|
صلاح عيسي هذه قصة تاريخية تذكرتها من دون مناسبة, وربما تكون هناك مناسبة, لا أريد أن أفصح عنها, وهل السبب هو أنها تكررت أو قد تتكرر في الواقع السياسي والصحفي الراهن أو المقبل؟ أما المؤكد, فهو أنني أريد أن أسليك وأن أضحكك في هذا الحر القائظ. والقصة تعود إلي مثل هذه الأيام منذ60 سنة, أي في صيف العام1947, عندما وصلت الحملة التي تشنها صحف حزب الوفد علي جماعة الإخوان المسلمين إلي ذروتها, وكانت الحملة قد بدأت بسبب خلافات سياسية بين الطرفين, إذ لم تكد حكومة الوفد تغادر مقاعدها عام1944, حتي فض الإخوان المسلمون تحالفهم مع الوفد, ليتحالفوا مع خصومه التقليديين من أحزاب الأقليات الذين كلفوا بتشكيل الوزارة, اتخذوا منهم أداة لمحاولة تحطيم الوفد, فتعددت الاشتباكات بين طلاب الإخوان والطلاب الوفديين في الجامعات, ونشبت المعارك بين أنصار الطرفين في بعض أحياء المدن الكبري وفي عواصم الأقاليم بل وبعض القري. وكان الوفد- يملك- فضلا عن جماهيريته الكاسحة, وربما بسببها, آلة إعلامية ضخمة, تتمثل في عدة صحف اشتركت جميعها بدرجات متفاوتة في شن حملة دعائية عنيفة ضد جماعة الإخوان, سرعان ما وجدت وقودها في انشقاق كان قد حدث آنذاك داخلهم, وأسفر عن استقالة وكيلي الجماعة, وعدد من أقطابها, علي خلفية اتهامات أخلاقية, وجهت لسكرتيرها العام, تتهمه بانتهاك حرمة بيوت الإخوان, وسرعان ما استضافت صحف الوفد هؤلاء المنشقين, ليفضحوا أسرار الجماعة الداخلية, وينهالوا بمعاولهم علي بنائها الشامخ, وخصصت إحدي هذه الصحف وهي يومية صوت الأمة لأشهر طويلة, صفحة كاملة يوميا بعنوان هذه الجماعة تهوي لنشر مقالات الهجوم علي الإخوان, وأخبار- بعضها حقيقي والآخر ملفق- عما يجري في كواليس الجماعة, من خلافات فضلا عن قوائم طويلة بأسماء مئات من أعضائها يعلنون استقالاتهم منها, وتبرؤهم مما تتخذه من مواقف, بعد أن تبين لهم أنهم خدعوا في ادعائها, بأنها تعمل في سبيل الله والوطن, واكتشفوا فساد قياداتها, وانتهازية سياساتها. ومع أن الإخوان كانوا يصدرون أيامها جريدة يومية باسم الإخوان المسلمون إلا أنها عجزت عن التصدي بكفاءة لحملة الصحف الوفدية علي الجماعة, إذ كانت جريدة ضعيفة محدودة التوزيع والتأثير, بسبب افتقاد الذين يصدرونها للخبرة الصحفية, واعتذار الكتاب اللامعين ذوي الجماهيرية الكاسحة عن الكتابة فيها, والصحفيين المتمرسين عن العمل فيها.. بل إن أعضاء الجماعة أنفسهم لم يكونوا يقرأونها, إذ كان معظمهم من المتدينين العاديين الذين لا يهتمون بالسياسة, ممن لم يتعودوا أن يقرأوا الصحف أو الكتب اكتفاء بالقرارات أو المواعظ الدينية. وكان مستحيلا أن يصبر الإخوان طويلا علي حملة صحف الوفد, التي كان تتصف مرشدهم العام بأنه شيخ متآمر, وماجن وزعيم عصابة وأفاك, وتطلق عليه اسم راسبوتين وتصف مركزهم العام بأنه وكر للعفن والقاذورات, وجماعتهم بأنها فضيحة قومية, كما كان مستحيلا عليهم, كذلك أن يردوا علي هذه الحملة, بالمستوي العنيف الذي وصلت إليه, وبطريقة تردع صحف الوفد, علي صفحات الجريدة الرسمية التي تحمل اسمهم, وتنطق بلسانهم, لأن ذلك كان سينسف مصداقية ادعائهم بأنهم يلتزمون بآداب الإسلام في الرد علي خصومهم. ولأنه لا يفل الحديد إلا الحديد, فقد قرر الإخوان أن يصدروا مجلة أسبوعية لا تنطق باسمهم, ولا تبدو من الناحية الشكلية إحدي صحفهم, يحررها صحفيون ممن تخصصوا في الردح والتشليق وفرش الملاءة, والمعروفين بعدائهم للوفد, لكي ينوبوا عنهم في الرد علي جملة الصحف الوفدية, بشرشحة حزب الوفد وقياداته والانتقاص من مكانتهم, ونشر فضائحهم, وفبركة الأخبار والشائعات التي تسئ إليهم.. اختاروا لها اسم الكشكول الجديد. ولم يأت اختيار الاسم اعتباطا, إذ كانت الكشكول أكثر الصحف في تاريخ الصحافة المصرية بذاءة وإسفافا, وقد صدرت عام1921, الذي شهد أول انقسام في حزب الوفد لهدف واحد هو هدم زعامة سعد زغلول, وظلت تقوم بهذاالدور في التشهير بقادة الوفد, حتي توفي صاحبها سليمان فوزي في النصف الثاني من الثلاثينيات فتوقفت عن الصدور, فأعادت الكشكول الجديد إحياء نفس الأبواب والزوايا التي اشتهرت بها الكشكول في عهدها الذهبي, التي كانت ترشحها للحصول علي جائزة نوبل في الإسفاف الصحفي. واستجاب الإخوان المسلمون لطلب أسرة تحرير الكشكول الجديد بأن يخصصوا لهم مقرا مستقلا, بعيدا عن مقر الصحيفة اليومية, التي يسودها الضجيج ويغلب عليها التزمت, فاستأجرت لهم منزلا من دورين في منطقة القلعة, لكي يتفرغوا- كما قالوا- للإبداع الصحفي ولشد المسخرة علي حزب الوفد وصحافته وزعمائه. وشفي صدور الكشكول الجديد صدور الإخوان المسلمين مما كانوا يشعرون به من ضيق, بسبب تطاول صحف الوفد علي مرشدهم العام, وأثبتت أن أخلاقهم الإسلامية وإن كانت تمنعهم من أن يردوا علي الإسفاف بمثله, وتحول بينهم وبين الردح والتشليق, فإنها لا تحول بينهم وبين أن يستأجروا فرقة من الرداحين المحترفين لكي ينوبوا عنهم في أداء هذه المهمة غير الإسلامية. وكان يمكن أن تواصل الكشكول الجديد هذا الدور الفضائحي المجيد لولا أن المرشد العام تلقي تقريرا من شعبة الإخوان المسلمين بالسيدة عائشة, تقول إن مقر المجلة يستغل لأغراض غير أخلاقية, فأحاله إلي د. محمود عساف, مدير إدارة جريدة الإخوان المسلمين اليومية, الذي كان كذلك مسئولا ماليا عن الكشكول, وهمزة الوصل بين أسرة تحريرها وبين الجماعة الذي أسرع إلي هناك, وطرق الباب, وما كاد أحد المحررين يفتح له الباب حتي صاح بأعلي صوته كبسة يا أولاد الكلب كانت رائحة الحشيش تعبق أجواء المكان, وفي غرفة التحرير الرئيسية وجد مسئول التمويل الإخواني, امرأة تجلس علي ركبتي أحد المحررين, وفي أحد الأركان برميل صغير مركب علي قوائم وله صنبور ينقط خمرا, وعلي منضدة صغيرة, وجد إناء به فحم مشتعل وإلي جواره صفوف من أحجار الجوزة, مجهزة بالمعسل وتعميرة الحشيش, بينما كان بقية المحررين في حالة إبداع لم يسبق لها مثيل. وبهذا المشهد الإبداعي البديع, انتهت قصة الكشكول الجديد وهي قصة كلها مواعظ من النوع الذي تجده عادة في ميلودراميات مخرج الروائع حسن الإمام, فتضحكك.. مع أن هدفها أن تبكيك!
|