الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

عندما أصدر الإخوان المسلمون أكثر الصحف إسفافا‏!‏

السبت 11 / 8 / 2007

صلاح عيسي


هذه قصة تاريخية تذكرتها من دون مناسبة‏,‏ وربما تكون هناك مناسبة‏,‏ لا أريد أن أفصح عنها‏,‏ وهل السبب هو أنها تكررت أو قد تتكرر في الواقع السياسي والصحفي الراهن أو المقبل؟ أما المؤكد‏,‏ فهو أنني أريد أن أسليك وأن أضحكك في هذا الحر القائظ‏.‏
والقصة تعود إلي مثل هذه الأيام منذ‏60‏ سنة‏,‏ أي في صيف العام‏1947,‏ عندما وصلت الحملة التي تشنها صحف حزب الوفد علي جماعة الإخوان المسلمين إلي ذروتها‏,‏ وكانت الحملة قد بدأت بسبب خلافات سياسية بين الطرفين‏,‏ إذ لم تكد حكومة الوفد تغادر مقاعدها عام‏1944,‏ حتي فض الإخوان المسلمون تحالفهم مع الوفد‏,‏ ليتحالفوا مع خصومه التقليديين من أحزاب الأقليات الذين كلفوا بتشكيل الوزارة‏,‏ اتخذوا منهم أداة لمحاولة تحطيم الوفد‏,‏ فتعددت الاشتباكات بين طلاب الإخوان والطلاب الوفديين في الجامعات‏,‏ ونشبت المعارك بين أنصار الطرفين في بعض أحياء المدن الكبري وفي عواصم الأقاليم بل وبعض القري‏.‏
وكان الوفد‏-‏ يملك‏-‏ فضلا عن جماهيريته الكاسحة‏,‏ وربما بسببها‏,‏ آلة إعلامية ضخمة‏,‏ تتمثل في عدة صحف اشتركت جميعها بدرجات متفاوتة في شن حملة دعائية عنيفة ضد جماعة الإخوان‏,‏ سرعان ما وجدت وقودها في انشقاق كان قد حدث آنذاك داخلهم‏,‏ وأسفر عن استقالة وكيلي الجماعة‏,‏ وعدد من أقطابها‏,‏ علي خلفية اتهامات أخلاقية‏,‏ وجهت لسكرتيرها العام‏,‏ تتهمه بانتهاك حرمة بيوت الإخوان‏,‏ وسرعان ما استضافت صحف الوفد هؤلاء المنشقين‏,‏ ليفضحوا أسرار الجماعة الداخلية‏,‏ وينهالوا بمعاولهم علي بنائها الشامخ‏,‏ وخصصت إحدي هذه الصحف وهي يومية صوت الأمة لأشهر طويلة‏,‏ صفحة كاملة يوميا بعنوان هذه الجماعة تهوي لنشر مقالات الهجوم علي الإخوان‏,‏ وأخبار‏-‏ بعضها حقيقي والآخر ملفق‏-‏ عما يجري في كواليس الجماعة‏,‏ من خلافات فضلا عن قوائم طويلة بأسماء مئات من أعضائها يعلنون استقالاتهم منها‏,‏ وتبرؤهم مما تتخذه من مواقف‏,‏ بعد أن تبين لهم أنهم خدعوا في ادعائها‏,‏ بأنها تعمل في سبيل الله والوطن‏,‏ واكتشفوا فساد قياداتها‏,‏ وانتهازية سياساتها‏.‏
ومع أن الإخوان كانوا يصدرون أيامها جريدة يومية باسم الإخوان المسلمون إلا أنها عجزت عن التصدي بكفاءة لحملة الصحف الوفدية علي الجماعة‏,‏ إذ كانت جريدة ضعيفة محدودة التوزيع والتأثير‏,‏ بسبب افتقاد الذين يصدرونها للخبرة الصحفية‏,‏ واعتذار الكتاب اللامعين ذوي الجماهيرية الكاسحة عن الكتابة فيها‏,‏ والصحفيين المتمرسين عن العمل فيها‏..‏ بل إن أعضاء الجماعة أنفسهم لم يكونوا يقرأونها‏,‏ إذ كان معظمهم من المتدينين العاديين الذين لا يهتمون بالسياسة‏,‏ ممن لم يتعودوا أن يقرأوا الصحف أو الكتب اكتفاء بالقرارات أو المواعظ الدينية‏.‏
وكان مستحيلا أن يصبر الإخوان طويلا علي حملة صحف الوفد‏,‏ التي كان تتصف مرشدهم العام بأنه شيخ متآمر‏,‏ وماجن وزعيم عصابة وأفاك‏,‏ وتطلق عليه اسم راسبوتين وتصف مركزهم العام بأنه وكر للعفن والقاذورات‏,‏ وجماعتهم بأنها فضيحة قومية‏,‏ كما كان مستحيلا عليهم‏,‏ كذلك أن يردوا علي هذه الحملة‏,‏ بالمستوي العنيف الذي وصلت إليه‏,‏ وبطريقة تردع صحف الوفد‏,‏ علي صفحات الجريدة الرسمية التي تحمل اسمهم‏,‏ وتنطق بلسانهم‏,‏ لأن ذلك كان سينسف مصداقية ادعائهم بأنهم يلتزمون بآداب الإسلام في الرد علي خصومهم‏.‏
ولأنه لا يفل الحديد إلا الحديد‏,‏ فقد قرر الإخوان أن يصدروا مجلة أسبوعية لا تنطق باسمهم‏,‏ ولا تبدو من الناحية الشكلية إحدي صحفهم‏,‏ يحررها صحفيون ممن تخصصوا في الردح والتشليق وفرش الملاءة‏,‏ والمعروفين بعدائهم للوفد‏,‏ لكي ينوبوا عنهم في الرد علي جملة الصحف الوفدية‏,‏ بشرشحة حزب الوفد وقياداته والانتقاص من مكانتهم‏,‏ ونشر فضائحهم‏,‏ وفبركة الأخبار والشائعات التي تسئ إليهم‏..‏ اختاروا لها اسم الكشكول الجديد‏.‏
ولم يأت اختيار الاسم اعتباطا‏,‏ إذ كانت الكشكول أكثر الصحف في تاريخ الصحافة المصرية بذاءة وإسفافا‏,‏ وقد صدرت عام‏1921,‏ الذي شهد أول انقسام في حزب الوفد لهدف واحد هو هدم زعامة سعد زغلول‏,‏ وظلت تقوم بهذاالدور في التشهير بقادة الوفد‏,‏ حتي توفي صاحبها سليمان فوزي في النصف الثاني من الثلاثينيات فتوقفت عن الصدور‏,‏ فأعادت الكشكول الجديد إحياء نفس الأبواب والزوايا التي اشتهرت بها الكشكول في عهدها الذهبي‏,‏ التي كانت ترشحها للحصول علي جائزة نوبل في الإسفاف الصحفي‏.‏
واستجاب الإخوان المسلمون لطلب أسرة تحرير الكشكول الجديد بأن يخصصوا لهم مقرا مستقلا‏,‏ بعيدا عن مقر الصحيفة اليومية‏,‏ التي يسودها الضجيج ويغلب عليها التزمت‏,‏ فاستأجرت لهم منزلا من دورين في منطقة القلعة‏,‏ لكي يتفرغوا‏-‏ كما قالوا‏-‏ للإبداع الصحفي ولشد المسخرة علي حزب الوفد وصحافته وزعمائه‏.‏
وشفي صدور الكشكول الجديد صدور الإخوان المسلمين مما كانوا يشعرون به من ضيق‏,‏ بسبب تطاول صحف الوفد علي مرشدهم العام‏,‏ وأثبتت أن أخلاقهم الإسلامية وإن كانت تمنعهم من أن يردوا علي الإسفاف بمثله‏,‏ وتحول بينهم وبين الردح والتشليق‏,‏ فإنها لا تحول بينهم وبين أن يستأجروا فرقة من الرداحين المحترفين لكي ينوبوا عنهم في أداء هذه المهمة غير الإسلامية‏.‏
وكان يمكن أن تواصل الكشكول الجديد هذا الدور الفضائحي المجيد لولا أن المرشد العام تلقي تقريرا من شعبة الإخوان المسلمين بالسيدة عائشة‏,‏ تقول إن مقر المجلة يستغل لأغراض غير أخلاقية‏,‏ فأحاله إلي د‏.‏ محمود عساف‏,‏ مدير إدارة جريدة الإخوان المسلمين اليومية‏,‏ الذي كان كذلك مسئولا ماليا عن الكشكول‏,‏ وهمزة الوصل بين أسرة تحريرها وبين الجماعة الذي أسرع إلي هناك‏,‏ وطرق الباب‏,‏ وما كاد أحد المحررين يفتح له الباب حتي صاح بأعلي صوته كبسة يا أولاد الكلب
كانت رائحة الحشيش تعبق أجواء المكان‏,‏ وفي غرفة التحرير الرئيسية وجد مسئول التمويل الإخواني‏,‏ امرأة تجلس علي ركبتي أحد المحررين‏,‏ وفي أحد الأركان برميل صغير مركب علي قوائم وله صنبور ينقط خمرا‏,‏ وعلي منضدة صغيرة‏,‏ وجد إناء به فحم مشتعل وإلي جواره صفوف من أحجار الجوزة‏,‏ مجهزة بالمعسل وتعميرة الحشيش‏,‏ بينما كان بقية المحررين في حالة إبداع لم يسبق لها مثيل‏.‏
وبهذا المشهد الإبداعي البديع‏,‏ انتهت قصة الكشكول الجديد وهي قصة كلها مواعظ من النوع الذي تجده عادة في ميلودراميات مخرج الروائع حسن الإمام‏,‏ فتضحكك‏..‏ مع أن هدفها أن تبكيك‏!‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 11 / 8 / 2007
رقم العـدد
542
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg