الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3محافظة القاهرة نقلته اكثر من مرة وحاليا إلى جوار مسرح العرائس

إعدام سور الأزبكية

السبت 11 / 8 / 2007

تحقيق ـ رشا عامر


لم يكن مستغربا أن نكتشف أن واحدا من أهم وأكبر سوق بيع الكتب في مصر‏,‏ وهو سور الأزبكية يتبع محافظة القاهرة‏,‏ شأنه في ذلك شأن هيئة الصرف الصحي‏,‏ وليس كما هو مفترض أن يتبع وزارة الثقافة‏,‏ بل إن الأعجب من ذلك أن المحافظة تعطي أهمية أكبر للباعة الجائلين الذين يحيطون بأكشاك الكتب ليعلنوا عن بضاعتهم من ملابس ومأكولات وأحذية أكثر من اهتمامها بباعة الثقافة‏.‏
وهذا أمر غير مستغرب أيضا لو عرفنا أن سور الأزبكية تم نقله من مكانه عدة مرات وكان علي المثقفين وطالبي العلم السعي وراءه وكأنه شيخ طريقة يتبعه المريدون‏,‏ أينما حل أو رحل‏,‏ فهو تارة في الأزبكية وأخري في الباطنية وثالثة في الدراسة‏,‏ وأخيرا بجوار مسرح العرائس بالعتبة‏,‏ ولا نعلم ماذا يخبيء له المستقبل مع العمل في خط المترو الجديد؟
الوصول إلي مكان السور الحالي أشبه بالمعجزة‏,‏ فلابد من المرور أولا علي كل الباعة الجائلين الذين يفترشون الطريق المؤدي إليه والذين يتصورون خطأ أن القادم لابد أن يكون هدفه شراء حذاء أو حزام أو حقيبة‏,‏ لذلك يبادرون بخطفه وتخفيض السعر مع كل خطوة يقطعها إلي السور‏.‏
عندما تصل إلي أكشاك بيع الكتب ستري موليير يرقد بجوار تشيكوف وفولتير وسارتر ونجيب محفوظ ويوسف إدريس‏,‏ ويبدو أنهم يئنون من وضعهم الحالي فالأكشاك صغيرة والطريق إليها مفروش بالباعة الجائلين‏,‏ والرعاية معدومة والإقبال قليل‏,‏ اللهم فيما عدا أيام الدراسة حيث يهرع الطلبة إلي هناك لشراء كتبهم الدراسية بأثمان زهيدة‏.‏
الأرقام الرسمية تؤكد أن عدد أكشاك بيع الكتب في السور تصل إلي‏135‏ كشكا وإن كان الواقع يعكس حالة التدهور التي تعيشها الثقافة المصرية بشكل عام ويعيشها سور الأزبكية بشكل خاص‏,‏ علي حد تعبير رضا عوض ـ أحد باعة السور وصاحب دار رؤية للنشر والتوزيع‏.‏
عوض يؤكد أن بيع الكتب شيء يسري في دمه هو وكل من عمل في هذه المهنة التي لاتحظي بأي اهتمام من الدولة أو حتي من وزارة الثقافة لأن سور الأزبكية لا يتبع الوزارة وإنما يتبع محافظة القاهرة شأنه في ذلك شأن المرافق العامة‏.‏
من هنا ـ والكلام لايزال لعوض ـ كان التدهور هو السمة الرئيسية التي حلت بالسور بشكل يجعل كل من يعمل فيه أو يتعامل معه يصاب بالاكتئاب والإحباط الشديدين‏,‏ فالسور بشكله الحالي لا علاقة له بالثقافة ولا يتناسب أبدا مع أهميتها في الارتقاء بالأمم‏,‏ إذ بدلا من أن تمنحه الدولة قدرا من الاهتمام وتجعل منه مزارا ثقافيا لكل المثقفين وراغبي العلم من كل حدب وصوب فإنها تلقي به في مجاهل أسواق العتبة وسط باعة شرائط الكاسيت والتين الشوكي‏!‏ عوض اقترح نقل السوق إلي مكان آخر هو ميدان التحرير عسي أن يكون أوسع وأكثر جذبا للجمهور‏,‏ والغريب أنه أحد قيادات رابطة المحافظة علي سور الأزبكية لكن فكرته في نقل السور إلي ميدان التحرير لم تتكرر علي لسان أحد من الباعة إذ طالبوا جميعا بعودة السور إلي مكانه الأول حول حديقة الأزبكية وأن يكونوا تابعين لوزارة الثقافة شأنهم في ذلك شأن دور النشر والمكتبات وهم لن ييأسوا أبدا من المطالبة بحقوقهم لأن مهنة بيع الكتب ـ علي حد تعبير ممدوح حسين ـ أحد الباعة ـ نحتاج إلي ثلاثة أشياء رئيسية هي صبر أيوب ومال قارون وعمر نوح‏.‏
ويستنكر ممدوح حسين الهجمة الشرسة التي يتعرض لها السور بين الحين والآخر وكأنه صندوق فارغ لا قيمة له ولا يوجد له مكان وتريد الدولة أن تلقي به في أقرب سلة مهملات متناسية أنها حصلت علي جائزة نوبل في الآداب باسم نجيب محفوظ بسبب هذا السور الذي كان الأستاذ يستقي منه معلوماته ويشتري منه كتبه شأنه في ذلك شأن معظم الكتاب والمثقفين الحقيقيين‏,‏ فكيف تريد الدولة بعد ذلك أن تضعه في مكان أشبه بالسجن وكأنها تريد أن تحكم علي الثقافة بالإعدام؟‏!‏
ويؤكد ممدوح أن عدد الأفراد الذين يأتون إليه لشراء الكتب في تناقص مستمر رغم أنه يمتلك العديد من الكتب النادرة ولكن في ظل المكان الذي يحتله السور الآن لم يعد محبو الثقافة وخصوصا المشاهير يحبون المجيء إليه بسبب الإشغالات والمناظر السيئة التي تحيط بالمكان‏,‏ فالمعاكسات في انتظار الفتيات والسيدات‏,‏ ومطاردات البائعين لترويج بضاعتهم في انتظار الرجال‏,‏ من إذن سيفكر في خوض هذه التجربة الأليمة إلا إذا كان عاشقا بحق للثقافة أو يبحث عن كتاب نادر من المستحيل أن يجده في أية مكتبة من المكتبات وحتي لو وجده سيكون بأسعار خيالية في حين أن متوسط أسعار الكتب هنا في السور في متناول الجميع‏.‏
رضا عوض التقط طرف الحديث فيما يخص وجود النسخ النادرة من أمهات الكتب ليؤكد أنه يقوم بإعادة طبع هذه الإصدارات المهمة خصوصا الكتب القديمة التي نفدت طبعاتها وذلك في دار النشر التي يمتلكها‏.‏
عوض أكد أيضا أنه ينشر الكتب كاملة دون حذف لأي كلمة أو فقرة في الكتاب وهو يهتم بكل الكتب التي سبق وصودرت والغريب أن الإقبال عليها يكون شديدا أولا لندرتها‏,‏ ثانيا لانخفاض سعرها‏,‏ والغريب أنه يؤكد عكس ما أكده ممدوح حسين من قلة عدد القراء‏,‏ إذ يشير إلي أن أكثر الفئات العمرية إقبالا علي القراءة هي فئة الشباب ما بين‏18‏ و‏25‏ عاما وهؤلاء الشباب هم الذين يبحثون عن الكتب النادرة‏,‏ والنسخ الجديدة من الطبعات التي نفدت وخصوصا لو كانت كتبا تمت مصادرتها‏.‏
أكثر من‏45‏ عاما وقف فيها الحاج أحمد عيد يبيع الكتب لمئات الأشخاص منهم من لمع نجمه وأصبح كالبدر في سماء الثقافة مثل نجيب محفوظ وعبدالرحمن الأبنودي وجمال الغيطاني ومنهم من اكتفي بالقراءة وسلك دروبا أخري غير الأدب‏.‏
الحاج أحمد عيد يعتبر واحدا من أهم شهود العصر في هذا السور فقد نشأ وتربي فيه‏,‏ فوالده كان بائعا للكتب أيضا ولذلك يحكي لنا أن أسواق بيع الكتب في مصر لم تكن مقتصرة علي سور الأزبكية اليتيم علي حد تعبيره‏,‏ ولكن كان يوجد ثلاثة أماكن لبيع الكتب هي سوق السيدة زينب وسور جامع الأزهر وسور الأزبكية‏..‏ ثم اضمحلت هذه الأسواق وأخذت تتلاشي إلي أن اقتصرت علي سور الأزبكية الذي يبدو كأنه هو الآخر في طريقه للاضمحلال‏.‏
يتذكر عيد بسعادة شديدة كيف كان علماء الأزهر وشيوخه يلتفون حوله لشراء ما يرغبون فيه من كتب دينية سواء خاصة بالدراسة بكلية الجامعة أم خاصة بالثقافة وزيادة المعرفة‏,‏ ولعل الكتب الدينية كانت ولاتزال هي أكثر الكتب مبيعا خصوصا في شهر رمضان‏.‏
من المعروف أن سور الأزبكية سمي بهذا الاسم لوقوعه بجوار واحدة من أشهر حدائق القاهرة‏,‏ وهي حديقة الأزبكية فتلك الحديقة شهدت بين جنباتها سيدة الغناء العربي أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب‏,‏ أما حكاية السور فبدأت عام‏1949‏ عندما كان بائعو الكتب والمجلات يحملون بضاعتهم فوق ظهورهم ويلفون بها طوال النهار علي المقاهي والمحال ورغم أنهم لا يشكلون أي نوع من إشغالات الطريق إلا أنهم كانوا دائمي التعرض للمطاردة من البلدية كما يحدث الآن مع الباعة الجائلين في الشوارع فما كان منهم إلا أن ذهبوا بشكواهم إلي رئيس وزراء مصر آنذاك مصطفي النحاس الذي استخرج لهم تصاريح بيع كتب من وزير الداخلية وقتها فؤاد سراج الدين‏.‏
واستمر الحال علي هذا المنوال‏,‏ فالباعة يحملون بضاعتهم الثقافية يوميا ويلفون بها علي المقاهي والمحال ولكن هذه المرة دون خوف من البلدية لأنهم يحملون تصريحا بذلك‏,‏ وعندما كانت فترة الظهيرة تحل كان هؤلاء الباعة يهرعون إلي الرصيف المحيط بسور الأزبكية ليضعوا أحمالهم ويتناولوا طعامهم من المحال المنتشرة في منطقة العتبة ويوما بعد يوم لاحظ هؤلاء أن الإقبال علي شراء الكتب يزداد في فترة الاستراحة‏,‏ بل إن بعض زبائن ينتظرونهم خصيصا في هذه المنطقة لممارسة التصفح والشراء فقرروا عام‏1957‏ أن يكون المكان المحيط بسور الأزبكية هو المكان الدائم لهم واستمر الحال علي ما هو عليه سنوات عديدة إلي أن جاءت قرارات المحافظة لتطيح بهم من مكان لآخر واستقر بهم المقام في هذا المكان الذي يشبه السجن علي حد تعبير العديد من الباعة‏.‏
لم يكن حال القراء أفضل من حال البائعين أنفسهم إذ أكد معظمهم أنه وصل إلي هذا المكان بعد عناء شديد وتردد أشد‏,‏ فالمكان ضيق وبعيد عن الشارع الرئيسي ومليء بالقمامة والباعة الجائلين ولا يصلح علي الإطلاق أن يكون سوقا لبيع الكتب‏,‏ وإن كان الجميع يفضل المجيء إلي هنا نظرا لوفرة الكتب ووجودها في أماكن متلاصقة‏.‏
أشهر الكتب التي يضمها سور الأزبكية كتاب للرئيس الراحل أنور السادات وقد كتبه وهو لايزال صاغ في الجيش وكان بعنوان الإستراتيجية العسكرية لغزوات الرسول‏.‏ كما يوجد هناك العديد من الوثائق التي تؤرخ لزواج الملك فاروق الأول والثاني وكذلك نشأة الدولة المصرية منذ قرن مضي‏.‏
ويعلن محمود أمين العالم عن عظيم أسفه لما آل إليه حال السور الذي كان يوما ما مصدر ثقافته فهناك التقي كاتب القصة محمود تيمور وتعرف إلي كل أصدقائه الحاليين من الأدباء والمثقفين‏.‏
ويؤكد أنه في ظل التدهور الطبيعي الذي تعانيه مصر علي جميع الأصعدة وخاصة الصعيد الثقافي فإن مايحدث للسور من محاولة نقله لرابع مرة من مكانه بسبب الخط الثالث لمترو الأنفاق هو شيء متوقع وطبيعي‏,‏ حيث إن كل شيء في هذا البلد يمكن أن يطغي علي الثقافة‏.‏
ويستشهد العالم علي ذلك بالمكتبة الفرنسية الشهيرة التي كانت تقع في منطقة وسط البلد ثم تحولت فجأة إلي محل لبيع الأحذية‏,‏ فإذا كان هذا قد حدث مع دار الكتاب الفرنسي فماذا يمكن أن يحدث مع سور الأزبكية غير التابع أصلا لأية وزارة؟
ويقول الروائي جمال الغيطاني إن سور الأزبكية واحد من أهم السبل للارتقاء بالثقافة لدي قطاع كبير من الشباب الذين هجروا القراءة‏.‏ فلو كان مشروع القراءة للجميع قد ساعد البعض علي العودة إلي القراءة مرة أخري خصوصا مع وجود الكتب بأسعار رمزية فإن علي الدولة أن تستكمل دورها وتعيد للسور شبابه‏,‏ ومكانته كي يواصل هؤلاء الشباب القراءة‏.‏
الروائي محمد البساطي يتذكر أول كتاب اشتراه من سور الأزبكية وهو كتاب الأم لمكسيم جوركي الكاتب الروسي الشهير وهو يتذكر أنه اشتراه بثلاثة قروش في بداية الستينيات وكان يعد ثمنا مرتفعا إلي حد ما أما الآن فمحمد البساطي لا يفكر في الذهاب إلي سور الأزبكية‏.‏ خصوصا بعد ما سمع بما حدث له من حركة تنقلات متعددة إضافة إلي وجوده وسط كومة من الإهمال والفوضي والضوضاء‏.‏
ويؤكد الشاعر عبدالرحمن الأبنودي أن سور الأزبكية كان المصدر الرئيسي الحقيقي لثقافته ليس هو فقط وإنما كل جيل العمالقة من الأدباء والمثقفين والفنانين الذين عاصروه فالكتب موجودة بجميع أنواعها سواء أدبية أم فنية أم تراثية أم دينية كما أن الأسعار لا يمكن مقارنتها بأسعار الكتب التي تباع في المكتبات الكبري والتي كانت ولاتزال أسعارها نار إذن سور الأزبكية لايزال هو المتنفس لكل طالبي الثقافة‏,‏ وإن كان الأبنودي لم يعد يزوره بعد الحال الذي وصل إليه‏.‏
ويري الأبنودي أن سور الأزبكية بحالته التي كان عليها في الماضي كان يعادل أهمية الوضع الثقافي في باريس من خلال اشتراكهما معا في احتضان الثقافة وتقديمها لكل طالبيها‏.‏
هناك أزمة جديدة إذن يمر بها سور الأزبكية‏,‏ هذه الأزمة ظهرت بوادرها في عام‏2005‏ عندما نشر خبر حول ضرورة إجلاء السور من موقعه الحالي الذي وصل إليه بعد ثلاثة تنقلات وذلك بسبب الخط الثاث للمترو‏,‏ لذلك سارع الباعة بجمع توقيعاتهم علي عريضة كبيرة للمطالبة بمنع نقلهم من مكانهم مرة أخري وإن تم ذلك فليكن في نفس المكان الذي يحمل اسمهم القديم الأزبكية حتي يظل محتفظا بهويته واسمه‏.‏
هذه التوقيعات لم تقتصر علي باعة السور وإنما شملت مثقفين وزوارا للسور من جميع دول العالم وذلك لوقف عملية النقل‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg