الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3أحمد زرزور يرثي أحلام الكبار بالكتابة للأطفال

شهادتي عن المثقفين ستكون صاعقة‏!‏

السبت 11 / 8 / 2007

أجري الحوار ـ مصطفي عبادة‏


أحمد زرزور واحد من أخلص أبناء جيل السبعينيات الشعري في مصر‏,‏ وأقلهم صخبا‏,‏ يتسم بالهدوء الشديد والابتسامة الدائمة‏,‏ التي تخفي موارا شعريا في داخله‏,‏ هو واحد من القلائل الذين يعشقون الكتابة للطفل‏,‏ ويري أن الحداثة الشعرية العربية خاصة‏,‏ والإبداعية بشكل عام‏,‏ أسقطت الطفل من ذاكرتها‏,‏ وذلك كان دافعه لتأسيس مجلة للأطفال‏'‏ قطر الندي‏',‏ جعل منها منطلقا لتوصيل نوع آخر من الشعر والكتابة‏.‏
لأحمد زرزور الكثير من الآراء الجريئة والصادمة أحيانا‏,‏ وحتي لو اختلفت معه‏,‏ فلا تملك إلا أن تصدقه‏.‏
آصدر زرزور عدة دواوين منها الدخول في مدن النعاسوجنون من الورد وحرير الوحشة‏..‏ هنا تفاصيل الحوار‏.‏
*‏ ما الذي بقي من شعراء السبعينيات؟
شعراء السبعينيات‏,‏ هم الذين أنهوا القيطعة المصرية مع الضفة الأخري للشعر العربي‏,‏ وأعني بها التجربة الشامية التي تجسدت عبر مجلات‏'‏ شعر‏'‏ و‏'‏حوار‏'‏ و‏'‏أدب‏'.‏
باختصار لقد شكل السبعينيون موجة حادة فاصلة‏,‏ بين سياقات سابقة‏,‏ بدأت بالبارودي وأبوشادي‏,‏ ثم وصلت إلي عبدالصبور وحجازي وتلاميذهما‏,‏ لتأخذ التجربة السبعينية زمام السياق المختلف جذريا سواء علي مستوي بنيتها لقصيدة النثر‏,‏ أم إنقاذها لقصيدة التفعيلة من نمطية ورتابة وفقر أدائها‏,‏ ولولا هذه التجربة لواصلت القصيدة المصرية ولاءها للسياب والبياتي وعبدالصبور والملائكة وحجازي‏,‏ اتساقا مع الطبيعة اللا مغامرة للشخصية الثقافية المصرية ــ خصوصا فيما يتعلق برؤيتها للشعر ـ بدليل أن شاعرا نثريا‏:‏ مثل حسين عفيف ظل منسيا حتي ظهور هذه التجربة‏,‏ التي نفضت غبار التجاهل عنه‏,‏ وهو الأكثر شاعرية من ا لذين نصبوا أنفسهم كهنة للتجديد الشعري في مصر‏.‏
‏*‏ كنتم تعارضون السلطة الثقافية‏,‏ الآن صرتم سلطة أخري ثقافية أيضا؟
المهم هنا هل تخلينا عن أطروحاتنا وقناعاتنا عندما وضعتنا حراكات الحياة علي مقاعد السلطة؟ هذا هو السؤال الجوهري في تصوري‏,‏ فكثير من الذين ظلوا خارج السلطة الثقافية ــ لظروف مختلفة ــ هم الآن أكثر سلطوية من السلطة نفسها‏,‏ فقد تطوعوا ــ عن طيب خاطر ــ للعمل كمثقفين تبريريين يزايدون ــ وبصفاقة ــ علي المثقفين الذين حرصوا علي الحفاظ علي سياقاتهم الاستقلالية عن السلطة‏,(‏ سياسية وثقافية معا‏),‏ رغم انخراطهم في العمل الثقافي الرسمي‏,‏ وسوف تصعق عندما تتاح لي الظروف ذات يوم‏,‏ لأقدم شهادتي في هذا الشأن‏,‏ عندئذ سيعرف الجميع كيف أن مثقفين ــ يحرصون دائما علي تقديم أنفسهم كـ يساريين شهداء أحياء ضمتهم معتقلات السلطة‏',‏ هؤلاء‏,‏ وبالاسم‏,‏ وبتجاربي الشخصية في العمل الثقافي الرسمي الذي جمعني وإياهم ـ كانوا الأكثر تبعية وإخلاصا لصانعي القرار الثقافي‏,‏ الذين‏'‏ يمنحون‏'‏ و‏'‏يمنعون‏'‏ بما يشكل انقلابا مروعا علي كل ما صدعوا به رءوسنا من‏'‏ النضال الثوري ضد الأنظمة الدكتاتورية‏'!‏
علينا إذن‏,‏ أن ندرس بكثير من التأمل الموضوعي ــ حالة كل مثقف علي حدة‏,‏ سواء من ظل خارج السياق الثقافي الرسمي‏,‏ أم من انخرط فيه‏,‏ عندئذ نكتشف الحقيقة‏,‏ هذا هو المحك الكاشف بلا التباس‏,‏ مع تسليمي ــ مع ما قد تهجس به في سؤالك ـ بانضواء بعضنا تحت أجنحة السلطة الثقافية‏,‏ منقلبين علي تاريخهم الاعتراضي القديم‏,‏ وإذا جاز لي الحديث عن تجربتي في العمل الثقافي الرسمي‏,‏ أحيلك إلي واقعة استبعادي من رئاسة تحرير مجلة‏'‏ قطر الندي‏'‏ للأطفال‏,‏ في الفترة من أغسطس‏2002‏ حتي ديسمبر‏2005,‏ بسبب قيامي بتخصيص أعداد كاملة من المجلة عن أطفال الانتفاضة‏(6‏ أعداد متواصلة‏),‏ مما اعتبره صانع القرار في الهيئة العامة لقصور الثقافة‏,‏ وبتشجيع بل وبتحريض معاونيه من‏'‏ المثقفين‏'‏ عملا مضادا لثقافة الدولة‏!‏
وعندما عدت إلي رئاسة تحرير المجلة ثانيا‏,‏ واصلت‏,‏ ولا أزال‏,‏ إيقاظ وعي الأطفال السياسي والوطني‏,‏ من خلال قصص الانتفاضة المستمرة‏,‏ وهو ما يحذرني منه بعض الأصدقاء المثقفين‏,‏ داخل الهيئة وخارجها‏,‏ والذين يتبنون نظرية‏'‏ المشي بجوار الحائط‏'‏ لكنني دائما لا أفعل إلا ما أؤمن به‏.‏
ويكفيني فخرا أن مجلة‏'‏ قطر الندي‏',‏ هي المجلة المصرية والعربية الوحيدة‏,‏ التي تقدم لقرائها حقائق الحياة المصرية والعربية في كل تجلياتها‏,‏ إيمانا منها بضرورة احترام وعي قارئها الصغير‏.‏
‏*‏ لماذا تبدو أقل أبناء جيلك انتشارا في الصحف؟ كذلك أنت أكثرهم عزلة؟
لست سعيدا بقلة هذا الانتشار‏,‏ وربما يعود هذا لسببين أساسيين‏,‏ أولهما‏:‏ أنني شديد الحساسية من طرق الأبواب‏,‏ رغم أن أكثر المسئولين عنها أصدقائي‏,‏ وكنت ـ ولا أزال ـ أراهن علي أن العمل الجيد يفرض نفسه مهما طال الزمن‏.‏
السبب الثاني‏:‏ أن استفحال خطاب‏'‏ الصفقة‏'‏ في الوسط الثقافي يقززني جدا‏,‏ وينفرني للغاية‏,‏ فأنا لا أصلح لهذا النهج الانتهازي‏,‏ وأعتبره عملا مضادا لفعل الإبداع‏,‏ بل وقاتلا له‏,‏ ألا تري ما يحدث ــ هذه الأيام ــ بين شعراء المطارات التي لا تهدأ‏,‏ وما يجري من تراشقات كلامية بين شعراء لجنة الشعر وبين من هم خارجها‏,‏ صراعا وراء تذكرة سفر هنا‏..‏ وهناك‏,‏ بدلا من انشغالهم بالشعرنفسه‏,‏ ألا يدعوني هذا إلي الابتعاد كليا عن‏'‏ مصارعي الأوهام‏'‏ هؤلاء؟ والانشغال العميق بقراءاتي ـ ناهيك عن قصيدتي ـ؟ أيعجبك أن تفتقد مصر مجلة شعرية محترمة‏,‏ كان يجب أن تصدرها لجنة الشعر‏,‏ بدلا من توزيع حقائب الدعوات الدولية علي أعضائها وأصدقائهم‏.‏
من ناحية أخري‏:‏ فأنا بطبعي أحب العزلة لأمتلك وقتا كافيا لتأمل حياتي الشخصية والكتابية من جهة‏,‏ ولالتهام أكبر قدر من الكتب التي تزدحم بها مكتبتي يوما بعد يوم‏,‏ وهكذا فإن عزلتي التفاف علي الخواء العام الذي تصطخب به حياتنا الثقافية عامة‏,‏ والشعرية بخاصة‏,‏ واقتراب دءوب من الذات لمراجعة حراكها الداخلي‏,‏ في جدليته مع الحراك اليومي للحياة‏.‏
‏*‏ كيف تري علاقتكم بالأجيال الجديدة؟
هل أستسمحك استبدال كلمة النصوص الجديدة بـ‏'‏ الأجيال الجديدة‏',‏ فأنا لا أتعامل مع‏'‏ أعمار‏'‏ الشعراء‏,‏ بل مع كتاباتهم‏,‏ فالنص يكتسب قيمته من ذاته‏,‏ ودعني أقول لك‏:‏ إني أتابع بمحبة بل وبإعجاب أيضا‏,‏ الكثير مما يبدعه شعراؤنا ما بعد جيل السبعينيات‏,‏ منذ الثمانينيات حتي اليوم‏,‏ سواء الذين يقيمون في القاهرة أم الأقاليم‏,‏ بالرغم من اختلافي المنهجي مع فلسفتهم الشعرية‏,‏ فهم ينحازون لليومي والهامشي والجسداني المحض‏,‏ أي للفيزيقا والملموس‏,‏ ولعلي كنت ممن رفضوا ــ منذ البداية ــ خطاب كسر التابو‏,‏ فالمواظبة الجاهزة علي كسر التابو هي ــ في النهاية ــ تابو جديد‏,‏ لذا كنت أصر علي التعامل الجدلي مع كل المفردات‏,‏ أي مع التابو وكسره في آن واحد‏,‏ حسب‏'‏ صدقية النص‏,‏ فأنا أؤمن أيضا بأن أعذب الشعر أصدقه‏,‏ والصدق هنا‏:‏ صدق التجربة الإنسانية شعريا وصدقها جماليا‏,‏ بما يتناغم توالديا‏,‏ في اللحظة ذاتها ــ بين الدلالي والجمالي‏,‏ لذا كنت ممن يعتقدون بالحداثات لا الحداثة الواحدة الوحيدة‏,‏ التي يستنسخها الكثيرون‏,‏ ومع هذا فإنني أترك نفسي في حالة استجابة عفوية‏,‏ لقدرة أي نص مهما اختلفت مع منطلقاته‏,‏ علي التسلل داخلها وإمتاعها‏,‏ وهو ما حدث ويحدث مع الكثير من النصوص الجديدة‏,‏ التي تملك حق الاختلاف معنا‏,‏ شريطة أن تطرح جمالها الخاص‏,‏ وفي الحقيقة فإنني سعيد بهذا التدفق الشعري الجديد سواء في الفصحي‏,‏ أم في العامية‏,‏ ومن المؤكد أن هذا التراكم الكمي للتجارب الإبداعية الجديدة سيسفر عن انفجار نوعي‏,‏ يرهص بأفق جديد للشعر المصري‏,‏ ربما تتخلق ملامحه الآن‏.‏
‏*‏ أحيانا يبدو لي أن الشعر لديك ملاذ أخير وخيار حياتي؟
فعلا‏,‏ الشعر ملاذي الأخير‏,‏ إنه وحده الذي يعرفني ويربت علي قلبي‏,‏ يستوعب أسراري ويتفهم بكاءاتي الصامتة‏,‏ إنه الحبيبة المستحيلة التي صاغتها لي فيروز‏,‏ ولا أرضي عنها بديلا‏,‏ الشعر هو تاريخي‏,‏ الذي كان دائما ينتظر من ينصت إليه ثم يحتضنه‏,‏ هكذا فعلت القصيدة‏,‏ لم تقاطعني يوما‏,‏ ولم تسخر من آلامي ولا من سذاجاتي الرومانسية‏,‏ ولا من تأويلاتي الكبري للحظاتي الصغيرة‏,‏ كان الشعر ولايزال حنانا دائما‏,‏ كثيرا ما صنعت القصيدة من نفسها امرأة عاشقة‏,‏ تدرك جيدا تفاصيل خرائطي الداخلية‏,‏ فتهدهدها بعذوبة‏,‏ لولا الشعر لكان مصيري الجنون‏,‏ لقد كان‏,‏ ولايزال‏,‏ هو المرأة الحلم عارفة وكاتمة أسراري‏.‏
‏*‏ يمتلئ شعرك بروح الحنين والحسرة‏,‏ أليست هذه روحا اغترابية؟
وهل هناك مبدع غير مغترب‏,‏ إنه شرط ضرورة لا اختيار‏,‏ فالإبداع ينشأ في لحظة الإحساس بالاغتراب عن الواقع‏,‏ إننا نغترب بداهة لكي نكتشف الفقد‏,‏ ونتلمس النقص ونعثر علي العلة‏,‏ وقد كنت هكذا منذ الطفولة‏:‏ وحيدا دائم التأمل‏,‏ منعزلا عن رفاقي الصاخبين اللاهين‏,‏ أرصد الحياة بكل توتراتها وتلاوينها‏,‏ لقد كنت أبحث ـ ولا أزال ويا للأسف ـ عن المثال الكامل‏,‏ لهذا تمتلئ بل تزدحم قصائدي بكل ما يثير اللوعة والفقد والحرمان والحنين والحسرة‏,‏ لكوني عشت‏,‏ مثل جميع من هم في عمري‏,‏ بين قوسين متناقضين‏:‏ قوس الأحلام الأولي لثورة يوليو بكل رومانسيتها الشعارية الملهمة‏,‏ وقوس الانكسار التراجيدي لهذه الأحلام‏,‏ وما بينهما من أفراح صغيرة وكبيرة متوثبة حينا‏,‏ وتائهة حينا آخر‏,‏ هكذا كان حصاد التجربة هشيما محترقا‏,‏ تذروه رياح كثيرة تعوي في كل مكان‏.‏
‏*‏ لماذا اتجهت إلي الكتابة للأطفال؟
اتجهت إلي الكتابة للأطفال لأكتب لنفسي أولا‏,‏ أكتب ما كنت أفتقده من نصوص إبداعية‏,‏ تناسب وتناغم وتستهلم أشواق ورغبات الطفل الذي كنت‏,‏ لقد كنت واحدا من ضحايا الشعر المدرسي غليظ القوام والقيمة‏,‏ الشعر المنفر‏,‏ والذي أسهم‏,‏ وبجدارة‏,‏ في إبعاد الأطفال عن الشعر‏,‏ ولأنني أحب الشعر فقد تمنيت ـ وأنا لا أزال وقتها علي مقاعد الدراسة ـ أن أكبر وأكتب شعرا طفوليا حقيقيا يعبر عنا نحن الصغار الفقراء في القرية البعيدة‏,‏ وقطعت علي نفسي عهدا ــ من وقتها ــ أن أخصص وقتا كافيا وجهدا كافيا للكتابة للأطفال‏,‏ لأقدم نصوصا تثأر من نصوص المدرسة‏.‏
أما علي الجانب الآخر‏,‏ فقد رأيت أن مشروع الحداثة الشعرية‏,‏ قد أغفل الكتابة للأطفال‏,‏ ولهذا كان اهتمامي بقصيدة الطفل الحداثية‏,‏ وعندما قدمت بعض تجاربي في الشعر التفعيلي للأطفال‏,‏ وفازت هذه التجارب بجائزة الدولة التشجيعية ازددت ثقة في أنني علي الطريق الصحيح‏,‏ وكان استقبال الأطفال لهذه النماذج مشجعا بل ومدهشا لي‏,‏ لدرجة أنني سئلت ذات مرة من طفلة في المرحلة الابتدائية‏:‏ لماذا لا يقدمون لنا هذه القصائد في المدرسة؟‏!‏ ساعتها بكيت من الفرح‏,‏ فقد وصلت الرسالة التي بعثت بها‏!‏ وكم أود لو استطعت أن أقترح لاحقا‏,‏ نماذج من قصائد النثر للصغار‏,‏ وهذا هو مشروعي الشعري القادم‏.‏
‏*‏ هل يمكننا اعتبار كتابتك للأطفال هروبا؟
إنها الكتابة الأصعب في حياتي‏,‏ الكتابة التي تصيبني بالرعب الشديد‏,‏ لكونها مسئولية حضارية‏,‏ مسئولية خلق وإنشاء وعي جديد‏,‏ يا عزيزي إنني أباهي وأتحدي بهذه الكتابة‏,‏ بل إنني أعتبرها اختبارا حقيقيا‏,‏ لإبداعية المبدع‏,‏ فليتقدم الشعراء من هذه الكتابة‏,‏ لنري مدي الشعرية التي يتشدقون بامتلاكها من عدمه‏,‏ إن المبدع الحق ــ والشاعر ضمنه ــ هو من يستطيع الكتابة للصغار أيضا‏,‏ وإلا لماذا هم بعيدون عنها‏!‏ إن الإنسان عدو لما يجهل‏,‏ أليس كذلك؟‏!*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg