الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3محاولة تخريبية في السودان أم تصفية حسابات؟‏!‏

مبارك المهدي رجل الانشقاقات في المعتقل

السبت 11 / 8 / 2007

تقرير ـ أسماء الحسيني


مازال مبارك الفاضل المهدي مساعد الرئيس السوداني السابق ورئيس حزب الأمة الإصلاح والتجديد في سجنه بعد أسابيع من اعتقاله بتهمة التدبير لمخطط تخريبي إلي جانب‏14‏ من العسكريين السابقين بينهم نائب رئيس جهاز المخابرات في فترة الحكم الديمقراطي الثالثة ورئيس اللجنة القومية لعودة المفصولين للصالح العام من القوات النظامية حاليا اللواء معاش محمد علي حامد‏,‏ إضافة إلي مدنيين آخرين بينهم رئيس الجهاز التنفيذي لحزب الأمة عبدالجليل الباشا الذي شغل منصب وزير السياحة الأسبق‏.‏
وقد وصف نائب مدير جهاز الأمن اللواء محمد عطا في لقاء جمعه بعدد محدود من الصحفيين المخطط الذي اتهم مبارك وصحبه بالإعداد له بالخطير‏,‏ وأكد أن الأجهزة الأمنية رصدت منذ مطلع إبريل الماضي تحركات تستهدف تخريب العاصمة والقيام بعمليات اغتيال واسعة‏.‏
وقال‏:‏ إنهم كانوا سيمارسون نشاطهم علي مدي خمسة إلي ستة أشهر بهدف إسقاط الحكومة‏,‏ وكشف عن تسريبات من مخابرات دولة مجاورة لتفاصيل المخطط‏.‏
وأضاف أن مبارك الفاضل كان المحرك الأول للعملية في شقها السياسي‏,‏ وأنه استطاع التغلغل في وسط مجموعة من العسكريين في الشرطة والجيش متذرعا بالدواعي الوطنية مشيرا إلي مباركة الولايات المتحدة للعملية وقد أثار خبر القبض علي مبارك الفاضل والتهمة الموجهة إليه العديد من التساؤلات البديهية حول لماذا ولأي غاية يقود انقلابا؟ وكيف وبأي وسيلة وأي أشخاص يقوده؟ وفي أي أجواء يقود انقلابه في أوضاع السودان اليوم؟ كما أثار الخبر أسئلة مماثلة حول الأسباب التي دفعت الحكومة إلي القبض عليه‏,‏ وما الذي سيستفيده كلا الطرفين؟
والواقع أن مبارك الفاضل المهدي يعد إحدي أكثر الشخصيات في السودان فاعلية وإثارة للجدل في آن واحد في كل مراحله منذ دخوله المعترك السياسي السوداني في الثمانينيات من القرن الماضي بعد تحرجه في الجامعة الأمريكية بلندن‏,‏ حيث تولي العديد من الملفات المهمة في حزبه وتنقل بين أكثر من موقع وزاري بعد قيام الانتفاضة عام‏1985,‏ حيث تولي منصب وزير الصناعة‏,‏ ثم التجارة الخارجية‏,‏ ثم الطاقة وأخيرا وزيرا للداخلية حتي قيام حكم الإنقاذ عام‏1989,‏ وبعد الإنقاذ أسس التجمع السوداني المعارض‏,‏ وانتخب أمينا عاما له‏,‏ ثم قاد مباحثات مع الحكومة السودانية نيابة عن حزبه قادت إلي توقيع اتفاق جيبوتي بينهما عام‏2000,‏ وبموجبه خرج حزب الأمة من صفوف التجمع المعارض وعادت قياداته من خارج السودان إلي داخله‏.‏
وفي الخرطوم قاد مبارك وفدا للتفاوض مع الحكومة السودانية نيابة عن حزبه‏,‏ وأعلن وقتها اقتناعه بضرورة المشاركة في الحكم وأحدث انشقاقا بالحزب عام‏2002,‏ وشارك في الحكومة كمساعد للرئيس السوداني عمر البشير حتي عام‏2004‏ حيث تم إعفاؤه من منصبه بعد خلافات‏,‏ تردد أنها كانت بسبب سعيه لإحداث شرخ بين الرئيس البشير ونائبه علي عثمان طه‏,‏ كما تولي عدد كبير من قيادات حزبه مناصب وزارية‏,‏ ولما اختلف مبارك الفاضل مع الحكومة وخرج منها لم يخرج معه من الحكومة إلا عدد قليل من قيادات حزبه‏,‏ فيما تفرق من كانوا معه إلي‏4‏ فصائل مازالت تشارك في الحكومة الحالية‏.‏
وقد جلب له العداء خروجه من التجمع المعارض بعد أن كان أمينا عاما له وانقلابه عليه وهجومه عليه بغير هوادة‏,‏ وشوه صورته ما نسب إليه من تسريب معلومات للأمريكان عن إنتاج مصنع الشفاء لأسلحة كيميائية وهو ما أدي إلي قصفه في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون‏,‏ لكن ما أورثه الكثير من الخصوم حقيقة وأفقده كثيرا من أرضيته السياسية هو أنه أسهم في شق صفوف حزب عريق هو حزب الأمة القومي الذي يتزعمه ابن عمه السيد الصادق المهدي‏.‏
وهناك الكثير من الدفاعات والحجج التي يسوقها مبارك الفاضل للرد علي اتهامات خصومه جميعا‏,‏ كما أنه لم يفقد الأمل في العودة لصفوف حزب الأمة مجددا‏,‏ وهو الأمر الذي شكلت من أجله لجنة لإقراره من قبل حزب الأمة القومي‏,‏ والأمر أيضا الذي كانت تطالب به عموم جماهير حزب الأمة‏.‏
لكن هل قاد مبارك الفاضل محاولة انقلابية بالفعل؟ هذا الأمر يكاد يجمع المحللون والمراقبون علي استبعاده‏,‏ وكما يقول الصحفي والمحلل السياسي السوداني ضياء الدين بلال‏,‏ تظل طبيعة المحاولة موضع الاتهام غامضة‏,‏ ومصدر الغموض أنها تطرح الكثير من الأسئلة التي تجد من واجبها البحث عن الفوائد التي كان من المتوقع أن تعود علي منفذي العملية ومخططيها والجهات الممولة إذ أمضت هذه العملية إلي نهايتها دون أن يعترضها عارض‏.‏
كما أن العملية لا تعتمد في بعدها العسكري إلا علي بعض العسكريين علي المعاش‏,‏ فهل كان يمكن لهذه المجموعة أن تقوم بانقلاب عسكري تسيطر عبره علي العاصمة الخرطوم التي ظلت منذ أحداث العنف التي أعقبت وفاة الدكتور جون قرنق في حالة استنفار تام‏,‏ وحتي لو استطاعت فرض السيطرة علي الخرطوم‏,‏ وهو أمر بالغ الاستحالة‏,‏ فمن يسيطر علي الخرطوم الآن عليه أن يعد نفسه لمواجهة انقلابات متزامنة في كل ولايات السودان‏.‏
أما إذا كانت العملية التي أعلنت عنها الأجهزة الأمنية تستهدف فقط إحداث تخريب بالعاصمة‏,‏ فليس من المتوقع أن يرتب الفاضل لذلك وهو مستقر بمنزله في الخرطوم‏,‏ ومن الصعب توقع أو تخيل مبارك الفاضل بجلبابه الأبيض الفضفاض وعمامته يصل للسلطة عبر دبابة عسكرية‏,‏ بل ومن الصعوبة أيضا تصور أن تفكير مبارك الفاضل يمكن أن يقوده إلي الاعتقاد بأنه من الممكن أن يتقرب لمواطني الخرطوم بأعمال تخريبية يصل ضررها إلي أسرته الصغيرة‏.‏
وفيما اعتبر حزب مبارك الفاضل اعتقال زعيمه بأنه فبركة من أجهزة الأمن مطالبا بحماية حياته‏,‏ انتقدت المعارضة السودانية بشدة اعتقاله‏,‏ وقالت إن تقرير اتهام مبارك ورفاقه بعملية تخريبية يأتي في ظل غياب العناصر الرئيسية للتخريب‏,‏ ومن أبرزها التنظيم والتدريب والتمويل والمعدات‏,‏ مما يجعل الرواية غير متماسكة ويشوبها التشويش والتضارب والتناقض‏.‏
وأضافت أن توقيت الاعتقالات جاء بهدف صرف الأنظار عن واقع التخريب الذي أحدثته الإنقاذ والكوارث التي توالت علي السودان بسبب قصور السياسات الحكومية وفشلها في معالجة الأزمة‏,‏ وعلي رأسها أزمة دارفور‏.‏
كما أعلنت المعارضة السودانية رفضها استخدام أجهزة ومؤسسات الدولة في تصفية الحسابات السياسية والشخصية ورفضها لمنهج الاعتقال الأمني بدلا من الوضع الطبيعي‏,‏ وأشارت إلي أن هذه الحادثة تكشف عن رغبة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في خلق أوضاع استثنائية تمكنه من التضييق علي الحريات بدعاوي مختلفة‏,‏ الأمر الذي يؤكد ضرورة تعديل كل القوانين المخالفة للدستور‏.‏
ومن جهته شكك حزب الأمة القومي الذي يتزعمه السيد الصادق المهدي في الاتهامات وطالب أن يكون جهاز الأمن لجمع المعلومات وتحليلها وليس للقيام بمهام التنفيذ‏,‏ كما طالب بتوفير حقوق المتهمين من تحقيق عادل ومحاكمة علنية تتيح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم‏,‏ أما الحركة الشعبية لتحرير السودان فقد اعتبرت ما يجري تصفية حسابات بين حكم الإنقاذ ومبارك الفاضل‏,‏ وقال سياسيون آخرون بالسودان‏:‏ إن مبارك لا يمكن أن يشكل أي خطر علي النظام وليست لديه أية مقومات للعمل العسكري‏.‏
ومن جانبها نفت السفارة الأمريكية في الخرطوم أية صلة لها بالولايات المتحدة بما قالت الخرطوم إنه محاولة انقلابية كان يعد لها مبارك الفاضل‏,‏ وتساءلت في بيان لها‏:‏ هل هذه المؤامرة كانت حقيقية أم مجرد محاولة لتحويل الأنظار عن التحديات التي تواجهها السودان‏,‏ ومن أبرزها معاناة ملايين الناس في دارفور والتنفيذ البطيء لاتفاق السلام الشامل في الجنوب‏.‏
إذن ما الذي حدث بالضبط ودفع السلطات السودانية لاعتقال مبارك الفاضل المهدي؟ هل هي فقط تصريحاته النارية واتهاماته التي كان يطلقها أخيرا بغير هوادة لتطال كل أركان الحكم ورموزه من المؤتمرالوطني؟‏,‏ أم أن الأمر تعدي ذلك وما أقلق الحكومة هو اتصالاته وصلاته الخارجية العديدة؟ أم أن ما دفع الحكومة لاعتقاله هو معازلته للعسكريين المتقاعدين واجتماعاته المتوالية معهم لغرض غير مفهوم؟
ويذهب البعض في تفسير ذلك الأمر أن مبارك أراد عبر هذه الاتصالات إثارة شيء من الغبار حوله ليستغل أي عمل من السلطة ضده في إعادة صياغة أرضية سياسية جديدة له في المرحلة المقبلة‏,‏ ويستدلون علي ذلك بأن اعتقال مبارك الفاضل قد أعاده بقوة إلي الساحة السياسية السودانية‏,‏ وهو الأمر الذي افتقده منذ دخوله إلي الحكومة كمساعد للرئيس ثم إعفائه من منصبه إثر خلافات يبدو أن تصريحاته وتحركاته الأخيرة قد شحنتها وحركتها من جديد‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg