|
أجري الحوار ـ مصطفي عبادة أحمد زرزور واحد من أخلص أبناء جيل السبعينيات الشعري في مصر, وأقلهم صخبا, يتسم بالهدوء الشديد والابتسامة الدائمة, التي تخفي موارا شعريا في داخله, هو واحد من القلائل الذين يعشقون الكتابة للطفل, ويري أن الحداثة الشعرية العربية خاصة, والإبداعية بشكل عام, أسقطت الطفل من ذاكرتها, وذلك كان دافعه لتأسيس مجلة للأطفال' قطر الندي', جعل منها منطلقا لتوصيل نوع آخر من الشعر والكتابة. لأحمد زرزور الكثير من الآراء الجريئة والصادمة أحيانا, وحتي لو اختلفت معه, فلا تملك إلا أن تصدقه. آصدر زرزور عدة دواوين منها الدخول في مدن النعاسوجنون من الورد وحرير الوحشة.. هنا تفاصيل الحوار. * ما الذي بقي من شعراء السبعينيات؟ شعراء السبعينيات, هم الذين أنهوا القيطعة المصرية مع الضفة الأخري للشعر العربي, وأعني بها التجربة الشامية التي تجسدت عبر مجلات' شعر' و'حوار' و'أدب'. باختصار لقد شكل السبعينيون موجة حادة فاصلة, بين سياقات سابقة, بدأت بالبارودي وأبوشادي, ثم وصلت إلي عبدالصبور وحجازي وتلاميذهما, لتأخذ التجربة السبعينية زمام السياق المختلف جذريا سواء علي مستوي بنيتها لقصيدة النثر, أم إنقاذها لقصيدة التفعيلة من نمطية ورتابة وفقر أدائها, ولولا هذه التجربة لواصلت القصيدة المصرية ولاءها للسياب والبياتي وعبدالصبور والملائكة وحجازي, اتساقا مع الطبيعة اللا مغامرة للشخصية الثقافية المصرية ــ خصوصا فيما يتعلق برؤيتها للشعر ـ بدليل أن شاعرا نثريا: مثل حسين عفيف ظل منسيا حتي ظهور هذه التجربة, التي نفضت غبار التجاهل عنه, وهو الأكثر شاعرية من ا لذين نصبوا أنفسهم كهنة للتجديد الشعري في مصر. * كنتم تعارضون السلطة الثقافية, الآن صرتم سلطة أخري ثقافية أيضا؟ المهم هنا هل تخلينا عن أطروحاتنا وقناعاتنا عندما وضعتنا حراكات الحياة علي مقاعد السلطة؟ هذا هو السؤال الجوهري في تصوري, فكثير من الذين ظلوا خارج السلطة الثقافية ــ لظروف مختلفة ــ هم الآن أكثر سلطوية من السلطة نفسها, فقد تطوعوا ــ عن طيب خاطر ــ للعمل كمثقفين تبريريين يزايدون ــ وبصفاقة ــ علي المثقفين الذين حرصوا علي الحفاظ علي سياقاتهم الاستقلالية عن السلطة,( سياسية وثقافية معا), رغم انخراطهم في العمل الثقافي الرسمي, وسوف تصعق عندما تتاح لي الظروف ذات يوم, لأقدم شهادتي في هذا الشأن, عندئذ سيعرف الجميع كيف أن مثقفين ــ يحرصون دائما علي تقديم أنفسهم كـ يساريين شهداء أحياء ضمتهم معتقلات السلطة', هؤلاء, وبالاسم, وبتجاربي الشخصية في العمل الثقافي الرسمي الذي جمعني وإياهم ـ كانوا الأكثر تبعية وإخلاصا لصانعي القرار الثقافي, الذين' يمنحون' و'يمنعون' بما يشكل انقلابا مروعا علي كل ما صدعوا به رءوسنا من' النضال الثوري ضد الأنظمة الدكتاتورية'! علينا إذن, أن ندرس بكثير من التأمل الموضوعي ــ حالة كل مثقف علي حدة, سواء من ظل خارج السياق الثقافي الرسمي, أم من انخرط فيه, عندئذ نكتشف الحقيقة, هذا هو المحك الكاشف بلا التباس, مع تسليمي ــ مع ما قد تهجس به في سؤالك ـ بانضواء بعضنا تحت أجنحة السلطة الثقافية, منقلبين علي تاريخهم الاعتراضي القديم, وإذا جاز لي الحديث عن تجربتي في العمل الثقافي الرسمي, أحيلك إلي واقعة استبعادي من رئاسة تحرير مجلة' قطر الندي' للأطفال, في الفترة من أغسطس2002 حتي ديسمبر2005, بسبب قيامي بتخصيص أعداد كاملة من المجلة عن أطفال الانتفاضة(6 أعداد متواصلة), مما اعتبره صانع القرار في الهيئة العامة لقصور الثقافة, وبتشجيع بل وبتحريض معاونيه من' المثقفين' عملا مضادا لثقافة الدولة! وعندما عدت إلي رئاسة تحرير المجلة ثانيا, واصلت, ولا أزال, إيقاظ وعي الأطفال السياسي والوطني, من خلال قصص الانتفاضة المستمرة, وهو ما يحذرني منه بعض الأصدقاء المثقفين, داخل الهيئة وخارجها, والذين يتبنون نظرية' المشي بجوار الحائط' لكنني دائما لا أفعل إلا ما أؤمن به. ويكفيني فخرا أن مجلة' قطر الندي', هي المجلة المصرية والعربية الوحيدة, التي تقدم لقرائها حقائق الحياة المصرية والعربية في كل تجلياتها, إيمانا منها بضرورة احترام وعي قارئها الصغير. * لماذا تبدو أقل أبناء جيلك انتشارا في الصحف؟ كذلك أنت أكثرهم عزلة؟ لست سعيدا بقلة هذا الانتشار, وربما يعود هذا لسببين أساسيين, أولهما: أنني شديد الحساسية من طرق الأبواب, رغم أن أكثر المسئولين عنها أصدقائي, وكنت ـ ولا أزال ـ أراهن علي أن العمل الجيد يفرض نفسه مهما طال الزمن. السبب الثاني: أن استفحال خطاب' الصفقة' في الوسط الثقافي يقززني جدا, وينفرني للغاية, فأنا لا أصلح لهذا النهج الانتهازي, وأعتبره عملا مضادا لفعل الإبداع, بل وقاتلا له, ألا تري ما يحدث ــ هذه الأيام ــ بين شعراء المطارات التي لا تهدأ, وما يجري من تراشقات كلامية بين شعراء لجنة الشعر وبين من هم خارجها, صراعا وراء تذكرة سفر هنا.. وهناك, بدلا من انشغالهم بالشعرنفسه, ألا يدعوني هذا إلي الابتعاد كليا عن' مصارعي الأوهام' هؤلاء؟ والانشغال العميق بقراءاتي ـ ناهيك عن قصيدتي ـ؟ أيعجبك أن تفتقد مصر مجلة شعرية محترمة, كان يجب أن تصدرها لجنة الشعر, بدلا من توزيع حقائب الدعوات الدولية علي أعضائها وأصدقائهم. من ناحية أخري: فأنا بطبعي أحب العزلة لأمتلك وقتا كافيا لتأمل حياتي الشخصية والكتابية من جهة, ولالتهام أكبر قدر من الكتب التي تزدحم بها مكتبتي يوما بعد يوم, وهكذا فإن عزلتي التفاف علي الخواء العام الذي تصطخب به حياتنا الثقافية عامة, والشعرية بخاصة, واقتراب دءوب من الذات لمراجعة حراكها الداخلي, في جدليته مع الحراك اليومي للحياة. * كيف تري علاقتكم بالأجيال الجديدة؟ هل أستسمحك استبدال كلمة النصوص الجديدة بـ' الأجيال الجديدة', فأنا لا أتعامل مع' أعمار' الشعراء, بل مع كتاباتهم, فالنص يكتسب قيمته من ذاته, ودعني أقول لك: إني أتابع بمحبة بل وبإعجاب أيضا, الكثير مما يبدعه شعراؤنا ما بعد جيل السبعينيات, منذ الثمانينيات حتي اليوم, سواء الذين يقيمون في القاهرة أم الأقاليم, بالرغم من اختلافي المنهجي مع فلسفتهم الشعرية, فهم ينحازون لليومي والهامشي والجسداني المحض, أي للفيزيقا والملموس, ولعلي كنت ممن رفضوا ــ منذ البداية ــ خطاب كسر التابو, فالمواظبة الجاهزة علي كسر التابو هي ــ في النهاية ــ تابو جديد, لذا كنت أصر علي التعامل الجدلي مع كل المفردات, أي مع التابو وكسره في آن واحد, حسب' صدقية النص, فأنا أؤمن أيضا بأن أعذب الشعر أصدقه, والصدق هنا: صدق التجربة الإنسانية شعريا وصدقها جماليا, بما يتناغم توالديا, في اللحظة ذاتها ــ بين الدلالي والجمالي, لذا كنت ممن يعتقدون بالحداثات لا الحداثة الواحدة الوحيدة, التي يستنسخها الكثيرون, ومع هذا فإنني أترك نفسي في حالة استجابة عفوية, لقدرة أي نص مهما اختلفت مع منطلقاته, علي التسلل داخلها وإمتاعها, وهو ما حدث ويحدث مع الكثير من النصوص الجديدة, التي تملك حق الاختلاف معنا, شريطة أن تطرح جمالها الخاص, وفي الحقيقة فإنني سعيد بهذا التدفق الشعري الجديد سواء في الفصحي, أم في العامية, ومن المؤكد أن هذا التراكم الكمي للتجارب الإبداعية الجديدة سيسفر عن انفجار نوعي, يرهص بأفق جديد للشعر المصري, ربما تتخلق ملامحه الآن. * أحيانا يبدو لي أن الشعر لديك ملاذ أخير وخيار حياتي؟ فعلا, الشعر ملاذي الأخير, إنه وحده الذي يعرفني ويربت علي قلبي, يستوعب أسراري ويتفهم بكاءاتي الصامتة, إنه الحبيبة المستحيلة التي صاغتها لي فيروز, ولا أرضي عنها بديلا, الشعر هو تاريخي, الذي كان دائما ينتظر من ينصت إليه ثم يحتضنه, هكذا فعلت القصيدة, لم تقاطعني يوما, ولم تسخر من آلامي ولا من سذاجاتي الرومانسية, ولا من تأويلاتي الكبري للحظاتي الصغيرة, كان الشعر ولايزال حنانا دائما, كثيرا ما صنعت القصيدة من نفسها امرأة عاشقة, تدرك جيدا تفاصيل خرائطي الداخلية, فتهدهدها بعذوبة, لولا الشعر لكان مصيري الجنون, لقد كان, ولايزال, هو المرأة الحلم عارفة وكاتمة أسراري. * يمتلئ شعرك بروح الحنين والحسرة, أليست هذه روحا اغترابية؟ وهل هناك مبدع غير مغترب, إنه شرط ضرورة لا اختيار, فالإبداع ينشأ في لحظة الإحساس بالاغتراب عن الواقع, إننا نغترب بداهة لكي نكتشف الفقد, ونتلمس النقص ونعثر علي العلة, وقد كنت هكذا منذ الطفولة: وحيدا دائم التأمل, منعزلا عن رفاقي الصاخبين اللاهين, أرصد الحياة بكل توتراتها وتلاوينها, لقد كنت أبحث ـ ولا أزال ويا للأسف ـ عن المثال الكامل, لهذا تمتلئ بل تزدحم قصائدي بكل ما يثير اللوعة والفقد والحرمان والحنين والحسرة, لكوني عشت, مثل جميع من هم في عمري, بين قوسين متناقضين: قوس الأحلام الأولي لثورة يوليو بكل رومانسيتها الشعارية الملهمة, وقوس الانكسار التراجيدي لهذه الأحلام, وما بينهما من أفراح صغيرة وكبيرة متوثبة حينا, وتائهة حينا آخر, هكذا كان حصاد التجربة هشيما محترقا, تذروه رياح كثيرة تعوي في كل مكان. * لماذا اتجهت إلي الكتابة للأطفال؟ اتجهت إلي الكتابة للأطفال لأكتب لنفسي أولا, أكتب ما كنت أفتقده من نصوص إبداعية, تناسب وتناغم وتستهلم أشواق ورغبات الطفل الذي كنت, لقد كنت واحدا من ضحايا الشعر المدرسي غليظ القوام والقيمة, الشعر المنفر, والذي أسهم, وبجدارة, في إبعاد الأطفال عن الشعر, ولأنني أحب الشعر فقد تمنيت ـ وأنا لا أزال وقتها علي مقاعد الدراسة ـ أن أكبر وأكتب شعرا طفوليا حقيقيا يعبر عنا نحن الصغار الفقراء في القرية البعيدة, وقطعت علي نفسي عهدا ــ من وقتها ــ أن أخصص وقتا كافيا وجهدا كافيا للكتابة للأطفال, لأقدم نصوصا تثأر من نصوص المدرسة. أما علي الجانب الآخر, فقد رأيت أن مشروع الحداثة الشعرية, قد أغفل الكتابة للأطفال, ولهذا كان اهتمامي بقصيدة الطفل الحداثية, وعندما قدمت بعض تجاربي في الشعر التفعيلي للأطفال, وفازت هذه التجارب بجائزة الدولة التشجيعية ازددت ثقة في أنني علي الطريق الصحيح, وكان استقبال الأطفال لهذه النماذج مشجعا بل ومدهشا لي, لدرجة أنني سئلت ذات مرة من طفلة في المرحلة الابتدائية: لماذا لا يقدمون لنا هذه القصائد في المدرسة؟! ساعتها بكيت من الفرح, فقد وصلت الرسالة التي بعثت بها! وكم أود لو استطعت أن أقترح لاحقا, نماذج من قصائد النثر للصغار, وهذا هو مشروعي الشعري القادم. * هل يمكننا اعتبار كتابتك للأطفال هروبا؟ إنها الكتابة الأصعب في حياتي, الكتابة التي تصيبني بالرعب الشديد, لكونها مسئولية حضارية, مسئولية خلق وإنشاء وعي جديد, يا عزيزي إنني أباهي وأتحدي بهذه الكتابة, بل إنني أعتبرها اختبارا حقيقيا, لإبداعية المبدع, فليتقدم الشعراء من هذه الكتابة, لنري مدي الشعرية التي يتشدقون بامتلاكها من عدمه, إن المبدع الحق ــ والشاعر ضمنه ــ هو من يستطيع الكتابة للصغار أيضا, وإلا لماذا هم بعيدون عنها! إن الإنسان عدو لما يجهل, أليس كذلك؟!*
|