|
صلاح عيسي ذات يوم من صيف عام1957, وبينما كان الطالب الفلسطيني والناشط الإخواني عبدالله أبو عزة يستعد لامتحان الثانوية العامة, سلمه المسئول عن بقايا التنظيم الإخواني في غزة هاني بسيسو ـ وقد حكم عليه بالسجن بعد ذلك عام1965 فيما عرف بـ مؤامرة سيد قطب- مذكرة قال له, إنه اقتراح قدمه له زميلهما الثالث في التنظيم خليل الوزير ـ أبو جهاد الذي كان قد عاد من القاهرة, حيث كان يدرس آنذاك في الجامعة المصرية في إجازة نهاية العام. كانت المذكرة, تتضمن مشروعا أو رؤية مختلفة للنضال الفلسطيني, تتجاوز حالة الحيرة والتخبط التي كان الجميع يعاني منها, بما في ذلك تنظيم الإخوان المسلمين في غزة الذي كان قد تفكك, وعادت بقاياه تركز علي النشاط الديني.. يقوم ـ طبقا لما يرويه د. عبدالله أبو عزة في مذكراته ـ علي أن يتبني الإخوان المسلمون, في فلسطين, إقامة تنظيم خاص بجانب تنظيمهم, بحيث لا يحمل لونا إسلاميا في مظهره وشعاراته, بل يرفع فقط شعار تحرير فلسطين عن طريق الكفاح المسلح, ويشرع في الإعداد لهذا الكفاح, ويبدأ في ممارسته متي توافرت له العدة, علي أن يخلع كل عضو ينضم إليه من الإخوان ثيابه الإخوانية, ويخلع كل من ينضم إليه من غيرهم ثيابه الحزبية, لتحل محلها ثياب فلسطينية ويمتنعوا جميعا عن الدعوة لأية عقيدة أو إيديولوجية حزبية, وألا يقفوا مع أو ضد أية حكومة عربية, وأن يحرصوا علي الاستقلال عن كل الحكومات والحركات والأحزاب, لأن تنظيما من هذا النوع هو الذي سوف يفتح الأبواب المغلقة بين الإخوان والجماهير, ويفك عنهم طوق حصار النظام الناصري الذي لا يرحم, فضلا عن ذلك فإن العمل المسلح سوف يبقي القضية الفلسطينية حية, ويقطع الطريق علي محاولة تصفيتها, كما أنه سيجبر الدول العربية علي خوض الحرب ضد الكيان الصهيوني. ولم يأخذ قادة الإخوان المسلمين في عزه, ما ورد في المذكرة مأخذ الجد, ولم يعنوا بمناقشة الأخ خليل الوزير ـ أبو جهاد الذي حملها إليهم, فيما ورد فيها, ولم يهتموا بمعرفة المجموعة التي تقف خلفها, ولم يتنبهوا إلا متأخرا, إلا أن أبو جهاد قد بدأ يطرح الفكرة علي من يعرفهم من الإخوان خلال الفترة التي كان فيها أحد المسئولين عنه, وأن كثيرين من أنشط عناصرهم ـ لمع من بينهم فيما بعد سليم الزعنون, الرئيس الحالي للمجلس الوطني الفلسطيني, وصلاح خلف ـ أبو إياد والشاعر الشهيد كمال عدوان اقتنعوا بها, وخلعوا بالفعل أرديتهم الإخوانية, لينضموا إلي التنظيم الجديد الذي تشكل بالفعل عام1958, ليتصاعد ضغط قواعد التنظيم الفلسطيني للإخوان المسلمين علي قيادتهم يتساءلون, بدهشة واستنكار عن مبرر منطقي واحد, لرفض فكرة قيام تنظيم فلسطيني موحد, يمارس الكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني! ويقول د. عبدالله أبو عزة ـ في مذكراته التي نشرت في كتاب بعنوان مع الحركة الإسلامية في الدول العربية ـ إن فكرة انضمام التنظيم الفلسطيني ـ أو بمعني أدق ذوبانه ـ في حركة فتح, قد أثارت جدلا ـ بل وقلقا ـ داخليا, استمر لمدة تزيد علي ثلاث سنوات بعد ذلك, وأحدثت ارتباكا شديدا في صفوف الإخوان الفلسطينيين, لم يقتصر علي إخوان غزة, بل شمل كذلك المقيمين منهم في غيرها, بل وتنظيمات إخوانية عربية أخري, وأن قيادة التنظيم في غزة, بذلت جهودا مضنية لمحاولة إقناع أعضائه وغيرهم بأن لديها أسبابا وجيهة لرفض الفكرة, بدعوي أنها خيالية, ولن تؤدي إلي نتيجة, وأنها تستبق المعركة مع العدو, قبل أن تستعد القوي الأساسية لخوضها, وقد تدفع إسرائيل لإعادة احتلال قطاع غزة, أو شن حرب ضد الدول العربية التي تسمح للفدائيين الفلسطينيين بالتسلل إلي داخل الأرض المحتلة من حدودها, فينتكس بذلك هدف التحرير, وتزداد العقبات في طريقه, وأسباب أخري كثيرة في هذا السياق. ومع أن هناك تفاصيل كثيرة غائبة, عمن كان ـ علي وجه التحديد ـ وراء الرؤية التي تأسست استنادا إليها حركة فتح عام1958, باعتبارها حركة تحرير وطني, لا تتوشح إلا برداء الوطن, ولا ترفع إلا لواء تحريره, فإنها لا تبدو غريبة عن الرؤية التي كانت سائدة في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بين كل القوي السياسية الساعية لتحرير أوطانها من الاستعمار عبر تشكيل جبهات وطنية واسعة تتسع للجميع, وتمارس الكفاح المسلح ضد المستعمرين, وتعلي ما هو وطني علي ما هو حزبي.. وهو ما كان الفلسطينيون أحوج إليه أكثر من غيرهم بحكم طبيعة الاستعمار الاستيطاني الذي احتل أراضيهم. أما الذي يستحق د. أبو عزة من أجله التقدير, فهو أنه اعترف في مذكراته بالسبب الحقيقي لرفض الإخوان المسلمين الفلسطينيين الانضمام لحركة وطنية موحدة تعمل لتحرير فلسطين وبقائهم لمدة ثلاثة عقود خارج نطاق حركة الكفاح المسلح ضد العدو.. فقال بوضوح أن تأسيس تنظيم لا يرفع راية الإخوان ولا يتبني شعاراتها, ولا يقتصر عضويته علي الكوادر التي ربتها, ويمارس الكفاح المسلح, سوف تجتذب إليه وإلي هدف تحرير فلسطين الأنصار والمؤيدين بدلا من أن يجتذبهم إلي الإخوان المسلمين, وإلي الإسلام, وأن علي الإخوان أن يركزوا جهودهم في نصرة دعوتهم, وفي الحفاظ علي كوادرهم, ليكون تحرير فلسطين من خلال الإخوان, وعبر البرنامج الشامل لإقامة دولة الإسلام! باختصار ووضوح قدم الإخوان ما هو حزبي علي ما هو وطني, ورفعوا شعار: إما أن نحرر وحدنا فلسطين.. وإلا فلا ضرورة لأن تتحرر علي الإطلاق! وتلك هي أصول ما يعرف الآن بالمسألة الفتحاوية- الحمساوية!
|