|
تونس ـ خاص الأهرام العربي لا نهضة لأمة من الأمم إلا بنهضة التعليم فيها.. فالتعليم هو الأقدام التي تحمل الشعوب إلي الرقي والتقدم.. ولعل أول كلمة وجهت من السماء إلي أمة العرب تلخص ذلك وهي قول الحق اقرأ. ويأتي تعليم المرأة بالذات درة التاج في منظومة التعليم فهي نصف المجتمع ـ كما يقال ـ والنصف الآخر وهو الرجال قد ولدته.. ومن النادر ألا تري رجلا متميزا يشار إليه بالبنان لا يرجع بالفضل كما وصل إليه إلي أمه. من هذا المنطلق بدأت تونس النقلة النوعية الحقيقية في تطور المرأة في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. فقد كانت قضية تعليم المرأة, وخصوصا الفتاة, قضية محورية في الفكر الإصلاحي الذي ناضل من أجله رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر في تونس من أمثال خير الدين باشا الذي بلغ منصب كبير الوزراء وكذلك رفاقه أحمد بن أبي الضياف, وسالم بوحاجب والجنرال حسين مؤسس المدرستين الحربية والصادقية, ثم في فترة لاحقة لهم شيخ الإسلام العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي عاصر فترة الاستقلال, وكان حاضرا يوم إصدار أول قانون للأحوال الشخصية في تونس والذي تحتفل المرأة التونسية بإحياء ذكراه الخمسين. فقد كان من أبرز ما أسس لإقرار حق المرأة في التعليم باعتباره حقا وواجبا إلي جوار القانون التوجيهي الأول للتعليم في تونس عام1959, معززا هذا التوجه بإقرار المجانية في التعليم لكل أبناء تونس ذكورا وإناثا. وظل تعليم البنات علي استحياء نظرا للظروف الاجتماعية حتي جاء الرئيس بن علي فكان المد الحقيقي الذي اكتسبته المرأة من التعليم في تونس عام1987, فقد انتهجت تونس منهجا إصلاحيا مجتمعيا شاملا مثلت المرأة ركنا أساسيا فيه. وكان من الطبيعي إقرار خيار نشر وتوسيع تعليم الفتاة والمرأة والارتقاء بمستواها الفكري والعلمي إلي أعلي الدرجات. وكان المبدأ المعتمد تأسيسا علي أن التعليم حق للجميع, هو تكافؤ الفرص بين جميع أبناء تونس كتوجه ثابت بشكل محوري في التربية والتعليم والتكوين, ولكن أيضا في مختلف المجالات الأخري مثل الصحة والسكن والعمل والإدماج الاقتصادي وغير ذلك. وعند إصدار القانون التوجيهي الجديد للتربية والتعليم عام2002 تم إقرار مبدأ إجبارية التعليم بالنسبة لجميع الأطفال الذين هم في سن الدراسة, أي من السنة السادسة إلي السادسة عشرة وقد استفادت الفتاة أساسا من هذا التوجه, خصوصا أن القانون نص في هذا الخصوص علي غرامات مالية يتحملها الأولياء عند مخالفتهم له, وبالفعل فقد حققت تونس نقلة نوعية في الحياة التعليمية ولاحقا في الحياة الاجتماعية نتيجة لتلك السياسة الرائدة المتبعة في مجال التعليم. المرأة ركيزة للتنمية والواقع أن التعليم في تونس شكل الركيزة الأساسية لتأهيل المرأة, وخصوصا في المخطط العاثر الذي امتد من سنة2002 إلي2006, فتأهيل المرأة مثل واحدة من الأولويات الأساسية لهذه المرحلة, بعد أن تم تسجيل نتائج متميزة خلال الفترات السابقة ارتقت أشواطا مهمة بالمستوي الفكري والعلمي والثقافي للمرأة في تونس, وقد حددت الحكومة أهدافا جوهرية لتعليم الفتيات في هذه الفترة التخطيطية, ورتبت عليها أهدافا أخري علي المستويين العلمي والاقتصادي. ولعل أبرز تلك الأهداف تحقيق انخراط قوي وفاعل للمرأة في مجتمع المعرفة الذي جعلت منه الدولة منذ سنوات هدفا إستراتيجيا, لذلك حددت عددا من القضايا باعتبارها ذات أولوية في مجال النهوض بالمستوي العلمي والمعرفي للمرأة من أجل بلوغها خلال هذه الخطة الخماسية. ومن أهم تلك الأهداف تعزيز حضور الفتاة ولاسيما الطالبة في مسالك الشعب العلمية والتقنية حتي يكون لها إسهام في تكريس وتحديث مجتمع المعرفة, ومن ذلك تمكينها أيضا من النفاذ والوصول إلي اكتساب القدرة علي التحكم في التكنولوجيا الحديثة. ويترتب علي ذلك تمكين المرأة من أن تدعم موقعها في إنتاج الذكاء والانخراط الفاعل في تطويع التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد اللامادي, خصوصا أن تونس شقت طريقها بنجاح في هذا المجال, حتي إن منتدي دافوس الاقتصادي كان يصنفها منذ دورتين في المرتبة الحادية والثلاثين من بين البلدان المتقدمة تكنولوجيا. فقد حقق النظام التربوي التونسي هدفا إستراتيجيا, وهو تحقيق التمدرس شبه الكامل للأطفال في سن الدراسة, ذكورا وإناثا, إذ بلغت نسبة التمدرس في التعليم الأساسي للأطفال في سن6 سنوات ومنذ سنة1997 مستوي قياسيا بلغ99.1 بالمائة, وبقي في حالة استقرار منذ تلك السنة وطوال مرحلة الخطة التنموية الحالية. ورافق هذا التطور تطور آخر يخص اهتمام الفتيات بالشعب العلمية والتقنية في التعليم الثانوي, كما تشير إلي ذلك معطيات العام الدراسي2003-2002 التي يبرز منها أن الفتيات توجهن إلي شعبة العلوم التجريبية بنسبة65.7%, وإلي الاقتصاد والتصرف بنسبة64.3%, وإلي الرياضيات بنسبة45.6% والتقنية بنسبة21%. الجامعة والجامعيات وقد تطورت نسبة التحاق الفتيات بالجامعة بشكل كبير, وتبرز مؤشرات انتماء الطالبات للشعب العلمية دقيقة التخصص بشكل أكثر وضوحا نجاح التوجه الوطني الدافع باتجاه تمكن المرأة من اكتساب العلوم الحديثة والتخصص فيها, من ذلك أن نسبة وجود الطالبات في العلوم الطبية بالجامعات التونسية ارتفع من60.3% سنة2001-2000 إلي64.3% سنة2004-2003, وارتفع في نفس السنة في العلوم التقنية من25.7 إلي32.3%, وفي تكنولوجيا الإعلام والاتصال من35.9% إلي40.7% وكان لهذه التطورات أثرها في نوعية المتخرجين من مسالك التكوين الجامعي علي مستوي الطالبات, والتي ارتفعت من حوالي16% سنة2000 إلي حوالي38% سنة2003, وهكذا وبفضل الإرادة السياسية الثابتة للرئيس زين العابدين بن علي في تحديث المجتمع وتطويره, تمكنت المرأة التونسية من الانخراط في مجتمع المعرفة والاقتصاد اللامادي واستيعاب التكنولوجيا الحديثة, وقد أصبحت نسبة النساء العاملات بهذا القطاع27% ويضم حوالي1180 كفاءة نسائية, وقد برزت جدارة المرأة التونسية في تمكنها من التحكم في القطاعات بالغة التطور من خلال نجاح وفعالية مشاركتها في إشغال المرحلة الثانية من القمة العالمية حول مجتمع المعلومات التي احتضنتها تونس من16 إلي18 نوفمبر2005, بما عكس تمكنها من التعامل مع المهن المستحدثة والجديدة ومواكبة مقتضيات الاقتصاد الجديد والإسهام في نشر الثقافة الرقمية*
|