الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ساحة الحوار
3أكلة لحوم البشر
السبت 11 / 8 / 2007

أوزجان يشار


من آداب المائدة ألا تذكر شيئا يشمئز منه أي من الجالسين حولها‏.‏ وإما أن يفتح موضوع أكلة لحوم البشر علي المائدة فمن الجرائم التي لا تغتفر‏.‏ ولكن عالم الأدب الرحب يتسع لهذه وتلك‏,‏ والأفظع منهما‏.‏ ورأيت أن أسرد شيئا عن الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير‏.‏
كان فلوبير يكتب أشهر رواياته‏(‏ مدام بوفاري‏)‏ وكان انفعاله بما يكتب كبيرا‏,‏ فكأنه قلد جحا في تصديق كذبته‏,‏ ففي إحدي الأساطير عن جحا‏,‏ فقد قد قال جحا لأبنائه كاذبا بأن في قصر الوالي مأدبة عشاء وحفل كبير‏,‏ فذهب الأطفال نحو قصر الوالي وارتاح جحا من الضجيج والصراخ ولكن جحا بعد ساعات من الهدوء ولأنهم لم يعودوا سريعا‏,‏ صدق كذبته ولحقهم‏.‏
وعندما كان فلوبير يصف في الفصل الأخير تناول بطلة الرواية السم‏,‏ ويروي قصة الساعات الأخيرة من عمرها‏..‏ كانت تقيء باستمرار‏..‏ وكان فلوبير يكتب أسطرا ويذهب إلي المرحاض‏..‏ لكي يتقييء‏.‏
ولا أري بأسا في أن أقص قصتي مع رواية‏(‏ مدام بوفاري‏).‏ فرغم أنني أتناول الموضوع بخفة غير خافية فأنني لم أكد أضع الرواية من يدي حتي انتابني انقباض أخذ بمجامعي‏,‏ وقد مضي علي بعد ذلك نحو سنة لم أقرأ فيها رواية أخري خشية معاناة أعراض مشابهة‏.‏ وإمعانا في الاستطراد سأروي ما حدث بعد انقضاء هذه السنة‏.‏
لقد قررت أن أعود إلي قراءة الروايات ورأيت أن أبدأ بالروايات العربية فكان أول ماوقع بين يدي رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف‏.‏ وهي رواية مشحونة‏:‏ فيها سجون وتعذيب واعتقالات سياسية‏.‏ نظام الحكم يتكيء علي حياة بطل الرواية فيخربها تخريبا‏,‏ وتعيش الشخصية عشرات الصفحات مشوهة محترقة من الداخل‏,‏ لقد حرمتني هذه الرواية من العودة إلي قراءة الروايات أشهرا عديدة‏,‏ وعندما عدت بدأت أقرأ قصصا قصيرة وروايات لأديب إنجليزي يقتصد في عرض انفعالات أبطاله‏.‏ وقد تسكعت في رواياته وقصصه طويلا لأنه كان مريحا‏,‏ وأما القيمة الأدبية لكتابته فأمر فيه خلاف شديد بين النقاد‏.‏ وهو بالمناسبة سومرست موم الذي مات قبل‏26‏ سنة‏.‏
العجيب أنني عندما قرأت شيئا عن لحوم البشر وأكلها لأديب آخر من الجزر البريطانية لم أشعر بأي انقباض‏.‏ ذلك الأديب هو جوناثان سويفت الإيرلندي الأصل وصاحب رحلات جاليفر في بلاد الأقزام ثم في بلاد العمالقة‏.‏
كتب سويفت مقالا في صحيفة إنجليزية يقول فيه إن من الأجدي علي الإنجليز أن يأكلوا لحم الأطفال الإيرلنديين عوضا عن أكل لحم الخراف‏.‏ فلماذا لا ينشئ السادة في لندن مزارع في إيرلندا لتربية الأطفال بغرض ذبحهم والانتفاع بلحومهم‏!‏ كان سويفت يعرض هذا المشروع ببرود ويحاول إبراز الجدوي الاقتصادية له‏,‏ ولكن لم يغب عن بال أحد أنه إنما يعبر عن وجهة نظر ساسية‏.‏ كان يدافع بطريقته الخاصة عن شعب إيرلندا ومعاناته من الحكم الإنجليزي ومن سيطرة الإقطاعيين الإنجليز‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg