الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3

سيطرة منظمة شيوعية

السبت 11 / 8 / 2007

‏*‏ كتب ـ عزمي عبد الوهاب


حدتو سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية‏..‏ هذا هو العنوان الذي اختاره الروائي محمود الورداني لكتابة الصادر عن سلسلة كتاب الهلال الشهرية‏.‏ فبحسه الفني والروائي استطاع أن يكتب سطور هذه الملحمة الوطنية‏,‏ منذ بدايتها الأولي إلي أن توحدت في كيان اسمه الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني انتهي إلي الحل‏.‏
ففي يوم‏14‏ مارس‏1965‏ ذهب كمال عبدالحليم ـ القيادي اليساري ـ إلي مكتب تلغرات التحرير وأرسل إلي عبدالناصر برقية‏,‏ هذا نصها‏:‏ مستعجل للسيد الرئيس جمال عبدالناصر قائد الثورة ورئيس الجمهورية مصر‏..‏ إن أجمل ما نقدمه لك في هذه المناسبة التاريخية أن مندوبي الحزب الشيوعي المصري حدتو في اجتماعهم الذي عقدوه اليوم قد قرروا إنهاء تنظيمهم المستقل إيمانا منهم بماتدعون إليه من وحدة القوي الاشتراكية في تنظيم سياسي واحد للثورة وبأن هذا الحزب الواحد للثورة هو البديل للتنظيم المستقل وهم علي الرغم من أنهم معزولون عن العمل السياسي وليس لهم حق الانتخاب يرسلون إليك أصواتهم ينتخبونك بالإجماع رئيسا للجمهورية وقائدا للثورة وقائدا لحزبها السياسي الواحد المناضل‏.‏
كمال عبدالحليم هو صاحب النشيد الذي كانت تتغني به مصر كلها أثناء العدوان الثلاثي علي مصر‏,‏ دع سمائي فسمائي محرقة ودع قنالي فقنالي مغرقة‏..‏ وحتي يكتمل الفاصل الكوميدي فإن عبدالحليم الذي أرسل برقية حل الحزب إلي الرئيس عبدالناصر هو نفسه الذي أعلن مع ثلاثة آخرين تأسيس ما أسموه التيار الثوري في اليوم ذاته الذي أرسل فيه البرقية‏.‏
عندما يكتب الورداني كتابه هذا يكون قد مر علي تأسيس حدتو ستون عاما‏,‏ وهو لا يستعين تاريخ هذه المنظمة فحسب‏,‏ لكنه يعود إلي البداية حين تأسس الحزب الشيوعي المصري عام‏1923‏ وتعرض لحملات تنكيل واسعة حتي إن أحد أعضائه أنطون مارون مات في السجن‏.‏
ومن أفلت من الموت والاعتقال كان محمد عبدالعزيز الذي تولي منصب السكرتير العام للحزب كفيلا به‏,‏ فقد قام بتسليم الأعضاء إلي الأمن المصري‏,‏ إضافة إلي أن عداء سعد زغلول لفكرة الاشتراكية‏,‏ أسهم في الإجهاز علي البقية الباقية من الحزب‏,‏ لتبدأ الحلقة الثانية علي يدي مجموعة من الأجانب‏.‏
ولا يدعي الورداني أنه يؤرخ للحركة اليسارية‏,‏ أو أنه يتخذ موقف القاضي للحكم بين تيارات وفصائل هذه الحركة‏,‏ فقد كان هدفه الأساسي استعادة ذلك الزخم الهائل والاقتراب من نبض حركة دفع المئات وربما الآلاف من النساء والرجال سنوات عمرهم وفي بعض الأحيان حياتهم من أجل مباديء آمنوا بها وقناعات دافعوا عنها حتي اللحظة الأخيرة‏.‏
هذا الهدف هو ما جعل كتاب الورداني ينأي عن خشونة التاريخ‏,‏ رغم عكوفه علي ركام هائل من الصفحات لعشرات المؤرخين والمشتغلين بالسياسة والمناضلين‏,‏ فضلا عما توافر من وثائق الحركة اليسارية وشهادات نسائها ورجالها والمقابلات التي أجراها مع بعض هؤلاء‏.‏
وبرغم أنه كان منشغلا طوال سرده لسيرة حدتو بالسؤال‏:‏ لماذا انتهت حركة بهذا الحجم وتلك التضحيات بهذا الشكل المأساوي والعبثي في الوقت نفسه؟ فإن الهاجس الأكبر لديه كان في سعيه نحو الإرادة الحديدية التي صنعت التجرية وصمدت أمام أحط أنواع الجلادين وأكثرهم تجردا من الإنسانية‏.‏
إنها مهمة صعبة تلك التي أقدم عليها محمود الورداني وهو يكتب هذه الملحمة الإنسانية‏,‏ أو كما يراها دخول حقل ألغام بإرادته‏,‏ فما زال الانقسام صفة ملازمة للحركات اليسارية‏,‏ ومازال هناك من يري نفسه في الغرفة الناجية‏,‏ والآخرين خونة‏,‏ وإن كان الورداني لا يبريء أحدا لصالح أحد‏,‏ فالجميع مسئولون عما حدث نتيجة الحلقية والانقسام والتشرذم الذي اتسمت به الحركة الشيوعية‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg