الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3

رياح الآلهة

السبت 11 / 8 / 2007

د‏.‏ خليل حسن


كاميكازه‏,‏ وتعني رياح الآلهة‏,‏ اشتهرت هذه الكلمة في الأربعينيات بعد هجوم الطيارين الانتحاريين اليابانيين علي السفن الأمريكية في بيرل هاربر‏,‏ ويرجع تاريخها الحقيقي لعام‏1284,‏ وقد كان شعب اليابان يؤمن‏,‏ وحتي انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدور الدستور‏,‏ بأن شعب اليابان وأرضه وإمبراطوره ترجع جذورهم لآلهة الكامي‏.‏ وفي القصة التاريخية لليابان‏,‏ كوجيكي‏,‏ والتي صدرت في عام‏721,‏ يرجع الكاتب بدء تاريخ اليابان المعروفة اليوم لعام‏660‏ قبل الميلاد‏.‏ ويسرد هذا الكتاب أسطورة بدء اليابان بزواج أحفاد آلهة الشمس أزنامي وأزناجي‏,‏ مما نتج عن زواجهما ولادة أرض اليابان‏.‏ واستمرت ابنتهما آلهة الشمس برعاية اليابان منذ ذلك الحين‏.‏
ويعتبر الشعب الياباني بأن الكاميكازه هي رياح الآلهة التي حمت جزراليابان من الغزاة منذ عصور طويلة‏.‏ ومن المعروف في التاريخ الياباني بأن جنكيزخان حاول غزو اليابان عدة مرات‏.‏ وتكررت المحاولة في القرن الثالث عشر بقيادة حفيده المعروف بكابولي خان‏.‏ ففي عام‏1281‏ تحرك كابولي خان من الصين لغزو اليابان‏.‏ وقد حمل أسطوله‏,‏ المكون من أربعة آلالف وأربع مائة سفينة‏,‏ مئات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت‏.‏ فوصلوا لليابان وحاولوا السيطرة عليها‏,‏ ولكن جيوش السموراي حاربوا ببسالة لمنعهم‏.‏ والغريب في الأمر بأن أاستيقظ الشعب الياباني في صباح أحد الأيام‏,‏ واكتشفوا اختفاء جميع سفن المغول فجأة‏.‏ وكان التفسير التاريخي لهذا الاختفاء بأن الكاميكازه‏,‏ رياح الآلهة قد أنقذت اليابان من الأسطول المغولي‏.‏
وقد قرر البروفيسور الياباني كنزو هاياشيدا‏,‏ أستاذ علم التاريخ والآثار‏,‏ أن يدرس صحة أسطورة الكاميكازة‏.‏ فشكل فريقا في الثمانينيات لدراسة تاريخ هجوم المغول علي اليابان عام‏.1284‏ ولم يكن يعرف أين يبدأ‏,‏ فهناك آلاف الكيلومترات من الشواطئ والبحار بين اليابان والصين‏.‏ وقد علم وبالصدفة‏,‏ بأن صيادا يابانيا قد اكتشف ختما خشبيا قديما علي شواطئ اليابان الغربية‏.‏ فقرر البروفيسور أن يسافر مع فريق متخصص إلي المنطقة لاكتشاف أسرار هذا الختم‏.‏ وقام الفريق بدراسة هذا الختم القديم‏,‏ ووجدوا بأن الكتابة المنقوشة عليه هي كتابة مغولية‏.‏
وبدأ البروفيسور مع فريقه البحث عن آثار سفن المغول في هذه المنطقة‏.‏ فقاموا بجهد كبير للغوص في قاع البحر وشطف جميع الأحجار والرمال‏.‏ ومع الأسف لم يكتشف الفريق أي أثر لتلك السفن‏.‏ ولم ييأس الفريق‏,‏ فاستمر في البحث حتي وجد في قاع البحر قطعة خشبية قديمة‏.‏ وتبين بعد إجراء التحاليل المخبرية اللازمة‏,‏ بأن هذه القطعة قديمة جدا ومن صنف الأخشاب الصينية‏.‏ وقامت المختبرات اليابانية بدراسات دقيقة لاكتشاف تاريخ هذه القطعة الخشبية‏,‏ فقدر العلماء بأن تاريخها يرجع للقرن الثاني أو الثالث عشر‏.‏
وبعد بحث متواصل‏,‏ اكتشف الفريق عدة قطع أخري من أعمدة نفس السفن وبأحجام كبيرة‏.‏ وأستغرب الفريق حينما اكتشف بأن جميع هذه القطع الخشبية تأخذ وضعا متشابها في قاع البحر‏.‏ وبعد الدراسة المتأنية والبحث‏,‏ استنتج العلماء حقيقة غرق الأسطول المغولي في هذه المنطقة من البحر‏.‏ والسؤال المحير الذي حاول خبراء الآثار الإجابة عليه هو‏,‏ ما سبب غرق هذا الأسطول الكبير والذي لم ترجع واحدة من سفنه للصين‏.‏
فقام فريق ياباني متخصص في الطوفان‏,‏ مع كبار الأساتذة في الجامعات الأمريكية‏,‏ بدراسة تاريخ الطوفان في هذه المنطقة‏,‏ ومنذ سبعمائة عام‏.‏ واستخدموا لذلك برنامج جهاز آلي متخصص‏.‏ فاكتشف الفريق تعرض المنطقة لطوفان متكرر‏,‏ في شهر أغسطس من كل عام‏,‏ تصل سرعته لأكثر من مائتي كيلومتر في الساعة‏.‏
واستنتج البروفيسور أخيرا بأن المغول رسوا بأسطولهم علي شواطئ اليابان الغربية ونزلوا في جزيرة هنشوا‏.‏ وتعرضوا لهجوم مضاد من سموراي اليابان‏,‏ فتراجعوا إلي سفنهم‏.‏ وفي منتصف إحدي الليالي المظلمة‏,‏ بدأ فجأة طوفان شديد ودمر جميع الأسطول ولم يبق في صباح اليوم التالي أي أثر للسفن ولا الجنود‏.‏
حاولت عزيزي القارئ عرض هذه الحادثة لأوضح كيف يراجع الشعب الياباني تاريخه‏,‏ ويصحح أخطاء هذا التاريخ بموضوعية‏,‏ وبدون تدخل رجال الدين في معرفة هذه الحقائق‏.‏ ومن المعروف بأن هناك خلافا تاريخيا في اليابان بين فريقين‏.‏ الفريق الأول يؤمن بكل ما جاء في قصة الكوجيكي كحقيقة إلهية‏,‏ وفريق أخر يعتبر كثيرا من هذه القصص أساطير غير واقعية يمكن الاستفادة من حكمها‏.‏ ونلاحظ كيف تعامل الشعب الياباني بحكمة وموضوعية علمية مع هذه الخلافات التاريخية‏.‏ فدرس العلماء هذا التاريخ‏,‏ وحاولوا الوصول لإجابة علمية لما حدث‏.‏
وقد كنت أتمني أن ندرس خلافاتنا التاريخية التي مضي علي أحداثها أربعة عشر قرنا‏,‏ دراسة علمية متخصصة‏,‏ لنكتشف الحقائق ونتعلم منها‏,‏ ولنبدأ معا يدا بيد وكفريق واحد‏,‏ لبناء المستقبل‏.‏ وطبعا لم تتطور البشرية إلا حينما تداخلت الأفكار ونوقشت الخلافات في الرأي‏,‏ وتحمل البشر اختلافات بعضهم البعض ليصلوا إلي أرضية تصالحية مشتركة ليستطيعوا أن يكملوا التنمية البشرية في الفكر والعلوم والاقتصاد‏.‏ وبالحوار نتحول من ساحات القتال والدمار إلي ساحات الإعلام والبرلمانات‏,‏ لنناقش الأفكار ونستفيد من تطويرها‏.‏ وبتعارك الأفكار وامتزاجها تقدمت الحضارة الإنسانية وترعرعت علي مر العصور‏.‏
خلق الخالق جل شأنه هذا العالم بالإنسان والطبيعة‏,‏ وأعطاه العقل ليقرر كيف سيتعامل مع هذه الطبيعة‏.‏ فالإنسان جسم وعقل ونفس وروح‏,‏ وتربط الروح الإنسان بحقائق غير مادية كحقيقة سر الكون وخالقه‏,‏ وحقيقة ما بعد الموت‏.‏ ولقد طرحت الأديان حقيقة الإنسان والطبيعة والتفاعل بينهما‏,‏ والحياة والحساب بعد الموت‏.‏ وقد درس العلماء العقل المعقد وطريقة تفكيره‏,‏ وذكاء الإنسان الذهني‏,‏ وذكاءه في التعامل مع عواطفه‏,‏ وذكاءه في التعامل مع الآخرين‏,‏ بالإضافة للذكاء الروحي‏.‏ فما هو الذكاء الروحي وما أهميته في هذه المرحلة من تاريخنا الشائك؟ ولنا لقاء‏.‏
سفير مملكة البحرين في اليابان

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg