|
أجرت الحوار ـ رشا عامر أن يفوز جمال الغيطاني بجائزة الدولة التقديرية في مصر, فهذا لا يضيف له شيئا, بقدر ما يعيد للجائزة جزءا من مصداقية, يصر مسئولو الثقافة في بلادنا علي إهدارها, فالغيطاني مقاتل شرس فيما يخص الآثار, خصوصا الإسلامية, التي كانت أول شيء يفتح عينه طفلا عليها, لذا كان دفاعه عنها ضد العبث, بمثابة دفاع عن تاريخه الشخصي. تأخرت جائزة الدولة التقديرية عن الغيطاني سنوات, لكنه فاز بها, لأن لديه مشروعا روائيا, لا يستطيع أن يتجاهله أحد, فهنيئا لصاحب الزيني بركات والتجليات بالجائزة, وهنيئا للجائزة به, وإلي تفاصيل حوارنا معه..* هل تري أن الجائزة جاءت في وقتها المناسب أم أنها تأخرت؟ جاءت متأخرة طبعا, علي الأقل20 سنة, فأنا بدأت الكتابة منذ حوالي40 سنة, وفي العام1979 حصلت علي جائزة الدولة التشجيعية في الرواية من الرئيس الراحل أنور السادات, فلو افترضنا أننا سنضيف عشر سنوات أخري لكي أحصل علي جائزة ثانية فكان من الطبيعي أن أحصل علي التقديرية عام1995 ولكن لأن لي مواقفي المعارضة طوال الوقت للسياسة الثقافية في مصر فإن الأمور لم تأخذ شكلها الطبيعي وبالتالي تأخرت الجائزة. * هل معني ذلك أن منح الجوائز يتم بشكل غير موضوعي؟ بالفعل الجوائز التي منحت طوال السنوات الماضية أغلبها جاء بناء علي ما يشبه قرارات رضا من المسئولين, لذلك هناك أشخاص كثيرون لا يستحقون أي شيء حصلوا علي جوائز, ولكن ليس معني ذلك أن كل من حصل علي جائزة لا يستحقها فهناك أشخاص أيضا استحقوا ما هو أكبر من مجرد جائزة ولكن المسائل تدار في معظمها بناء علي الأهواء الشخصية لمسئولي الثقافة في مصر. * هل معني ذلك أن علاقتك بوزير الثقافة فاروق حسني سبب تأخر حصولك علي الجائزة؟ علاقتي بفاروق حسني لا رابط بينها وبين موضوع الجائزة, لأن الذي يرشح لها أشخاص آخرون ومعهم الوزير أيضا. * هل العلاقة الجيدة بين الصحفي والوزير من شأنها عدم الكشف عن السلبيات في الوزارة؟ بالنسبة لي أنا شخصيا الصداقة شيء والعمل شيء آخر, فأنا لا أتواني عن انتقاد فاروق حسني في أي شيء سلبي يخص الوزارة ودائما أقول: إن فترة المنصب عندما تطول فإن ذلك من شأنه زيادة السلبيات لأنه لا توجد دماء جديدة. * هل كانت هذه الملاحظات سببا في انتقاده لك علي صفحات الجرائد؟ ما حدث في التسعينيات تحديدا عام1997 أن فاروق حسني تساءل في إحدي الصحف قائلا من هو جمال الغيطاني؟ ورد عليه الأستاذ محمود السعدني في مقالة كبيرة قائلا: إذا كنت وزيرا للثقافة ولا تعرف الغيطاني فأنت لا تستحق منصبك. * هل يمكن القول إن الأهواء الشخصية أثرت علي الوضع الثقافي في مصر؟ وضع ثقافي؟ أي وضع ثقافي تتحدثين عنه؟ أهي السياسة الثقافية الاستعراضية الموجودة حاليا؟ أم هو الفقر الثقافي الذي أدي إلي تراجع الدور المصري إلي الوراء عشرات السنين؟ هل الوضع الثقافي المصري اليوم يشبه ما كان عليه في الخسمينيات من القرن الماضي؟ بالطبع لا, وهو ليس بسبب تراجع الدور الاقتصادي كما يحلو للبعض أن يردد, ولكن لأن السياسة الثقافية اعتمدت علي المظهرية وتناست تماما أن الثقافة إنتاج وليست استعراضا. أنا شخصيا أتذكر عندما كانت مصر تتبوأ مكانتها الريادية علي المستوي الثقافي, وكانت تقوم بترجمة الكتب وإرسالها إلي ماليزيا والعديد من الدول الأخري غير الناطقة بالعربية, وكان هناك العديد من المشاريع الثقافية الجيدة أما اليوم فلا يوجد شيء علي الإطلاق. * ولكن حاليا يوجد المشروع القومي للترجمة؟ هناك بالفعل مشروعان فقط أعتقد أن من شأنهما إعلاء المستوي الثقافي في مصر: المشروع القومي للترجمة ومشروع القراءة للجميع, ولكنهما لا يكفيان وحدهما لإعلاء قيمة الثقافة, فأين المسرح؟ وأين قصور الثقافة؟ وأين تذهب الميزانيات؟! هل تذهب إلي المسرح التجريبي الذي تنفق عليه ملايين الجنيهات ولا تتبقي منه إلا مجموعة كتب نضعها علي الرف أم تذهب إلي ترميم الآثار التي يكفي ثمن ترميم أثر واحد منها لتجديد وتشغيل كل قصور الثقافة في مصر. * ولكن للآثار أهميتها أيضا ولابد من إنفاق الأموال علي ترميمها والحفاظ عليها؟ نعم شريطة أن يكون ذلك بعيدا عن ميزانية وزارة الثقافة والحل الوحيد لذلك ـ سبق أن طالبت به عدة مرات ـ وهو فصل الآثار عن الثقافة وإنشاء وزارة خاصة لها, وتكون سيادية مثل الدفاع, ويكون لحراس الآثار كادر خاص بهم لأنه من غير المعقول أن يحرس إنسان آثارا وكنوزا تقدر بالملايين في حين أن راتبه لا يزيد علي150 جنيها ثم بعد ذلك نتساءل لماذا يتم نهب آثارنا وتهريبها للخارج؟! * بماذا تفسر عملية حجب أكثر من نصف جوائز الدولة التشجيعية علي مدي الأعوام الماضية؟ هذه كارثة وإعلان إفلاس لأن مصر للأسف بلد يهدر المواهب, فأنا متأكد أن هناك أكثر من عشرين شخصا يستحقون جوائز الدولة التشجيعية في القصة مثلا ولكن رئيس اللجنة الدكتور حمدي السكوت وهو عالم في الببلوجرافيا لم يستخدم حقه الشرعي في النزول إلي الشارع ومعرفة المواهب الشابة, وذلك لأن الإبداع عندنا يسير علي ساق واحدة كما أنه لا يوجد نقد والأدهي من ذلك كله أنه يوجد خلط دائم بين ارتفاع أرقام مبيعات رواية وبين جودتها, فهذا شيء وذاك شيء آخر مختلف تماما. * لماذا وقعت في هوي العصور المملوكية حتي إنك عدت إليها في أكثر من عمل, ويبدو أيضا أنك مبهور بالماضي فأول كتبك أوراق شاب عاش منذ ألف عام لتكشف هذا الاتجاه المبكر لديك؟ أري أننا مازلنا نعيش في العصر المملوكي فأسماء الشوارع التي ذكرها المقريزي والتي وردت في خططه لاتزال موجودة كما أنني أعشق القاهرة القديمة وأري أن من يعيش فيها فكأنه يعيش في زمن عتيق خصوصا لو كانت له علاقة بها مثلي, فأنا علاقتي بالقاهرة تكونت نتيجة نشأتي فيها وتركيبتي الشخصية المحبة لها وأري أن العصر الماضي وخصوصا المملوكي لايزال سائدا فمازال الأشخاص يحكمون علي بعضهم البعض بمقاييس شخصية بحتة وهذه المقاييس ناتجة عن القيم المملوكية. * وهل النشأة أيضا هي التي أوقعتك بشدة في التصوف؟ رغم أنني لا أحب أن أتحدث كثيرا عن هذا الموضوع لأنه علاقة بيني وبين الله, إلا أن نشأتي بجوار سيدنا الحسين لعبت دورا كبيرا في اتجاهي للتصوف الذي أعتبره الشيء الوحيد الذي صالحني علي الموت, هذا الموت الذي واجهته عام1996 عندما أجريت جراحة كبيرة في القلب جعلتني أؤكد حتي هذه اللحظة أنني عايش بالمصادفة. فالصوفية جهزتني لفكرة الرحيل في أي وقت, إلي أين سأذهب؟ الله أعلم ولكن ما أريد أن أؤكده أن ذروة اللغة العربية في النصوص الصوفية, علي الجانب الآخر أتذكر أن أعمق ساعات نومي تلك التي نمتها في مسجد السلطان حسن خصوصا بعد صلاة العصر وقد انعكس كل ذلك علي أثناء الكتابة. * كيف تصبح صوفيا ويساريا في نفس الوقت؟ أنا حالة خاصة لا يقاس عليها, كما أنني يساري في المواقف السياسية فقط أما التصوف فهو قائم علي علاقتي بالكون والوجود. وبالمناسبة أتذكر أن أصدقائي اليساريين كانوا هم الذين يؤمون المعتقلين بمن فيهم من إخوان مسلمين.. فلا تعارض إذن بين الصوفية واليسارية لأن الأخيرة موقف سياسي. * كيف تستطيع أن تفرق بين كتابتك كرئيس تحرير وصحفي وبين كتابتك كأديب وروائي؟ هي مسألة صعبة جدا وأنا شخصيا أنصح أي مبدع ألا يتورط في هذه المسألة ولكن عموما لا أريد أن أندم, فأنا لم يكن لي بديل كرئيس تحرير, خصوصا أنني قبل تولي الأستاذ سعيد سنبل منصبه ظللت ثماني سنوات مجمدا وأعتقد الآن أنني والحمد لله أدير أخبار الأدب بإخلاص شديد لأنني أعمل لصالح المكان وليس لمصحلتي الشخصية وهذا هو ما تعلمته من الأستاذ يحيي حقي. * علي غرار علاقتك بيحيي حقي نريد أن نعرف كيف كانت علاقتك بيوسف إدريس؟ رأيي الشخصي في يوسف إدريس لا علاقة له علي الإطلاق بمكانته العظيمة كأديب فأنا أري يوسف إدريس موهبة خارقة وفذة ولا يمكن تعويضه, لكنه للأسف بدد طاقته ما بين النجومية والأضواء والغيرة من مواهب الآخرين, ورغم أن علاقتي به لم تكن جيدة علي الإطلاق بل لم أكن قريبا منه ولم أشأ ذلك إلا أنني أؤكد أنه لو كان ركز في الأدب وحده لأصبح بحق شيئا مختلفا لا نظير له, ولعلني أستغل سؤالك هذا لأتساءل بدوري: أين يوسف إدريس الآن من الخارطة الثقافية أين قصصه التي لابد أن يقرأها الشباب؟ أين يحيي حقي؟ أين فتحي غانم؟ أين الباقون؟ لابد أن تكون هناك سياسات لمعالجة هذا الخلل الثقافي الموجود علي الساحة حاليا. * دعني أعود إلي نقطة مهمة ذكرتها عن يوسف إدريس وهو أنه كان يغار من مواهب الآخرين, هل حدث معك موقف شخصي جعلك تقول ذلك؟ بالطبع فعندما انتهيت من مذكرات شاب عاش من ألف عام ذهب الأستاذ محمد عودة إلي يوسف إدريس ليعطيه نسخة من الكتاب لكي يقرأه ويقول رأيه فيه, وكان في هذه اللحظة يستقل سيارته أمام باب أخبار اليوم وكنت أنا واقفا علي مقربة منه, فما إن فاتحه محمد عودة في أمري وأمر الكتاب حتي أمسك به, وألقاه من نافذة السيارة, قبل أن ينطلق ولم أكن أنا أول ولا آخر من فعل معه ذلك. * نأتي إذن لعلاقتك بالأستاذ نجيب محفوظ؟ أنا أحسد نفسي أنني عرفت نجيب محفوظ عن قرب بل أستطيع القول إن كل جيل الستينيات أمثالي خرجوا جميعا من عباءة نجيب محفوظ لقد أعطاه الله موهبة فذة فما كان منه إلا أن عمل علي تنميتها وصقلها بعيدا عن أية مؤثرات أخري مثل الجري وراء الشهرة, أو النجومية. لهذا نجح وبشدة لماذا؟ لأن الأدب لا يقبل ضرة ولا يحب القسمة علي اثنين علاقتي بمحفوظ بدأت منذ حوالي عام1959 ومنذ بداية معرفتنا وهو دائما يقول: إن العمل الجيد هو الذي يصنع بصمة لصاحبه وأتذكر أنه لم يسع أبدا لنيل أية جائزة ولا حتي نوبل*
|