الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3

كيف أصبح جلال أمين كاتبا؟‏!‏

السبت 28 / 7 / 2007

‏*‏ كتب ـ عزمي عبد الوهاب


كيف أصبح جلال أمين كاتبا؟ هذا السؤال كان هاجسي الأول وأنا أطالع كتابه ماذا علمتني الحياة؟ الصادر عن دار الشروق‏,‏ الكتاب ينتمي إلي السيرة الذاتية‏,‏ وقد يبدو السؤال ساذجا‏,‏ فجلال أمين نشأ في بيت كاتب كبير‏,‏ يتردد عليه وفيه أسماء مثل طه حسين والعقاد والمازني وزكي مبارك‏,‏ وغيرهم كثيرون من أعمدة النهضة العربية‏,‏ فكان طبيعيا أن يصبح كاتبا‏,‏ لكن الواقع يقول إن القاريء العربي عرف جلال أمين كاتبا بينما كان يدخل مرحلة الكهولة‏,‏ فماذا حدث؟
أول ما عرف القاريء العربي أمين كاتبا حين صدر كتابه المهم ماذا حدث للمصريين؟ والحكاية تبدأ عندما أصبحت كلمة السلام أكثر الكلمات تداولا في مصر في أعقاب توقيع اتفاقية كامب ديفيد‏,‏ وامتدت الظاهرة إلي المقررات المدرسية‏,‏ ففي صيف‏1980‏ كانت ابنة جلال أمين تؤدي امتحان الشهادة الابتدائية‏,‏ وكانت أربعة أسئلة من أصل عشرة‏,‏ تتعلق بالسلام‏,‏ فاستبد به الغضب لدي قراءة ورقة الامتحان‏,‏ وجلس لكتابة مقال تساءل فيه عن الدافع الذي يجعل الممتحن يتصور أنه ليست هناك قيمة من القيم تستحق الاهتمام والغرس في نفوس التلاميذ غير تلك التي تتعلق بقضية سياسية‏.‏
أرسل جلال أمين مقالا بهذا المعني إلي جريدة الأهرام‏,‏ لكنه لم ينشر‏,‏ وبعد سنة ونصف السنة أرسله إلي مجلة الأهرام الاقتصادي بالبريد ونشر‏,‏ كان ذلك بعد اغتيال السادات بأربعة أشهر‏,‏ ومنذ هذا التاريخ لم يتوقف جلال أمين عن الكتابة في أمور عامة يجمع فيها بين العام والخاص‏,‏ إلي أن يقول مع تكرار تجربتي في الكتابة والنشر استقر في ذهني أنه من الممكن بالفعل أن أصبح كاتبا‏.‏
وإذا كان جلال أمين مدينا لكتابه ماذا حدث للمصريين؟‏!‏ بالكثير من شهرته‏,‏ فإن لهذا الكتاب قصة أخري‏,‏ إذ إن مصطفي نبيل ـ رئيس تحرير الهلال آنذاك ـ كان يعد ملفا عنوانه ماذا حدث للمصريين؟ وطلب من أمين أن يسهم في الملف بمقال‏,‏ فكتب عما طرأ علي مركز المرأة في مصر من تغير خلال الخمسين عاما الماضية‏,‏ مقارنا بين ثلاثة أجيال من النساء في أسرته‏,‏ وقد شجعه ذلك علي تناول الموضوع مركزا علي جوانب أخري في المجتمع المصري‏.‏
وواصل أمين الكتابة فكتب عن الأقباط وما يتعرضون له‏,‏ وعن يوسف إدريس حين كان هدفا لحملة منظمة‏,‏ إثر ما كتبه عن حرب‏1973,‏ وكتب أيضا مدافعا عن أحمد بهاء الدين ضد هجوم ثروت أباظة عليه‏,‏ وفي كل الأحوال كان جلال أمين يبدو مختلفا‏,‏ حين يمس الأمر حرية التعبير فقد هاجم الخبز الحافي للمغربي محمد شكري مدافعا عن موسم الهجرة للشمال للسوداني الطيب صالح‏,‏ وانتقد أيضا فيلم المهاجر ليوسف شاهين‏,‏ وفي الشعر الجاهلي لطه حسين‏,‏ والصقار لسمير غريب‏,‏ وكان في مثل هذه المواقف وغيرها يلتقي مع أعداء حرية التعبير‏.‏
وإذا كانت مقالات جلال أمين السياسية تنشر في أكثر من صحيفة فإن الرجل لم تكن له سوي تجربة سياسية قصيرة مع حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس عام‏1942‏ علي يدي ميشيل عفلق‏,‏ وقد سوت الجرافات الأمريكية قبره بالأرض بعد احتلال العراق‏,‏ في محاولة غبية لاستئصال كل ما له علاقة بحزب البعث‏.‏
استمرت تجربة أمين في البعث ثلاث سنوات‏,‏ إذ إنه التحق به وعمره عشرون سنة وتركه في الثالثة والعشرين‏,‏ التقي خلالها ميشيل عفلق أكثر من مرة‏,‏ ويتذكره رجلا وسيما علي وجهه دائما ابتسامة مشرقة وصادقة تعكس نفسا صافية وكريمة وكان عفلق في لقاءاته مع البعثيين المصريين يتحدث وهم يدونون ما يقوله‏,‏ ثم ينشرون ذلك‏,‏ إلي أن التقاهم مرة سعيدا عقب مقابلة مع عبدالناصر لأنه وافق علي الوحدة مع سوريا‏,‏ بشرط حل حزب البعث‏,‏ وهنا انتهت علاقة جلال أمين بالحزب‏,‏ تزامنا مع سفره إلي إنجلترا وانبهاره بالأفكار الماركسية‏.‏
جلال أمين كان صريحا في سرده سيرته الذاتية وقد تناول فيها أسرارا خاصة بأبيه وأمه وإخوته‏,‏ وحتي أساتذته‏,‏ وفي كل الأحوال لا غني عن قراءة الكتاب حتي تكتمل الصورة‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 28 / 7 / 2007
رقم العـدد
540
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg