الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3من مفكرة سفير عربي باليابان

الأسطورة‏..‏ الدين‏..‏ والديمقراطية

السبت 28 / 7 / 2007

‏*‏ د‏.‏ خليل حسن


لقد شدني كتاب يبحث علاقة الأساطير بالأديان وضرورة خلق التوازن في فهمهما‏,‏ لتطوير التجربة الديمقراطية مع المحافظة علي القيم الإنسانية الروحية الدينية‏,‏ والوقاية من الاستفادة من الدين للعب السياسية الطائفية المقيتة‏,‏ وقد كتبته المؤرخة والكاتبة البريطانية كارن أرمسترونج‏,‏ التي كانت راهبة بالكنيسة البريطانية ولعدة سنوات طويلة‏,‏ وقررت أن تترك العمل بالكنيسة والتفرغ لدراسة الأديان‏,‏ وقد كتبت الكثير عن الإنسان والآلهة والأديان‏.‏ فقد تطرقت في كتاباتها للمسيحية واليهودية والإسلام‏,‏ كما درست الهندوسية والبوذية بتفاصيل متناهية‏.‏
وتتحدث في كتابها‏,‏ الأسطورة‏,‏ عن نشأة الأساطير في التاريخ البشري وارتباطها بأحلام الإنسان لتحقيق المستقبل‏,‏ وتوضح بشكل جميل‏-‏ أنه ومنذ بدء التاريخ‏-‏ كان الإنسان ملهما بخلق الأسطورة‏,‏ فمن خلالها يرضي غرائزه ويحقق أحلامه‏,‏ وقد واكب تصنيف التاريخ البشري في خلق الأسطورة ثلاث مراحل‏,‏ تمثلت الأولي بتداول الأساطير لأسرار الكون وأحلام الإنسان‏,‏ ومع تقدم الحضارة البشرية العمرانية دخلت مرحلة العقائد الدينية‏,‏ ومع تطور المجتمع المدني وبدء الاكتشافات العلمية‏,‏ دخل الإنسان مرحلة العلوم المادية والتخيلات العلمية‏,‏ وقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة أن حياة الدنيا ليست إلا بداية لحياة أخري‏,‏ وقد أكد رجال الآثار هذه الحقيقة‏,‏ بكشف ما تحوي قبور الأقدمين من كنوز جمعوها في قبورهم لأخذها للحياة الآخرة‏.‏ ويعتقد الذهن البشري أن هناك الكثير من الأشياء التي لا يستطيع المخ المادي أن يفسرها ويقتنع ماديا بوجودها‏,‏ ولذلك تطور التخيل في العقل البشري وبرزت الأساطير وتطورت منها مفاهيم الأديان المختلفة‏.‏
وتعتبر الأساطير في عالمنا المادي اليوم خرافات غير معقولة‏,‏ مع أن مخيلة الأساطير هي التي مكنت الإنسان من أن يحلم في المستقبل ويكتشف علوما جديدة ويبدع باختراعات حديثة‏.‏ فمخيلة العلماء هي التي حملتنا إلي عالم الفضاء الخارجي فمشينا علي القمر وزرعنا المريخ وسحبنا الطاقة الكهربائية من علي سطح الشمس‏.‏ فالأسطورة مع العلوم المادية توسع مدارك ذهن الإنسان وتحلقه في أحلام مستقبلية عجيبة‏.‏ وتساعد الإنسان لأن يعيش الواقع الحياتي بأعماقة ويحلم بتغييره وتطويره‏.‏ وقد مزجت الأساطير قديما بين الإنسان والحيوان والطبيعة بتناغم جميل‏,‏ وتعرضت للقوانين الأرضية والقيم الإلهية بشكل متوازن‏.‏ ولم يوجد في البداية شرخ بين عالم الآلهة والعالم البشري‏.‏ ووجود الآلهة لم ينفصل عن قوة الرياح وحيوية الأنهار والبحار‏,‏ ولا عن العواطف الإنسانية في الحب والكراهية والانتقام‏.‏ وقد خلق الإنسان الأساطير لتساعده للتعامل مع معضلات الحياة والطبيعة بشكل حالم وسلس‏.‏ كما ساعد البشر أن يعرفوا موقعهم في هذه الحياة ويتساءلون من أين أتوا وكيف بدأت الحياة وما سرها وإلي أين هم ذاهبون؟
وقد اعتبر أهالي الهلال الخصيب أن مدنهم هي المكان المناسب لملاقاة الآلهة فحولت لجنان الأرض‏.‏ وبدأت تقطن الآلهة المعابد في داخل المدن بجانب البشر فتقارب الإنسان مع آلهته‏.‏ وقد عانت حضارة ما بين النهرين وحضارة مصر من فيضانات الأنهار‏,‏ واعتبرها شعوبها غضب الآلهة فقدمت القرابين لتهدئتها‏.‏ وبرزت الآلهة من المادة المقدسة غير المحددة‏.‏ فامتزج الملح مع الماء المر‏,‏ ولم تكن السموات والأرض والبحار مفصولة عن بعضها‏.‏ كما كانت الآلهة بدون شكل أو اسم أو مستقبل‏.‏ وقد كانت أوائل الآلهة التي برزت من المزج غير منفصلة من المادة المبهمة‏:‏ فإبسو كان إله الماء النهري‏,‏ وتيمت إله البحر المالح والمومو إله السحب الضبابية‏.‏
وقد تشكلت من هذه الآلهة المبهمة آلهة جديدة توضحت معالمها وبدأت تنفصل أجزاء الكون عن بعضها البعض فانفصلت السماء عن الأرض وبدأت تنفصل اليابسة عن البحار والأنهار‏.‏ وبدأت الآلهة من مزيج من الماء والطين وسميت لاهمو والاهامو‏.‏ وبعدها أنشير وكيشار وتعني أفق السماء والبحار‏,‏ ومن ثم آلهة السموات آنو‏,‏ وآلهة الأرض إياه‏.‏ وكانت الآلهة الجدد أكثر نشاطا فإبسو غطس في قاع الأرض وإينو وإياه بنيا قصورهما مع المعابد وقاعات المدن‏.‏ وقد تحولت آلهة التيمت إلي آلهة خطرة وخلقت وحشا ممسوخا للانتقام من إبسو‏.‏ كما برزت آلهة مختلفة في بلاد الهند والصين‏.‏ ومع التطور بدأت الآلهة تبدو بعيدة عن البشر وبدأ الإنسان في العمل للتعامل مع الأزمات الطبيعة‏.‏ وبدأت تنتشر القصة والشعر‏.‏ ومن أشهر القصائد هي أسطورة جلجامش التي يرجع تاريخها لعام ألفين وستمائة قبل الميلاد‏.‏
واستمر تطور مفهوم الآلهة والدين عند الإنسان‏,‏ فبرزت الهندوسية فالبوذية فالأديان السماوية اليهودية فالمسيحية فالإسلام‏.‏ وبدأت تنتشر المؤسسات الدينية وتزداد قوتها المادية والمعنوية‏.‏ وعملت القوي السياسية علي الاستفادة من هذه القوة السياسية الجديدة‏.‏ والتفتت القوي الحاكمة لخطورة بدأ سيطرة المؤسسات الدينية السياسية علي عقول الأفراد‏,‏ فعملت علي فرض سيطرتها والاستفادة منها لتقوية مواقعها المجتمعية‏.‏ فتداخل الدين بالسياسة‏,‏ واستغل السياسيون الدين لمصالحهم‏.‏ وبدأت تصدر قرارات سياسية في صياغة دينية‏.‏ وبدأ التوسع وغزو البلدان باسم الدين‏,‏ فتطور الاستعمار وبدأت الحروب وعاشت البشرية معاناة الغزو والاستعمار والتفرقة العنصرية والعبودية‏.‏
ومع بدء الثورة الفرنسية عام‏1789,‏ بدأت حركة التغير في المجتمعات الأوروبية وترافقت مع تغير الأنظمة الحاكمة والسياسات والإيديولوجيات المرافقة لها‏.‏ فانتهي حكم الإقطاع وصودرت أموال الكنيسة‏,‏ وألغيت جميع المميزات السياسية التي كانوا يستمتعون بها رجال الدين وتحولوا لأفراد عاديين ضمن المجتمع المدني الجديد‏.‏ وبدأت تبرز الإيديولوجية والقوي السياسية القومية‏,‏ وبهتت المؤسسات الدينية وقياداتها‏.‏ وترافقت هذه التغيرات السياسية مع التطور العلمي والصناعي‏,‏ واكتشف الإنسان أن التطور المادي العلمي سيسخر القوي الطبيعية لخدمته‏,‏ وضعفت المفاهيم والقيم الدينية وبرزت الأفكار المادية والقومية والماركسية‏.‏
وبدأ صراع السلطة في أوروبا من جديد‏,‏ واستمرت إرهاصات الثورة الفرنسية حتي برز الإمبراطور نابليون بونابرت بعد الانقلاب عام‏1804,‏ وبدأت حروب أوروبية متتالية لم تنته إلا بمعاناة ودمار الحرب العالمية الثانية‏,‏ مع قتل مائة وخمسين مليونا من سكان الأرض‏.‏ واكتشفت أوروبا بعد تجارب مريرة قاسية أنه لا سلام ولا تنمية بلا ديمقراطية وضرورة فصل الدين عن السياسة‏.‏ فعملت بجد واجتهاد لتطوير نظمها الديمقراطية وقررت أن تتجنب الحروب المستقبلية فوحدت جهودها في سوق أوروبية مشتركة ومنها الاتحاد الأوروبي‏.‏
كما بدأ بروز قوي جديدة بعد الحرب العالمية الثانية كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي واستمر الصراع بينهما بحروب مختلفة ساخنة وباردة‏.‏ ولم تنته هذه الحروب إلا حينما زار الرئيس السوفيتي جورباتشوف فرنسا واكتشف خلال زيارته أن التنمية الحقة تحتاج للديمقراطية‏,‏ فبدأت منذ ذلك الحين التحولات الديمقراطية في دول الاتحاد السوفيتي‏,‏ وبدأت الولايات المتحدة تنفرد بجبروت السلطة في العالم‏,‏ ودخلت في حروب تلو الحروب ليبدأ أفول جبروتها مع بدء الألفية الثالثة وبروز قوة عالمية جديدة هي اقتصاد سوق العولمة‏.‏
ونلاحظ عزيزي القارئ أن تاريخ البشرية مر بتجارب مريرة ليكتشف الإنسان أن لا أمان ولا استقرار ولا تنمية إلا بالديمقراطية‏,‏ فهل نستوعب نحن كدول المينا‏(‏ دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا‏)‏ العبرة من تاريخ العالم وأخطائه

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 28 / 7 / 2007
رقم العـدد
540
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg