|
د. خليل حسن كاميكازه, وتعني رياح الآلهة, اشتهرت هذه الكلمة في الأربعينيات بعد هجوم الطيارين الانتحاريين اليابانيين علي السفن الأمريكية في بيرل هاربر, ويرجع تاريخها الحقيقي لعام1284, وقد كان شعب اليابان يؤمن, وحتي انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدور الدستور, بأن شعب اليابان وأرضه وإمبراطوره ترجع جذورهم لآلهة الكامي. وفي القصة التاريخية لليابان, كوجيكي, والتي صدرت في عام721, يرجع الكاتب بدء تاريخ اليابان المعروفة اليوم لعام660 قبل الميلاد. ويسرد هذا الكتاب أسطورة بدء اليابان بزواج أحفاد آلهة الشمس أزنامي وأزناجي, مما نتج عن زواجهما ولادة أرض اليابان. واستمرت ابنتهما آلهة الشمس برعاية اليابان منذ ذلك الحين. ويعتبر الشعب الياباني بأن الكاميكازه هي رياح الآلهة التي حمت جزراليابان من الغزاة منذ عصور طويلة. ومن المعروف في التاريخ الياباني بأن جنكيزخان حاول غزو اليابان عدة مرات. وتكررت المحاولة في القرن الثالث عشر بقيادة حفيده المعروف بكابولي خان. ففي عام1281 تحرك كابولي خان من الصين لغزو اليابان. وقد حمل أسطوله, المكون من أربعة آلالف وأربع مائة سفينة, مئات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت. فوصلوا لليابان وحاولوا السيطرة عليها, ولكن جيوش السموراي حاربوا ببسالة لمنعهم. والغريب في الأمر بأن أاستيقظ الشعب الياباني في صباح أحد الأيام, واكتشفوا اختفاء جميع سفن المغول فجأة. وكان التفسير التاريخي لهذا الاختفاء بأن الكاميكازه, رياح الآلهة قد أنقذت اليابان من الأسطول المغولي. وقد قرر البروفيسور الياباني كنزو هاياشيدا, أستاذ علم التاريخ والآثار, أن يدرس صحة أسطورة الكاميكازة. فشكل فريقا في الثمانينيات لدراسة تاريخ هجوم المغول علي اليابان عام.1284 ولم يكن يعرف أين يبدأ, فهناك آلاف الكيلومترات من الشواطئ والبحار بين اليابان والصين. وقد علم وبالصدفة, بأن صيادا يابانيا قد اكتشف ختما خشبيا قديما علي شواطئ اليابان الغربية. فقرر البروفيسور أن يسافر مع فريق متخصص إلي المنطقة لاكتشاف أسرار هذا الختم. وقام الفريق بدراسة هذا الختم القديم, ووجدوا بأن الكتابة المنقوشة عليه هي كتابة مغولية. وبدأ البروفيسور مع فريقه البحث عن آثار سفن المغول في هذه المنطقة. فقاموا بجهد كبير للغوص في قاع البحر وشطف جميع الأحجار والرمال. ومع الأسف لم يكتشف الفريق أي أثر لتلك السفن. ولم ييأس الفريق, فاستمر في البحث حتي وجد في قاع البحر قطعة خشبية قديمة. وتبين بعد إجراء التحاليل المخبرية اللازمة, بأن هذه القطعة قديمة جدا ومن صنف الأخشاب الصينية. وقامت المختبرات اليابانية بدراسات دقيقة لاكتشاف تاريخ هذه القطعة الخشبية, فقدر العلماء بأن تاريخها يرجع للقرن الثاني أو الثالث عشر. وبعد بحث متواصل, اكتشف الفريق عدة قطع أخري من أعمدة نفس السفن وبأحجام كبيرة. وأستغرب الفريق حينما اكتشف بأن جميع هذه القطع الخشبية تأخذ وضعا متشابها في قاع البحر. وبعد الدراسة المتأنية والبحث, استنتج العلماء حقيقة غرق الأسطول المغولي في هذه المنطقة من البحر. والسؤال المحير الذي حاول خبراء الآثار الإجابة عليه هو, ما سبب غرق هذا الأسطول الكبير والذي لم ترجع واحدة من سفنه للصين. فقام فريق ياباني متخصص في الطوفان, مع كبار الأساتذة في الجامعات الأمريكية, بدراسة تاريخ الطوفان في هذه المنطقة, ومنذ سبعمائة عام. واستخدموا لذلك برنامج جهاز آلي متخصص. فاكتشف الفريق تعرض المنطقة لطوفان متكرر, في شهر أغسطس من كل عام, تصل سرعته لأكثر من مائتي كيلومتر في الساعة. واستنتج البروفيسور أخيرا بأن المغول رسوا بأسطولهم علي شواطئ اليابان الغربية ونزلوا في جزيرة هنشوا. وتعرضوا لهجوم مضاد من سموراي اليابان, فتراجعوا إلي سفنهم. وفي منتصف إحدي الليالي المظلمة, بدأ فجأة طوفان شديد ودمر جميع الأسطول ولم يبق في صباح اليوم التالي أي أثر للسفن ولا الجنود. حاولت عزيزي القارئ عرض هذه الحادثة لأوضح كيف يراجع الشعب الياباني تاريخه, ويصحح أخطاء هذا التاريخ بموضوعية, وبدون تدخل رجال الدين في معرفة هذه الحقائق. ومن المعروف بأن هناك خلافا تاريخيا في اليابان بين فريقين. الفريق الأول يؤمن بكل ما جاء في قصة الكوجيكي كحقيقة إلهية, وفريق أخر يعتبر كثيرا من هذه القصص أساطير غير واقعية يمكن الاستفادة من حكمها. ونلاحظ كيف تعامل الشعب الياباني بحكمة وموضوعية علمية مع هذه الخلافات التاريخية. فدرس العلماء هذا التاريخ, وحاولوا الوصول لإجابة علمية لما حدث. وقد كنت أتمني أن ندرس خلافاتنا التاريخية التي مضي علي أحداثها أربعة عشر قرنا, دراسة علمية متخصصة, لنكتشف الحقائق ونتعلم منها, ولنبدأ معا يدا بيد وكفريق واحد, لبناء المستقبل. وطبعا لم تتطور البشرية إلا حينما تداخلت الأفكار ونوقشت الخلافات في الرأي, وتحمل البشر اختلافات بعضهم البعض ليصلوا إلي أرضية تصالحية مشتركة ليستطيعوا أن يكملوا التنمية البشرية في الفكر والعلوم والاقتصاد. وبالحوار نتحول من ساحات القتال والدمار إلي ساحات الإعلام والبرلمانات, لنناقش الأفكار ونستفيد من تطويرها. وبتعارك الأفكار وامتزاجها تقدمت الحضارة الإنسانية وترعرعت علي مر العصور. خلق الخالق جل شأنه هذا العالم بالإنسان والطبيعة, وأعطاه العقل ليقرر كيف سيتعامل مع هذه الطبيعة. فالإنسان جسم وعقل ونفس وروح, وتربط الروح الإنسان بحقائق غير مادية كحقيقة سر الكون وخالقه, وحقيقة ما بعد الموت. ولقد طرحت الأديان حقيقة الإنسان والطبيعة والتفاعل بينهما, والحياة والحساب بعد الموت. وقد درس العلماء العقل المعقد وطريقة تفكيره, وذكاء الإنسان الذهني, وذكاءه في التعامل مع عواطفه, وذكاءه في التعامل مع الآخرين, بالإضافة للذكاء الروحي. فما هو الذكاء الروحي وما أهميته في هذه المرحلة من تاريخنا الشائك؟ ولنا لقاء. سفير مملكة البحرين في اليابان
|