للبيع مرة أخري في أوقات غير أوقات المشروع بأسعار أغلي‏.‏
أما السلبية التي تشوب المشروع فهي عدم التدقيق في اختيار كتب الشباب‏,‏ فكثيرا ما تأخذنا الحماسة للشباب وكتاب الأقاليم‏,‏ ثم نفاجأ بأن كتبهم المنشورة لا يصح إطلاقا أن تأخذ مكانا في المشروع‏,‏ وهناك كتب نشرت لا تستحق الورق الذي كتبت عليه‏,‏ الأمر الذي يحتاج إلي تدقيق‏,‏ واللجنة العليا المختصة باختيار كتب المشروع لابدأن تتفرع عنها لجنة أخري لاختيار كتب الشباب حتي لا نخلق أوهاما‏,‏ لأن الكاتب الشاب الذي ينشر كتابه يضع نفسه بالضرورة في مصاف كبار الكتاب المشاهير وهنا مكمن الخطورة‏,‏ فما لم يكن يستحق النشر لا يجب المغامرة بهذه الفرصة حرصا علي الشباب أنفسهم‏.‏
هذه الملاحظات لا تنفي في رأي شلبي أن المشروع من المشروعات الفذة التي أدت دورا عظيما وأفادت الكتاب بقدر ما أفادت القراء‏,‏ فجعلت للكتاب سعرا‏,‏ والكاتب الذي ينفق علي نشر كتابه يتقاضي في المشروع أجرا مجزيا من نشر كتابه وينطبق هذا الأمر علي كبار الكتاب وصغارهم‏.‏
ويتفق الكاتب د‏.‏ سعيد اللاوندي‏,‏ مع الروائي خيري شلبي‏,‏ علي مدي أهمية المشروع‏,‏ حيث يقول‏:‏ إنني مؤمن بعظمة هذا المشروع وجدواه‏,‏ وأنه خلق جيلا من القراء‏,‏ وربما لا نلمس ذلك بوضوح‏,‏ لأنه طيلة السبع عشرة سنة الماضية حدثت طفرة ضخمة في الميديا والإنترنت أخذت جزءا كبيرا من مساحة اهتمام القراء بالكتاب‏,‏ لكن لا شك أن هذا المشروع خلق قراءه المرتبطين به‏,‏ وهو رائد في هذا السياق‏,‏ لأنه جعل الكتاب جزءا من‏(‏ جهاز‏)‏ العروس‏,‏ والمكتبة صارت جزءا من تكوين كل بيت مصري‏.‏
ويضيف د‏.‏ سعيد اللاوندي‏,‏ رغم أنه صدرت لي أربعة كتب ضمن المشروع‏,‏ فإن ذلك لا يمنعني من ملاحظة بعض السلبيات‏,‏ والتي تمثل هواجس لدي ومنها‏,‏ تدخل الوساطات والمجاملة في حجم المطبوع من الكتاب الواحد‏,‏ فليس هناك رقم واحد من المطبوع لكل كتاب‏,‏ كاتب يطبع له عشرة آلاف نسخة والآخر عشرون ألف وهكذا حسب حجم المجاملة أو الواسطة‏,‏ وثانيا‏,‏ ركز المشروع في بدايته علي طبع أمهات الكتب المهمة‏,‏ لكن اليوم يطبع كتبا لا ترقي إلي مستوي النشر في هذا المشروع‏,‏ ونظرا لتسرب المجاملة في أي عمل عام هناك كتابات صحفية تجد طريقها للنشر‏,‏ ربما أكثر من الكتب الأكاديمية الراقية‏,‏ لأن أصحابها غير مشهورين ولا يعرفهم القائمون علي مكتبة الأسرة‏.‏
ورغم إجماع أغلب المثقفين علي أهمية المشروع‏,‏ لا سيما بعد أن تحول إلي حملة قومية للقراءة فإن هناك البعض الذين لا يفصلون بين مشروع كهذا‏,‏ وبين الظروف العامة التي يعيشها المجتمع المصري‏,‏ وأن القراءة ليست بمعزل عن هموم المواطن وإنما هي بنت سياق عام‏,‏ فلكي ينجح المشروع ويؤدي الهدف منه لابد من تهيئة عامة له‏,‏ صحيح أنه أضاف إلي المكتبة المصرية وإلينا كمصريين‏,‏ لكن الناقد والمترجم حسين عيد يدعوا إلي‏:‏ أولا‏,‏ الاهتمام بكتب الأطفال‏,‏ التي تنمي ملكة الخيال والابتكار لديهم‏,‏ وهذا الاهتمام يبدأ بالكتب الدراسية والكتب العامة التي يقرأها الطفل في البيت‏,‏ وهذا الأمر يحيلنا تلقائيا إلي قضية الكتب الدراسية التي ينبغي منح مزيد من الاهتمام بها في مختلف المراحل الدراسية‏,‏ ومن ناحية أخري بحث المناهج الدراسية للأطفال وإعادة تمحيصها بحيث تنمي ملكة البحث والاجتهاد لديهم‏.‏
ثانيا‏,‏ ضرورة اهتمام الصحف القومية‏,‏ وغيرها من الصحف والمجلات بوضع أطر صحيحة للصفحات الثقافية‏,‏ توائم متطلبات العصر الذي نعيش فيه‏,‏ فيما يخص الكمبيوتر وثورة المعلومات‏,‏ ومن جهة أخري تسعي‏,‏ أو تجتهد في أن تسعي إلي اكتشاف المواهب فيما تنشره من مواد إبداعية‏.‏
ثالثا‏:‏ لابد من حل المشكلات الاقتصادية‏,‏ التي تواجه المواطن بشكل عام‏,‏ فإذا ارتاح المواطن اجتماعيا واقتصاديا‏,‏ استطاع أن يبحث فيما ينمي ملكاته الثقافية‏,‏ ويتجه إلي القراءة خالي البال‏,‏ ورابعا‏,‏ أن نقتدي بالدول المتقدمة في المتابعات النقدية الجادة التي تواكب ما يصدر من كتب وتفرز من بينها الغث من السمين‏,‏ يترافق ذلك مع نهوض مؤسساتنا الثقافية بمسابقات لاكتشاف المواهب علي أن تتسم بالجدية والصرامة‏.‏
المشروع الذي تحول إلي حملة قومية تستمر طيلة العام ينقصه شيء أساسي ـ يقول عيد ـ وهو الاهتمام بالكتب المترجمة‏,‏ فالملاحظ أن هناك نثارا متفرقا من الترجمات العالمية في مختلف المجالات‏,‏ بما يعني أنه ليس هناك خطة تحكم ما ينشر من مواد مترجمة‏,‏ بينما يفترض أن تكون هناك خطة واضحة لما نحتاج أن نترجمه‏,‏ ومن هنا لابد أن تسعي الهيئة إلي توفير من يقوم بهذه الترجمات المختلفة‏.‏
في السياق نفسه يأتي كلام د‏.‏ قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ‏,‏ والناشر المعروف‏,‏ فهو يقف أمام أمرين يراهما مهمين‏:‏ الأول‏,‏ توافر النيات الحسنة في القائمين علي المشروع‏,‏ والثاني هو ترجمة هذه النيات الحسنة إلي نتائج حسنة‏,‏ فالمشروع رغم أهميته منذ مولده قبل سبعة عشر عاما‏,‏ خلف العديد من الآثار السلبية مثل‏:‏ اقتصاره علي مجموعة من الناس مرتبطين بشبكة مصالح وعلاقات شخصية‏,‏ حتي دور النشر التي تنشر كتبها ضمن المشروع‏,‏ ليست بعيدة عن الدائرة نفسها لكن الأمر تغير قليلا منذ العام الماضي‏,‏ حيث وصلنا خطاب من المسئولين عن المشروع يطلب من كل دور النشر جزءا من كتبها‏,‏ وقد تم بالفعل‏,‏ وهو شيء إيجابي‏,‏ لأنه يفتح المشروع أمام كل الكتب‏,‏ فالمشروع ليس خدمة للقاريء فقط‏,‏ وإنما ينتظر منه خدمة السياق الفكري بتقديم كتاب ليس لهم واسطة غير عملهم‏.‏
ويرفض د‏.‏ قاسم عبده قاسم فكرة أن المشروع خلق جيلا من القراء‏,‏ والسبب في ذلك لا يتعلق بالمشروع نفسه‏,‏ بل لأن القراءة ليست من عادات المصريين في السنوات الأخيرة‏,‏ والذين يشترون كتب المشروع يفعلون ذلك لرخص ثمنها‏,‏ ومن يقرأ هو جيل ما فوق الأربعين وليس جيل الشباب‏,‏ لأن نظام التعليم عندنا قاتل للقراءة‏,‏ ويجعل التلاميذ يكرهون شكل الكتاب‏,‏ بالإضافة إلي عمليات التسطيح الثقافي‏,‏ وإشاعة الفجاجة والقبح في الأغاني والمسرح والمسلسلات والسخرية من التعليم والثقافة‏,‏ والتعبيرات الفجة مثل أغاني الحمار والخيار والعنب‏.‏
سياق القراءة لا يأتي من مجرد مشروع مثل مكتبة الأسرة ـ علي الرغم من إيجابياته الكثيرة ـ لأن القراءة جزء من سياق ثقافي عام‏,‏ والسياق العام عندنا لا يشجع علي القراءة‏.‏
أخيرا‏,‏ يقف الروائي سعيد الكفراوي‏,‏ علي نقطة مهمة في هذا المشروع‏,‏ وهي لجنة الاختيار الخاصة بكتب المشروع فهي في الغالب لا تتابع حركة الفكر والإبداع المصريين‏,‏ لأنها خارج كل ما هو جديد‏,‏ وتعمل علي النص الثابت والقديم‏,‏ لكتاب صاروا معروفين وكتبهم متاحة لدي كل دور النشر‏,‏ بينما هناك كتابة جديدة وحديثة للكثير من الكتاب الشباب ليست في حسبان هؤلاء‏,‏ ومن هنا علي هذه اللجنة أن يكون ضمن أفرادها مثقفون يعرفون المناخ وطبيعة الإبداع والذين يبدعون من الموهوبين في مصر‏.‏
كما أن المشروع‏,‏ الذي أتاح الكتاب بهذا السعر‏,‏ وهذه السهولة‏,‏ نحا في الآونة الأخيرة إلي الاعتماد علي دور النشر الخاصة‏,‏ وهؤلاء يرشحون كتبا‏,‏ خاضعة‏,‏ بالضرورة‏,‏ لمعايير القرب والبعد والعلاقات العامة وأهمل الاتصال المباشر بالكتاب‏,‏ الأمر الذي ترتب عليه ضعف الاهتمام بالنوعية لحساب ما ترشحه دور النشر الخاصة‏,‏ وفي النهاية يختتم الكفراوي كلامه قائلا كل المثقفين مع مثل هذه المشاريع التي تتيح إلقاء الضوء علي الكتابة المصرية والتي تساعد المتلقي في الحصول علي مادته الثقافية بأرخص الأسعار وبأسهل الطرق‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 28 / 7 / 2007
رقم العـدد
540
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg