الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 لوجه الحقيقة
3

استعادة ليبيا لحقوق أطفالها‏..‏
نموذج للنجاح في إدارة الأزمات

السبت 28 / 7 / 2007

د‏.‏ عبدالعاطي محمد


نجحت ليبيا فيما فشلت فيه دول عربية عديدة عندما تقع في أزمة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع السياسية وتتسع دائرة الأطراف لتشمل عدة أطراف دولية وليس طرفا بعينه‏.‏ فقد جرت العادة علي تعمد تعقيد الأزمة وإطالة أمدها وترحيل البت فيها جيلا بعد جيل ومسئولين بعد مسئولين لتبقي الأمور علي حالها فلا يأخذ الطرف العربي حقه ولا تنصلح علاقاته مع الأطراف الدولية الأخري التي تشملها الأزمة‏.‏
نتحدث هنا عن أزمة الأطفال الليبيين المحقونين بالإيدز علي أيدي‏5‏ ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني‏(‏ حصل علي الجنسية البلغارية‏)‏ والتي انتهت الأسبوع الماضي بتسوية مرضية للطرفين ـ الليبي والبلغاري ـ والمجتمع الدولي أيضا‏,‏ بينما كان متصورا أن تتجه القضية إلي التعقيد والمواجهة قياسا علي حساسيتها ووقائعها التي امتدت لنحو‏8‏ سنوات‏.‏
‏***‏

في‏31‏ مارس الماضي كانت الأهرام العربي المطبوعة العربية الوحيدة التي أخذت علي عاتقها تبني قضية الأطفال الليبيين وتحملت شجاعة القرار وسط أجواء مفعمة بالحساسية من بلغاريا التي تربطها علاقات ثنائية مع مصر ومن دول أوروبية عديدة أخري كانت تدفع في اتجاه القيام بحملة إعلامية وسياسية مع بلغاريا لإجهاض الحقوق الليبية والتهرب من المسئولية عن هذه الجريمة البشعة‏.‏ وشارك في الندوة التي نظمتها المجلة بالقاهرة عدد كبير من الخبراء القانونيين والسياسيين من الجانبين ـ الليبي والمصري ـ وسط حضور مكثف من المثقفين المصريين والنشطاء في الحقل السياسي العام‏,‏ عكست التعاطف والتضامن المستندين إلي الحق بجانب مطالب أسر الضحايا وليبيا الشقيقة بقضائها ونظامها السياسي‏..‏ ولا شك أن نجاح الندوة كان له أثر كبير في التصدي للحملة الإعلامية الغربية المغرضة والمضللة التي أرادت التشويش علي نزاهة القضاءالليبي إلي حد التشكيك فيه‏,‏ والتي كانت تعمد إلي إسقاط مسئولية المتهمين لتضيع قضية‏438‏ طفلا أصيبوا بالمرض الفاتك‏(‏ ارتفع العدد فيما بعد إلي‏460‏ طفلا بينهم نحو عشرين من الأمهات أصبن بالعدوي من أطفالهن‏).‏
‏***‏

ولأن حيثيات القضية‏(‏ من خلال نحو‏60‏ ألف مستند‏)‏ كانت واضحة وضوح الشمس بما لم يكن يسمح بأي تشكيك في حكم القضاء الليبي بإعدام المتهمين الستة‏,‏ فإن المقام لا يحتاج إلي إعادة توضيحها‏,‏ خصوصا وأنها أخذت نصيبها الكبير من العرض في وسائل الإعلام المختلفة عربية كانت أم دولية‏.‏ ولكن المهم في الأمر هو الأداء الليبي في هذه الأزمة والذي يستحق أن يكون نموذجا للمحللين السياسيين‏.‏ فبرغم كل المصاعب التي كانت تواجه أسر الضحايا والدولة الليبية ممثلة في قضائها نتيجة تعمد الطرف الآخر‏(‏ بلغاريا والاتحاد الأوروبي‏)‏ تسييس القضية لتفريغها من مضمونها الحقيقي وضياع حقوق الليبيين‏,‏ إلا أن ليبيا تصرفت بحكمة وصلابة في الموقف رسميا وشعبيا إلي أن فرضت كلمتها واضطر الطرف الآخر إلي قبول ما كان يرفضه في السابق ويعتبره من الخطوط الحمراء التي يقاتل من أجل التمسك بها إلي ما لا نهاية‏,‏ ومنها اعتبار موقفه هو الصواب وحده ولا تنازل عن مطلب الإفراج عن المتهمين دون أي قيد أو شرط‏,‏ وبالمقابل اعتبار موقف ليبيا هو الخطأ بعينه‏!‏
أعطي القضاء الليبي الفرصة تلو الأخري للمتهمين ونظر في الأحكام أكثر من مرة دون أن يتنازل عن قراره وهو حكم الإعدام حتي أن المحكمة العليا ثبتت هذا الحكم قبل أن ينتقل إلي المجلس الأعلي للهيئات القضائية‏.‏ وقد تم ذلك بينما كانت الضغوط الغربية علي أشدها وبرغم علم ليبيا بأن مسألة الإعدام في حد ذاتها تثير شجون الأوروبيين وتعد من المحرمات ولكن حياة الأطفال الليبيين لم تكن أبدا أرخص من حياة أي طفل أوروبي‏..‏ أصر القضاءالليبي علي قراره لأنه كان يدافع عن مصداقيته وعن قوانينه واحترامه للعدالة‏.‏ وبالمقابل كان هناك تحرك آخر علي صعيد أسر الضحايا شمل جهدا سياسيا بارعا قامت به مؤسسة القذافي الخيرية التي تعمل تحت رئاسة سيف الإسلام نجل معمر القذافي قائد الثورة الليبية‏.‏ وكان الهدف هو أنه إذا ما أمكن الوصول إلي تسوية مع أسر الضحايا‏,‏ فإن ذلك يصبح عاملا مهما مساعدا علي انفراج الأزمة‏,‏ وفي ليبيا هناك نوعين من القضاء أحدهما هو القضاء المدني المعروف والآخر العرف فيما يتعلق بمسألة الدية حيث يقضي بالتنازل عن الحق إذا ما دفع المتهم الدية للمجني عليه‏.‏ وقد حدث خلط في وسائل الإعلام عند تناول تطورات قضية الأطفال الليبيين‏,‏ مصدره الاعتقاد بأن التسوية قائمة علي أعراف الدية‏,‏ ولكن الحقيقة أن التسوية التي كللت الأسبوع الماضي بالنجاح جاءت ضمن قوانين القضاء المعتاد في ليبيا والدليل علي ذلك هو خط سيرها في الأسابيع الأخيرة‏.‏
‏***‏

كانت الاتصالات السياسية قد نجحت في تغيير الموقف الغربي الذي لم يكن يتفهم ويؤمن في البداية بعدالة المطالب الليبية‏,‏ حتي أن إدريس لاغا رئيس جمعية رعاية أسر الضحايا كان قد توقع انفراجا حقيقيا للأزمة بنهاية يونيو الماضي علي أساس أن المحكمة العليا ستنظر في حكم الإعدام باعتبارها الجهة المنوط بها البت في الحكم إما بتثبيته أو إعادة ملف القضية للبحث مجددا وذلك بالتزامن مع حدوث تقدم كبير في المفاوضات مع أسر الضحايا‏,‏ ولكن الموضوع تأجل إلي شهر يوليو‏,‏ وتم تفسير ذلك من جانب بعض المراقبين علي أنه انتظار لما يمكن أن تسفر عنه جهود الإفراج عن المقراحي المتهم في حادث طائرة لوكيربي والمحكوم عليه بالسجن في اسكتلندا‏.‏ ولكن التطورات اللاحقة فصلت بين الأمرين إلي حد كبير‏,‏ وهكذا قامت المحكمة العليا بتثبيت حكم الإعدام لتنقل القضية بعد ذلك ـ وفقا للقوانين الليبية ـ إلي المجلس الأعلي للهيئات القضائية‏,‏ وهو أعلي جهة قضائية في البلاد برئاسة وزير العدل وعضوية ممثلين عن كل الجهات القضائية وهو المختص بالنظر في المواءمة السياسية لأحكام الإعدام ومن حقه إما أن يلغي الحكم أو يخففه أو يصدق عليه‏.‏ وهنا جاءت أهمية التسوية مع أسر الضحايا باعتبارها عاملا مساعدا للمجلس الأعلي للهيئات القضائية يستفيد منه في تعزيز موقفه بتخفيف الحكم أي التخلص من مسألة الإعدام التي تثير شجون الأوروبيين‏,‏ وهو ما حدث بالفعل حيث قام إدريس لاغا بتسليم وثيقة تنازل الأسر عن المطالبة بتنفيذ حكم الإعدام إلي المجلس‏,‏ وجاءت وثيقة التنازل بعد أن تم التوصل إلي تسوية كاملة والاستجابة لجميع شروط الأسر‏,‏ وهكذا أصدر المجلس حكمه بتخفيف العقوبة إلي السجن المؤبد‏.‏ ووفقا لاتفاقية تبادل المجرمين الموقعة بين ليبيا وبلغاريا أوائل الثمانينيات فإن ذلك كان يعني أن تقوم ليبيا بتسليم المتهمين الستة إلي بلغاريا‏,‏ وهناك إما أن يقضوا بقية العقوبة‏(‏ مسجونين منذ عام‏1999)‏ أو يصدر بشأنهم عفو من الرئيس البلغاري‏.‏ وبالفعل تم الإفراج عنهم وفي يوم الثلاثاء الماضي كان المتهمون قد وصلوا بالفعل إلي صوفيا وصدر عفو عنهم من رئيس بلغاريا‏.‏ وبمقتضي وثيقة التنازل حصلت كل أسرة من أسر الضحايا‏(‏ بمن فيها من توفي أطفالها‏)‏ علي مليون وثلاثمائة ألف دينار ليبي‏(‏ مليون دولار‏)‏ كتعويض وصرفت من صندوق مساعدات خاص في بنغازي أنشأته ليبيا وبلغاريا عام‏2005‏ تحت رعاية الاتحاد الأوروبي‏.‏ وقد ساعد المجلس الأعلي في قراره بتخفيف العقوبة أن المدانين كانوا قد تقدموا إليه بالتماس عفو وتعهدوا خطيا بعدم ملاحقة الدولة الليبية قضائيا علي السنوات التي قضوها في السجن‏.‏
‏***
ولكي تثبت ليبيا عدالة موقفها فإنها لم تشأ أن تجعل التسوية أمرا ماليا في حد ذاته‏,‏ فقضية الأطفال من الوجهة الإنسانية أكبر من أن تتحول بالطبع إلي مسألة تجارية تخضع للمساومة علي الأرواح‏,‏ ولذلك فإن التعويض الذي حصلت عليه كل أسرة أقل بكثير مما كانت الأسر تطالب به في السابق‏(‏ كان حوالي‏10‏ ملايين يورو لكل أسرة‏),‏ فالمهم هو أن القضية انتهت إلي تأكيد عدالة القضاءالليبي ونزاهته علي عكس ما كانت تدعيه الحملة المغرضة ضده ومن ثم إلي إثبات التهمة علي المتهمين‏,‏ وإلي إجهاض تسييس القضية ومحاولات دفع ليبيا إلي خندق المواجهات الدولية مرة أخري‏,‏ وإلي كسب التأييد الدولي والغربي بوجه خاص بعد أن كان الموقف هو العكس تماما‏..‏ فليس خافيا أن حكومات أمريكا وفرنسا وبريطانيا قدأشادت بالقرار الليبي ووصفه البعض منهم بأنه قرار حكيم وشجاع ويستحق التقدير‏..‏ كما وجد ترحيبا من المفوضية الأوروبية‏.‏ وفي مثل أوضاع عالمية محتقنة يندر أن يتحول موقف الغرب من العداء إلي الصداقة مثلما حدث أخيرا في ملف قضية الأطفال الليبيين‏,‏ وما كان ذلك يتحقق لولا البراعة القانونية والسياسية التي أدارت بها ليبيا القضية رسميا وشعبيا‏.‏
‏**‏ من الأجندة‏:‏
‏*‏ من يتابع ما يصدر من الضفة وغزة يدرك أن الطرفين‏:‏ السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس وحماس بقيادة إسماعيل هنية يتجهان بقوة إلي تكريس الانفصال‏..‏ كلاهما يتحدث عن احترام الشرعية والقانون والتقاليد الديمقراطية وفي نفس الوقت يفعل العكس تماما‏,‏ حيث يتخذ كل منهما الإجراءات التنظيمية المطلوبة لإدارة الشئون العامة بشكل أحادي ومضاد للآخر‏..‏ كلاهما يعطل نصاب المجلس التشريعي كلما كان أمر انعقاده ضد مصلحته ويطالب بانعقاده عندما يكون في مصلحته‏..‏ وكلاهما مصر علي معاندة الآخر في مسألة المعابر دون أي اعتبار للكارثة الإنسانية التي يعيشها نحو‏6‏ آلاف فلسطيني مازالوا عالقين علي الحدود المصرية‏..‏ قالت فتح‏(‏ أو السلطة الفلسطينية‏)‏ إن المجلس المركزي لمنظمة التحرير أصبح الجهة البديلة للمجلس التشريعي وأعادت له الحياة بعد أن عطلت انعقاده نحو‏10‏ سنوات‏!..‏ وقالت حماس‏:‏ إنها قررت إنشاء ما تسميه باللجنة الشرعية بديلا عن النيابة العامة في غزة لتنظر في القضايا الجنائية بعد أن ألغت السلطة النيابية العامة هناك‏..‏ ناهيك عن الحملات الإعلامية الجارحة التي يخوضها الطرفان ضد بعضهما البعض‏..‏ النتيجة أن كليهما يهدم المعبد علي من فيه مراهنا علي استسلام الطرف الآخر في النهاية‏..‏ ولكن الشعب الفلسطيني لن يتحمل هذا العبث طويلا‏..‏
‏*‏ فوز حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات التشريعية كان بمثابة رد شعبي علي القوي العلمانية والجيش اللذين تصديا لرغبة عبدالله جول للترشح لرئاسة الجمهورية لا لشيء إلا لأن زوجته ترتدي الحجاب‏!..‏ اتضح أن تمسك الشعب التركي بتجربة رجب طيب أردوغان لا علاقة له بأنه بتزعم حزب إسلامي وإنما لأنها تجربة اقتصادية ناجحة فتحت المزيد من الفرص أمام الطبقة الوسطي التركية وقللت من مظاهر الفساد وخفضت معدلات التضخم‏..‏ لقد استطاع حزب العدالة أن يواصل الحكم منفردا وهو تطور نادر الحدوث في الساحة التركية حيث غالبا ما لا يتمكن حزب حاكم من تأكيد شعبيته مرة أخري بسبب حجم الأخطاء التي يقع فيها خلال الحكم‏..‏ ومع تراجع القوة السياسية للأحزاب القومية والعلمانية فلن يكون مستبعدا أن يعاود حزب العدالة رغبته في ترشيح أحد زعمائه للرئاسة‏..‏ ما يجري في تركيا من تطورات بالغ الأهمية ولكن المثقفين العرب غائبون عن متابعة المشهد‏..‏
‏*‏ ظهر د‏.‏ يحيي الجمل علي صفحات الأهرام يوم الخميس الماضي حيث كتب مقالا بعنوان كيف نواجه الإرهاب؟ أراد من خلاله أن يؤكد أهمية عدم الخلط بين الدين والسياسة وأن الديمقراطية هي الحل‏..‏ ومثل أي قاريء عادي فوجئت بهذا الظهور وبكلام الرجل نفسه‏,‏ فمنذ فترة طويلة غيب نفسه عن الصحف القومية مفضلا غيرها من الصحف‏,‏ وها هو يطرق بابها بعد أن وافقت لجنة الأحزاب علي قيام حزب الجبهة الديمقراطية الذي يتزعمه‏,‏ وبعد أن قدم الحزب وقادته ـ حسب مصادر مطلعة ـ ما يؤكد أنهم لن يعودوا إلي مغازلة الإخوان كما كان يحدث في السابق‏..‏ وإمعانا من جانبه في إبراء الذمة كتب الرجل بعد ثلاثة أيام فقط مقالا في المصري اليوم شن فيه هجوما حادا علي عبدالناصر والناصرية وحركة‏23‏ يوليو‏(‏ لم يطلق عليها وصف الثورة‏)‏ وانتهي فيه إلي أن ما تبقي منها هو الديكتاتورية‏..‏ وفي المقالين يريد الرجل أن يؤكد بأنه ديمقراطي ليبرالي حتي النخاع‏,‏ لا صلة له بالإسلام السياسي ولا بالناصرية‏..‏ ومن حق الرجل أن يقول ما يشاء وأن يكتب في صحيفة قومية وأخري تضع نفسها في موقع المعارضة المستقلة‏,‏ ولكن من حق القاريء أن يتساءل عن حقيقة هويته السياسية في نهاية المطاف وعن أسباب الكتابة من جانبه في صحيفة قومية كبري ظل يعتبرها ـ لفترة طويلة من الزمن ـ من صحف الموالاة التي يهاجمها وينتقدها‏..‏ فربما يكون هناك شيء خفي علي القاريء يهمه أن يستوضحه‏..‏ واستجلاء للحقيقة فإنه هو وغيره من الكتاب والمثقفين الذين يتحولون بين فترة وأخري مطالبين باعتذار شخصي أمام الرأي العام عن ماضيهم الذي كانوا فيه من أبرز اللاعبين في صناعة التاريخ الذي يتبرأون منه اليوم‏..‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 28 / 7 / 2007
رقم العـدد
540
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg