|
د. عبدالعاطي محمد مع أن ظاهر الأمور لا يحتم الربط المطلق بين تأهب الحزب الوطني لإجراء أول انتخابات موسعة علي مستوي القاعدة بين الأعضاء لشغل المراكز القيادية وصولا إلي أعلاها تحت شعار تقدم إلي القمة, وبين الأجواء الساخنة التي أحاطت بمستقبل الحكومة الحالية, وانعكست فيما تابعه الرأي العام من سباق إعلامي شاركت فيه صحف قومية حول التكهنات بتغيير متوقع لهذه الحكومة قد لا يتأخر كثيرا وربما يتم قبل انعقاد المؤتمر التاسع للحزب, والمقرر له3 نوفمبر المقبل, إلا أن تأمل مسار التطورات السياسية في مصر علي مدي العامين الأخيرين, خصوصا مع صدور التعديلات الدستورية وما أحدثته من تغيير في شكل ومضمون نظام الحكم, يفرض الربط بين القضيتين في سياق التناغم أو التلاقي مع الهدف من هذه التعديلات. *** لقد دخل الحزب الوطني منذ عدة سنوات في مرحلة المراجعة مع النفس وطرح مبادرات عديدة للإصلاح السياسي, قابلتها المعارضة كالمعتاد بالتشكيك وعاش دعاة الإثارة زمنا من المحاولات المتواصلة لاستعداء الرأي العام ضدها.. لكن ما جري هو أن الحزب استمر في طريقه وتهاوت تباعا كل جبهات المعارضة ومنابر إعلامها, وبقي فقط التأثير السئ لكل هذه الحملات والذي تمثل في تعميق حالة السلبية لدي المواطن أو إبعاده عن المشاركة. ومع ذلك فقد كثف الحزب الوطني من عملية المراجعة, ولم يستسلم لهذا الواقع وتحلي بقدر كبير من نقد الذات والمكاشفة معها والشفافية مع الناس, وظهر ذلك بوضوح علي ألسنة الكثيرين من قيادات الحزب, خصوصا مع التجارب المحبطة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.. واستنتج الحزب الوطني أن لديه سياسات وبرامج جيدة, لكن ليست لديه كوادر علي نفس هذا المستوي, وليست لديه آليات تمكنه من أن يعكس بصدق ضخامة هيكله وأعضائه في نشاط ميداني وأرضية شعبية مناصرة لا تتأثر بأي دعوات مغرضة.. وأمام ذلك كله قرر الحزب أن يجعل الانتخابات أساس الاختيار الأصيل في تشكيل قياداته, مع أن التعيين مبدأ وارد في حيثيات عمله, وذلك ليس فقط للتخلص من القيادات الرابضة علي حد وصف السيد صفوت الشريف, الأمين العام للحزب, ولكن أيضا لإحداث تغيير في آليات العمل الداخلي أو بالأحري لتحقيق ما يسمونه علماء السياسة بالديمقراطية الداخلية. كما أن الأجواء العامة التي أفرزتها التعديلات الدستورية تفرض تعميق مبدأ الانتخاب في الممارسة السياسية, وقد أراد الحزب الوطني أن يكون صاحب المبادرة في ذلك أمام الأحزاب الأخري. *** سوف تقع سلبيات في عملية الانتخابات بالحزب خصوصا في مجتمع عاش زمنا طويلا يري في السياسة مشروعا خاصا وليس عاما ومكسبا وظيفيا وليس تطوعا, وسوف يسارع قطاع من الإعلام إلي التشكيك في جدوي هذه الانتخابات إلي حد الاستهزاء بالنظر إلي ما اعتاده هذا القطاع كأسلوب في الحوار والتعامل مع الرأي العام دون أن يقف عند النتائج المستقبلية المهمة التي تحققها هذه العملية علي صعيد الممارسة السياسية في البلاد ككل.. لكن ذلك لا يجب أن يقلق الحريصين علي نجاح التجربة داخل أروقة الوطني, فطالما تقرر فتح الأبواب علي مصراعيها لتيار التعبير عن الرأي, علينا أن نتحمل الممارسات السلبية له استنادا إلي أن فتح باب الحريات يظهر الغث والثمين معا, بينما إغلاقه يظهر الغث فقط, ويخفي الثمين الذي سيفضل أصحابه حينئذ اللامبالاة تجنبا للمشاكل. ما يجب التأكيد عليه أن التجربة تظل لها قيمتها الحقيقية في الارتقاء بالممارسة السياسية للحزب الوطني. فمن ناحية ستفرز الانتخابات إلي حد كبير جيلا جديدا يتوق لأن يأخذ مكانه في صناعة القرار السياسي, وسيأتي بفكره الجديد وقدرته العالية علي العطاء, خصوصا أنه من المرجح أن يتقدم الصفوف جيل الشباب, ومن ناحية أخري تلغي الانتخابات قاعدة المحسوبية وأهل الثقة التي أضرت أكثر مما نفعت. *** إلا أن الأهم في تقديري هو أن انتخابات الوطني ستفرز سياسيين ومؤهلين في نفس الوقت بقدرات فنية عالية لخدمة العمل العام, وهو الأمر الذي افتقدته البلاد فترة طويلة من الزمن وأثبتت التجارب الحاجة الماسة إليه, خصوصا عند اختيار أعضاء الحكومة ورئيس وزرائها. وهنا يأتي الربط الوثيق بين أجواء انتخابات الحزب الوطني وأجواء الحديث عن تغيير الحكومة أيا يكن شكل وحجم هذا التغيير, فالربط هنا هو حول الفلسفة الجديدة للحكم والسياسات التي تنفذ هذه الفلسفة. وأيا يكن مصير التكهنات بالتغيير الحكومي, فإن هناك عدة حقائق تفرض نفسها وتجعل من الضروري الربط بين تعميق الممارسة الديمقراطية داخل الحزب الوطني, واختيار الحكومة المناسبة للتطور السياسي في البلاد في ضوء التعديلات الدستورية. لقد وجدنا أمامنا حكومة تعمل بكفاءة اقتصادية وإدارية لا يشكك فيها أحد, ونجحت بالفعل في إحراز حزمة من الإنجازات لا ينكرها أحد وإلا كنا نخدع أنفسنا, وليس في هذا المقام ما يفرض تكرار هذه الإنجازات علي الصعيدين الاقتصادي والإداري. وفي كل الأحوال فإن الحكومة تملك منطقها ودوافعها لكل ما اتخذته من سياسات. لكن المشكلة التي تواجهها هذه الحكومة, وواجهتها حكومات سابقة لها هي عدم القدرة علي التواصل مع الناس واكتساب الشعبية, أو بمعني آخر عدم الحصول علي القبول لدي الجماهير, فالتواصل والقبول لهما ميزة مهمة تساعد أي حكومة علي النجاح, لأن الناس في هذه الحالة تصدق أولا ما تعد به الحكومة وتلتمس لها العذر ثانيا إن واجهت العثرات, تماما مثلما تتعاطف الجماهير مع النجوم في عالم الفن والرياضة والثقافة. فقد تخطئ حكومة ما كثيرا, ومع ذلك يلتف حولها الناس لا لشئ إلا لأن التواصل- تلك الرابطة المعنوية- موجود مما يجعلهم يغفرون لها كل الأخطاء ويبلعون لها الزلط حسب المثل الدارج, والعكس صحيح, فعندما يختفي التواصل والقبول, فإن الناس لا تتعاطف مع الحكومة حتي ولو كانت أفضل الحكومات التي تقدم لهم الخدمات وتسهر عليهم. *** ولن يتحقق التواصل إلا بحكومة مسيسة خصوصا في مثل مجتمعنا الذي لايزال يبحث عن الحد المعقول من العيش الكريم للغالبية الساحقة وليس الرفاهية لأقلية مترفة.. ولا يأتي التسيس لأعضاء الحكومة إلا لو خرجوا من وعاء الحزب الذي ينتمون إليه أي بحكومة حزبية بالمعني الدقيق للكلمة. ولن يتأتي ذلك بكسب العضوية الحزبية بقرار فوقي, وإنما من خلال صعود داخلي من أسفل إلي أعلي. فالمعايشة مع القاعدة هي التي تخلق التواصل مع الناس وتقدم الرموز السياسية المعروفة لدي الجماهير الذين اختبروها في الميدان منذ وقت طويل, وعندما تجمع هذه الرموز الكفاءة بجانب الممارسة السياسية, فإن ذلك هو عين المراد... وإذا أخذنا في الاعتبار أن رئيس الحكومة في ظل التعديلات الدستورية حصل علي صلاحيات كانت لرئيس الجمهورية, وأن الحكومة مسئولة أمام البرلمان بشكل أكبر من ذي قبل, فإن ذلك يفرض أن تكون الحكومة حكومة الحزب قولا وفعلا تنتقي قياداتها عبر الآليات الديمقراطية داخل الحزب نفسه.. من هنا التكامل بين الانتخابات من القاعدة إلي القمة في الحزب الوطني ووجود حكومة مسيسة تمتلك القدرة علي التواصل, لا أن يظل الناس يتعاملون مع حكومة بلا قلب مهما تكن عظمة كفاءتها الفنية.. ** من الأجندة: * برغم كل ما يحيط بالتحركات الدبلوماسية الجارية الآن علي قدم وساق لإحياء عملية السلام, فإن المصادر المطلعة بما يجري خلف الكواليس لا تتفاءل كثيرا من مؤتمر الخريف المقبل الخاص بالشرق الأوسط. فمع بداية العام المقبل ستنشغل الولايات المتحدة بالانتخابات الرئاسية والتجديد النصفي للكونجرس, وإسرائيل علي أبواب انتخابات مبكرة علي خلفية تسوية المشكلات السياسية التي حدثت بسبب الفشل في حرب لبنان التي وقعت في صيف العام الماضي, والرئيس الفلسطيني محمود عباس لايزال يراهن علي أن الزمن سيعيد اللحمة إلي الصف الفلسطيني شرط أن تكلل الجهود المبذولة لإقناع حماس بالتخلي عن المواقع الأمنية وتسليمها لجهة وطنية مستقلة.. وحماس لاتزال تفكر فيما هو معروض عليها من مبادرات لإنهاء تداعيات الانقلاب الكبير, ولن يتم كل ذلك بسهولة بل يحتاج إلي وقت, والأهم من كل ذلك أن القضية الفلسطينية لم تعد- من الناحية العملية- هي القضية رقم واحد في أجندة الأزمات بالمنطقة, بل تراجعت إلي الخلف لصالح الملفات الأمنية. * صراع الثانوية العامة يتكرر كل عام ولا حل أو مخرج حتي الآن من المشاكل التي تكاد تكون دائمة ومزمنة ومعروفة للجميع.. وزارة التعليم تلقي بالكرة دائما في ملعب وزارة التعليم العالي.. والوزيران المختصان بالتعليم غالبا ما يختلفان إلي حد الزعل, فالمسئولية كبيرة وكل منهما يريد أن يتخلص من تبعاتها.. هناك أعداد غفيرة كل عام من الحاصلين علي الثانوية بمجاميع تفوق الخيال ومطلوب أن توفر لهم الجامعات وكليات القمة بالذات الفرص لتلبية رغباتهم.. قالوا إن الحل في الجامعات الخاصة أو الجامعة الأهلية( التي لم تر النور بعد) ثم اكتشفوا أن هناك جامعات وهمية وأن عددا كبيرا من الجامعات الخاصة لا هم لها سوي الحصول علي المال. جامعة مثل جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا تعذب أبناءها في مدرجات خالية من التكييف أو حتي مراوح الهواء الكافية, وتمنع عنهم استخدام المصاعد.. والحالة أسوأ في جامعات أخري.. وفي كل مرة تجتمع لجنة التعليم بمجلس الشعب لتناقش الملف من البداية بكل ما فيه من قضايا وتنفض دون أي قرار.. وقد سمعت أخيرا الدكتور هاني هلال يتحدث عن خطة للإنقاذ بعد عدة سنوات, وعلينا أن نحييه هو ومن سبقه في العمل في هذا الاتجاه.. لكن المسألة وصلت إلي مرحلة يجب أن يناقش فيها الناس القضية مع المسئولين لا أن يجري تداولها فقط داخل أروقة لجنة مجلس الشعب, وأن يبدأ تغيير منظومة التعليم من الحضانة مع وضع برنامج واضح أمام الناس يعرفون من خلاله أن أبناءهم سيحصلون علي وظائف بعينها مضمونة لو أدخلوهم في مجالات تعليمية فنية جديدة.. فهل من مؤتمر قومي للتعليم يناقش القضية من جذورها ويخرج بخطة واضحة مقنعة للناس بدلا من الاستمرار في حالة التوتر والتخبط الحالية؟ * حكاية الشاب المسلم الذي قرر أن يتحول إلي المسيحية وتتابع المصري اليوم تطورات قضيته منذ عدة أيام, ما هي إلا مثال صارخ علي حالة الفوضي التي طفت علي سطح الأحداث في السنوات الماضية, وبدت مثل الطفح الجلدي المتخم بالتلوث في جسد متعاف أو هكذا يحاول أن يكون.. القصة تتداخل فيها عوامل عديدة تدفع إلي الغثيان من وطأة ما تتضمنه من تضارب وانحراف في العقل.. يدعي محمد حجازي ويقال إنه مضطرب نفسيا وحالته المادية ضعيفة, وكان عضوا في حركة كفاية وله صلة في نفس الوقت بأطراف إسلامية, وأهله يريدون التبرؤ منه والحجر عليه, لأن تصرفاته غير مسئولة علي حد قولهم, كما يقال إن من وقف وراءه محام مسيحي يترأس مركزا من أحد مراكز حقوق الإنسان.. ثم دخلت علي الخط أطراف إسلامية مشهود لها بشن المعارك القضائية.. نموذج للضياع من ناحية ولما يمكن أن تقود إليه الفوضي من كوارث من ناحية أخري.. فلا المسلمون سيهدأون أو يقبلون بما جري له, ولا الأقباط سيفرحون بانضمام شخصية كهذه إليهم.. إنها الفتنة التي نتجت عن التخبط والانفلات وانهيار القيم.. وحقا قالوا الفتنة أشد من القتل.
|