الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3

قبل قيام ثورة يوليو بـ‏12‏ عاما


معركة عاصفة بين ناصر وإيدن في السودان

السبت 28 / 7 / 2007

تقرير ـ أسماء الحسيني


في الذكري الخامسة والخمسين لثورة يوليو كشف المحامي السوداني هاشم كنه لـالأهرام العربي عن معلومات جديدة تفيد بأن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التقي رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن لأول مرة في مدينة بورسودان عام‏1940‏ وليس كما ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه عبد الناصر والعالم‏,‏ بأنهما التقيا مرة واحدة في مبني السفارة البريطانية في القاهرة عام‏1955,‏ ويقول المحامي السوداني إن المعلومات التي جمعها استقاها ممن عاصروا الحدث من أبناء بورسودان تؤيدها إشارات في مصر صدرت في مذكرات ضابط مصري عاصر عبد الناصر أثناء وجوده في السودان ضمن كتاب أسماه مواقف كما تدعمها إشارات أخري في كتيب للصحفي مصطفي أمين صادر عن دار روز اليوسف بعنوان مصطفي أمين يتذكر‏.‏
رغم ذلك فقد أغفل الكثيرون من كتاب التاريخ السياسي المعاصر تلك الإشارات لهذا اللقاء المهم الذي تم بين اليوزباشي جمال عبد الناصر حينها وأنتوني إيدن مبعوث وزارة الدفاع البريطانية حينها في موقع جامعة البحر الأحمر حاليا ببورسودان في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي‏.‏
يقول هاشم كنه‏:‏ كانت البداية يوم أن صدرت الأوامر لليوزباشي جمال عبد الناصر بالانتقال من الوحدة المصرية بجبل الأولياء للعمل بالوحدة المصرية ببورسودان كقائد ثان لهذه الوحدة‏,‏ وكان قائد الوحدة المصرية ببورسودان في ذلك الحين من أصلي تركي ويدعي علي كفته وكان يعمل إلي جانبه ثلاثة من الضباط المصريين إضافة إلي اليوزباشي جمال عبد الناصر ومجموعة من الجنود‏.‏
ويشير إلي أن عبد الناصر كان سريع الانسجام مع مجتمع المدينة‏,‏ ومضت أيامه في مدينة بورسودان الهادئة الوادعة إلي أن جاء قائد الوحدة المصرية فرحا مهللا وطلب الاجتماع بالضباط‏,‏ وفي الاجتماع أخبرهم بأن فرصة عظيمة لاحت وأنه لن يدعها تفلت منه‏,‏ وقال لهم‏:‏ إن هذه الفرصة التي يتحدث عنها هي زيارة أنتوني إيدن مبعوث وزارة الدفاع البريطانية لمعسكر الوحدة المصرية‏,‏ وأن هذه الزيارة تعد فرصة عظيمة له للترقي‏,‏ وأصدر أوامره بأن يعمل الجميع علي تهيئة المعسكر بصورة تتناسب والزائر الكبير‏,‏ وهنا أيقن عبد الناصر بحدسه وحسه وبصيرته النافذة بأن هذه الزيارة لن تكون في مصلحة الوحدة المصرية بأية حال من الأحوال‏,‏ ذلك لأنه كانت توجد في جنوب المدينة وحدة للجيش البريطاني تقيم في الخيام‏,‏ بينما تقيم الوحدة المصرية في مبان من طابقين ومعدة بجميع أسباب الراحة‏.‏
ويضيف‏:‏ وهنا أيقن عبد الناصر أن أنتوني إيدن لن يتورع في أن يطلب من قائد الوحدة المصرية الموافقة علي انتقال الوحدة البريطانية إلي مباني الوحدة المصرية‏,‏ وفي المقابل انتقال الوحدة المصرية لخيام الوحدة البريطانية‏,‏ وكان يقين عبد الناصر راسخا في أن قائد الوحدة المصرية لن يتردد في الاستجابة لذلك الطلب لما به من تلهف واضح لاسترضاء إيدن حتي ينال مبتغاه في الترقي ولو كان ذلك علي حساب الوحدة المصرية‏.‏
ويوضح‏:‏ ولذلك أضمر عبد الناصر موقفا‏,‏ وانفض الاجتماع عن برنامج للاستقبال‏,‏ وبدأ الضباط ومنذ أمسية اليوم السابق للزيارة في الإشراف علي أعمال النظافة والإعداد للزيارة‏,‏ وتواصل العمل حتي صبيحة الزيارة‏,‏ وعندها لاحظ الضباط الثلاثة غياب قائد الوحدة وعدم ظهوره في ذلك الصباح‏,‏ وتوجهوا بأسئلتهم الحائرة إلي عبد الناصر فأخطرهم بأن قائد الوحدة قد أصيب في الليلة السابقة بوعكة مفاجئة لا تمكنه من استقبال إيدن وأن قائد الوحدة قد كلفه بوصفه قائدا ثانيا للوحدة بأن يقوم باستقبال إيدن نيابة عنه‏,‏ وطلب عبد الناصر من زملائه الضباط مواصلة العمل والإعداد للزيارة وكأن شيئا لم يكن فاستجابوا له‏.‏
ويقول‏:‏ وعند العاشرة صباحا وقف عبد الناصر بقامته السامقة وقوامه الممشوق عند بوابة الوحدة في انتظار ركب أنتوني إيدن‏,‏ ولم تمض لحظات حتي وصل ركب إيدن وكان يضم إلي جانبه قائد الوحدة البريطانية وضباطه وبعض المسئولين وأعيان المدينة‏,‏ أمسك أنتوني إيدن بيد عبد الناصر مصافحا‏,‏ لم يكن يدري أي منهما في تلك اللحظة أن التاريخ يخبيء لهما لقاء في حرب السويس عام‏1956,‏ وأن هذا الفتي الممشوق القوام سوف يكتب الفصل الأخير ويسدل الستار علي حياة أنتوني إيدن السياسية وسيمرغ أنف الكبرياء البريطاني في وحل السويس‏.‏
ويضيف‏:‏ اعتذر عبد الناصر لأنتوني إيدن عن عدم استقبال قائد الوحدة له لوعكة مفاجئة ألمت به وأخطره بأنه قد كلف باستقباله نيابة عنه‏,‏ فأبدي إيدن قبوله للاعتذار وطلب من عبد الناصر نقل أمنياته بالشفاء لقائد الوحدة‏,‏ وتقدما الركب راجلين إلي داخل الوحدة‏,‏ وقد فصلت بينهما وبين أعضاء الوفد المرافق والمستقبلين مسافة ليست بالقصيرة‏,‏ وكانا يسيران في ممر ضيق ينتهي بساحة واسعة في فناء الوحدة‏,‏ وبدلا من المرور علي مرافق الوحدة اقتاد إيدن عبد الناصر من يده إلي منتصف الفناء‏.‏
ويذكر المحامي السوداني وبدا للمرافقين أن حوارا مهما يدور بين الرجلين رغما عن الفارق الواضح في مركزهما‏,‏ إلا أن عبد الناصر فيما بدا لم يعر ذلك التفاتا ولم يجرؤ أحد من المرافقين علي الاقتراب نحوهما‏,‏ وما لبث بعد ذلك أن بدا لهم أن الحوار قد أخذ طابعا انفعاليا‏..‏ كان إيدن يلوح بيديه في عصبية واضحة‏,‏ وقد اكفهر وجهه بينما يقف عبد الناصر في ثبات الواثق‏,‏ ذلك الثبات الذي اختزن في داخله ثورة تفجرت بركانا فيما بعد أيقظ الضمير العربي من سباته من المحيط إلي الخليج‏.‏
ويقول لم تمض برهة حتي استدار إيدن في انفعال كبير وظاهر مسرعا الخطي نحو بوابة الوحدة المصرية منهيا الزيارة مما أربك المرافقين وأذهلهم فهرولوا في أعقابه‏,‏ وغادر ركبه الوحدة المصرية في جو انفعالي مهيب‏.‏
وأسرع ضباط الوحدة المصرية نحو عبد الناصر يستوضحونه السبب وقد ألجمتهم الدهشة وعقدت المفاجأة ألسنتهم‏,‏ فقابلهم عبد الناصر بابتسامة هادئة وهدوء غريب وانتحي بهم في إحدي الغرف وأجلسهم ومازال الهدوء يسيطر عليه والابتسامة ترتسم علي شفتيه‏..‏ صرخ أحدهم في عبد الناصر بربك ماذا حدث؟ قال لهم مهللا لم العجلة؟ ما حدث أن حوارا دار بيني وبين إيدن وانتهي إلي ما شاهدتموه وكم أنا سعيد بهذه النهاية‏,‏ أما عن الحوار فقد كان علي النحو التالي‏:‏
إيدن‏:‏ أشكر لكم حرارة استقبالكم لنا‏,‏ ولاشك أن ذلك يدعم أواصر التعاون والتنسيق بيننا خدمة للأهداف المشتركة‏.‏
عبد الناصر‏:‏ لا تعليق‏.‏
إيدن‏:‏ إن لي طلبا أنوي التقدم به لسيادتكم بوصفكم نائبا عن قائد الوحدة وآمل أن تعدني بقبول هذا الطلب والعمل علي تنفيذه‏.‏
عبد الناصر‏:‏ لا يمكنني أن أعدك بقبول طلبكم قبل التعرف عليه حتي أقرر ما إذا كان طلبكم هذا مقبولا من جانبنا أم لا‏.‏
إيدن‏:‏ بعد أن أظهر امتعاضا من الإجابة التي لا تليق لما بها من جرأة من ضابط مصري صغير‏...‏ حسنا إن أن طلبي يتمثل في السماح لوحدة الجيش البريطاني الموجودة جنوب بورسودان بالانتقال لمقر الوحدة المصرية في مقابل انتقالكم لموقع الوحدة البريطانية‏.‏
عبد الناصر‏:‏ إن هذا الطلب يمثل امتهانا لكرامة الجندي المصري وانتقاصا من شأنه ومركزه وهو أمر لا يمكن أن نوافق عليه‏.‏
إيدن‏:‏ الأمر ليس كما تصورت فهو لا يتصل بكرامة الجندي المصري أو أي شيء من هذا القبيل‏,‏ خصوصا أننا نعمل معا لأداء دور في هذه البلاد‏,‏ كما أنني عرفت في الأوساط السياسية والعسكرية البريطانية بميولي العاطفية نحو مصر وجيشها وكثيرا ما أخذ علي بخصوص تلك الميول‏.‏
عبد الناصر‏:‏ لسنا بصدد الحديث عن عواطفكم نحونا ألا يكفيكم أنكم جثمتم علي صدر مصر قرابة الستين عاما وصادرتم حريتنا ونهبتم ثرواتنا‏,‏ وبعد كل هذا تريدون منا أن نخلي لكم هذه الثكنات بلا سبب سوي غروركم الذي لا يسمح لجيشكم بالإقامة في الخيام‏.‏
إيدن‏:‏ في عصبية‏...‏ أخيرا ماذا عن الطلب الذي تقدمت به؟
عبد الناصر‏:‏ إن طلبكم يمكن له أن يتم‏,‏ ولكن ذلك لن يكون إلا علي جثثنا وأشلائنا‏.‏
وعند ذلك استدار إيدن وغادر غاضبا‏.‏
وأضاف عبد الناصر لزملائه‏:‏ هذا ما دار بيني وبين إيدن‏,‏ وخيم الصمت في أرجاء المكان فقد كان زملاء عبد الناصر يحاولون قدر جهدهم استيعاب ذلك كله دون جدوي‏,‏ وفجأة قطع عليهم عبد الناصر ذلك الصمت وصاح‏:‏ آه تذكرت ونادي علي أحد الجنود‏,‏ وما إن مثل أمامه حتي أمره بإطلاق سراح قائد الوحدة من معتقله في مخزن الوحدة‏,‏ وهنا أدرك ضباط الوحدة بأن قائدهم لم يكن متوعكا كما زعم عبد الناصر‏,‏ بل أنه كان معتقلا من قبل عبد الناصر بالتنسيق مع بعض الجنود‏.‏
لم تمض لحظات حتي ظهر قائد الوحدة مهرولا وهو يصيح في هيستريا خربتو بيتي خربتو بيتي متوعدا عبد الناصر بالويل والثبور‏,‏ ولم تستطع الحكومة المصرية في ذلك الوقت معاقبة ضابط مصري صغير رفض التخلي عن موقع للجيش المصري إرضاء لكبرياء الإمبراطورية البريطانية‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 28 / 7 / 2007
رقم العـدد
540
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg