|
أجري الحوار ـ مصطفي عبادة: تصوير ـ معتز عبد الحق د. الزواوي باغورة, جزائري, أستاذ الفلسفة المعاصرة, في جامعة الكويت, واحد من المعنيين بمستقبل الثقافة العربية, في علاقتها بالآخر ثقافيا, هو من الذين يؤمنون بأن تاريخ الحضارات قائم علي الحوار لا الصراع, ومن هنا كان اهتمامه بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو, ليضرب بنفسه المثل علي قدرة المثقف العربي علي الحوار مع الآخر وفهم وهضم المناهج الحديثة في التفكير, وهو حاصل علي دكتوراه الفلسفة عام1996 عن مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو, من جامعة قسنطينة بالجزائر, وله العديد من المؤلفات منها: الفلسفة واللغة.. نقد المنطق اللغوي في الفلسفة المعاصرة وميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر ويجب الدفاع عن المجتمع المدني. في هذا الحوار يوضح لنا د. زواوي باغورة مشكلات الفلسفة في الوطن العربي وطرق تدريسها, وتراجعها حتي إن بعض الدول العربية لاتزال تحرم تدريس الفلسفة, كما يجيب عن أسباب فشل الحداثة العربية ثقافيا وسياسيا, وانتهاء مشروع النهضة العربية بوقوع هزيمة1967 وهنا تفاصيل الحوار.. * باعتبارك واحدا من المعنيين بالشأن الفلسفي, وحضرت أكثر من مؤتمر علمي في الوطن العربي, ماذا تقدم هذه المؤتمرات لدراسة الفلسفة العربية؟ هذه المؤتمرات مهمة وهي مناسبة لعرض ومناقشة التجارب الفلسفية في الوطن العربي, سواء علي مستوي التعليم أم البحث أم الدراسة, وكذلك علي مستوي النشر والتنظير.. لكن مع الأسف الشديد, لم نلمس منذ فترة إنتاجا فلسفيا عربيا جديدا متربعا علي هذه المؤتمرات, وظني أنه لكي يكون مؤتمر ما ناجحا, لابد أن تتمخض عنه حركة في المجال الذي يقام من أجله. * ليست لدينا نظرية فلسفية عربية خاصة بنا, فما الأسباب من وجهة نظرك؟ لا أعتقد أن هذا هو الهدف من الفلسفة وتدريسها الآن, لكن في الواقع هناك العديد من النظريات الفلسفية التي قال بها مفكرون عرب, سواء نظريات من التراث, أم من الواقع, أم من الاحتكاك بالفكر الغربي, علي سبيل المثال: لدينا نظريات الوجودية, والوضعية, والبنيوية والماركسية, والشخصانية, وهناك نظريات فلسفية متعلقة بالتنمية وبمشكلة الحضارة مثلما عند مالك بن نبي, ونعرف اليوم, في الفكر العربي المعاصر, ما اصطلح عليه بالمشاريع الفكرية العربية, مثل مشروع حسن حنفي, ومحمد أركون, ومشروع الطيب تيزيني ومحمد عابد الجابري, ولا أعتقد أن المشكلة مسألة نظرية, ولكنها مشكلة فهم ودراسة وبحث الواقع, بما يمكننا من الحصول, أو الوصول إلي معرفة تساعدنا علي تجاوز معوقات هذا الواقع, المسألة هي في طرق التحليل, ومناهج التفكير, وليس في النظريات الجاهزة, المشكلة الأكبر التي يواجهها المفكر العربي هي كيفية تحليل القضايا المطروحة. * النظريات التي ذكرتها هل هي خاصة بنا, هل أسهمنا في إنتاجها؟ في تقديري أنه يجب أن نميز بين مستويين: أولا, الفلسفة والفكر عالميان, فلا يمكن في الحقيقة أن نقول إن هناك فلسفة خاصة بوطن معين, لأن من مميزات الفلسفة: الكلية والعمومية, لكن من دون شك فإنها تظهر من خلال ثقافة معينة. علي سبيل المثال: الفلسفة تحتكم إلي العقل, فهل يصح أن نقول إن للعرب عقلا خاصا, مثلما ذهب بعضهم إلي ذلك, كما أنه لا يصح أن نقول إنه علي الثقافة العربية أن تكون لها أدلتها الخاصة أو براهينها الخاصة, فالعقل والبرهان أمور إنسانية, وليست خاصة بأحد. * وهل أسهم العرب في تأسيس أية نظرية من هذه النظريات؟ الفكر العربي يحاول أن يوظف مفاهيم ومناهج, إما غربية أو تراثية من أجل تحليل القضايا المطروحة عليه, وفي تقديري لا يمكن أن نصل إلي تأسيس نظريات فلسفية عربية, ما لم نمر عبر توظيف مفاهيم فلسفية معينة, فليس هناك إبداع من عدم, وليس هناك تراث فلسفي بحاله, البشرية علي المستوي الفلسفي في تواصل, ويؤكد هذا المعني تاريخ الحضارات, فكلها تأخذ من بعضها البعض, وتسهم بالتطبيق والنقد, أو تسهم بالتأسيس. * إذا كان الأمر كذلك, فيما يخص الحضارات, فلماذا نسمع عن صدام بينها, وآخره ما يجري الآن بعد11 سبتمبر؟ فكرة الصراع, لا تعبر عن السمة التاريخية للحضارات فسواء شئنا أم أبينا, فالثقافات والحضارات تتفاعل فيما بينها, وصراع الحضارات, وجهة نظر هنتنجتون وهي تعبر عن اتجاه داخل المجتمعات الغربية, وهو اتجاه لا يمكن أن نصفه بأنه الاتجاه الطاغي في الحضارة الغربية, بل هو مجرد صوت من الأصوات المتعددة, وهناك أصوات أخري تنادي بالحوار والتواصل والتفاعل, فالقول بالصراع هو اتجاه, وليس حقيقة الحضارات ففي الوقت الذي نتحدث فيه بإسهاب عن هنتنجتون لم نلتفت إلي نظريات أخري, تنادي بالتواصل والحوار, مثلما يفعل تيار قوي في الفلسفة المعاصرة, ويجسده هابرماس وكارل أوتو آبل. * ألا تتفق معي, أنه حتي الحوار حول الفلسفة السياسية غائب في الوطن العربي؟ الإجابة عن هذا السؤال تشير أولا إلي أن هذه الفلسفة السياسية عرفت خفوتا, وانحسارا طوال الفترة المعروفة بالحرب الباردة, هذا ما يبينه علي الأقل ليفي شتراوس وذلك بفعل ما سماه النزعة الوضعية والنزعة التاريخية, وما فرضه الصراع الأيديولوجي علي المعسكرين, بحيث حول الفلسفة السياسية إلي مجرد أداة أيديولوجية. وتقريبا منذ الثمانينيات بدأت الفلسفة السياسية في العالم, تعود تحت تأثير كتابات فلسفية لفوكو وشارل تايلور وغيرهما, وما قاما به من نقد لما يسمي بالشمولية والديكتاتورية المغلقة, أدي كل هذا إلي عودة الفلسفة السياسية.. وبالتالي فإن الحديث عن الفلسفة السياسية في الفكر العربي المعاصر, يتبع ما حصل لها علي الصعيد العالمي, لكن هناك بعض الإسهامات لبعض المفكرين العرب في المسألة السياسية. وهنا يجب أن نتوقف عند إسهام عبدالله العروي ومساهمات د. فهمي جدعان خصوصا في كتابه المحنة وأعتقد أن ما تعرفه الساحة العربية اليوم من حديث حول: الإصلاح, الديمقراطية, سيدفع من دون شك إلي الاهتمام بقضايا الفلسفة السياسية ومشكلاتها. * وهل غياب الفلسفة السياسية أسهم في بروز الحركات الأصولية؟ لا شك أن عدم التفكير في السياسة, بأدوات مناسبة, كالفلسفة السياسية, لا يمكننا من فهم الظواهر السياسية, ومنها الأشكال الجديدة, كالإسلام السياسي, ولكن هذا لم يكن عائقا أمام ظهور بعض التحليلات السياسية اللافتة مثلما لدي برهان غليون ولو أننا اهتممنا بدراسة الفلسفة السياسية وإشاعتها, لاستطعنا أن نفهم اتجاه الإسلام السياسي بشكل أفضل. * مازلنا في إطار العلاقة مع الآخر ثقافيا, وأنت مهتم بميشيل فوكو كيف تجلي هذا المفكر عربيا؟ لقد خصصت لفوكو أكثر من دراسة, وذلك لأكثر من سبب, أولها سبب علمي, إذ كان موضوعا لبحثي ودراستي, وبما أن فوكو قد اهتمت به مجموعة كبيرة من الباحثين العرب, فقد خصصته بدراسة عنونتها بـ ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر درست فيها كيفية توظيفه في الفكر العربي, من خلال بعض النماذج مثل محمد أركون ومطاع صفدي, وفتحي التريكي, ومحمد عابدالجابري, كما بيت مستوي الدراسات المتعلقة بفوكو, وأثرت مشكلة معرفتنا بفلسفته, ووجدت أن هذه المعرفة نمطية, أي تقتصر إما علي مفهوم معين, أو قضية بعينها, أو علي مرحلة من المراحل, دون العمل علي تحليل ودراسة فيلسوف كفوكو دراسة شاملة ونقدية. * أليس الفارق الهائل اجتماعيا بيننا وبين الغرب يجعلنا لا نضع نظرياته في سياقها الصحيح؟ هذا يتوقف علي نوع الدراسة والمشكلات التي نتصدي لها, فإذا درسنا ميشيل فوكو في نصوصه وفلسفته, فهذا لا يتطلب معرفة الفارق الذي تشير إليه, وإنما المطوب هو ـ علي الأقل ـ معرفة باللغة وبالنصوص الفلسفية, والمناهج, وهذا عمل أكاديمي بحت, لا يقتصر علي فوكو, بل ينطبق علي أي فيلسوف أيا كان, قديما أو حديثا, لكن إذا نظرنا إلي علاقة فلسفة فوكو بالفكر العربي المعاصر, فقد ثبت مدي محدودية التوظيف الذي أجراه هذا الفكر العربي لمناهج فوكو, ولعل أحد الأسباب لذلك يعود إلي عدم تطابق مفاهيم فوكو والواقع العربي, وإذا فهمنا هذه المفاهيم والتحليلات في سياقها, وأدخلنا عليها مساهمتنا, فأعتقد أنها تمكننا من فهم واقعنا, وعلي سبيل المثال مفهوم الخطاب ليس حكرا علي فوكو, ولكن إذا تناولناه من وجهة نظرنا, فعلينا أن نراعي السياق, والعديد من المصطلحات ذات الصلة به بالخطاب ومنها الممارسة والتاريخ.. إلخ. * وهل يمكن لأية فلسفة أن تزدهر في ظل هذا المناخ الثقافي العربي؟ إذا قصدت بالمناخ الثقافي الوضعية التي تعرفها الثقافة العربية, وخصوصا في مجال التربية والتعليم, فنحن من دون شك أمام واقع مأزوم, وتكفي الإشارة في هذا إلي تقرير الأمم المتحدة بهذا الشأن, وبالتالي لا يمكن لنا أن نفصل وضعية الفلسفة عن هذه الوضعية المأزومة, مع أن الفلسفة كطرح مشكلتها أعمق, وتتمثل بعض أوجه تلك المشكلة في غياب النصوص الفلسفية المؤسسة, كعلم تحتاج إلي لغة ثانية أجنبية دائما, والأمر الثاني هو منزلتها ومكانها في قطاع التربية والتعليم, فيما عدا بعض التجارب العربية التي تعطي مكانة للتعليم الفلسفي في المراحل الثانوية والجامعية, فإن هناك بلدانا عربية لا تدرس فيها الفلسفة علي الإطلاق, وبالتالي فإن الفلسفة هي الأكثر تضررا ضمن هذا الوضع الذي سميناه بالمأزوم, بالإضافة إلي الأحكام المسبقة حول طبيعة الفلسفة والمناخ السياسي الذي لا يساعد علي التفكير الحر. * لماذا في رأيك فشلت الحداثة العربية.. ليس في الآداب فقط, بل حتي في المشروعات السياسية؟ هناك اليوم حديث في الفكر العربي المعاصر, عن دعوة إلي نهضة عربية ثانية, والسبب وراء هذه الدعوة هو الإقرار بفشل وعود النهضة العربية الأولي, هذا الفشل جسدته هزيمة1967 وأخذ اليوم مظاهر علي المستوي الاقتصادي, إذ أن التبعية قائمة, وعلي المستوي السياسي يتجسد في عدم القدرة علي الشروع في الإصلاح السياسي, وعلي المستوي الثقافي والعلمي يتجسد في تراجع الإبداع. * هل فشل هذه الحداثة بسبب مناخ اجتماعي أم بسبب النخب المعزولة؟ في تقديري أننا لم نعد نجري تحليلات أحادية تقوم علي مبدأ السبب الأول المسئول, وإنما أصبحنا نقول إن التحليل يجب أن يكون بنيويا لمختلف العناصر الفاعلة في مشكلة الحداثة, وهذه العناصر فيها ما هو اجتماعي, وماهو اقتصادي, وما هو ثقافي, وهناك قناعة عند قطاع واسع من المثقفين والمحللين, بضرورة الأخذ بالنظرة الكلية في تحليل المشكلات, وبالتالي فإن مشكلة الحداثة كلية, بمعني أننا نحتاج إلي تحديث اقتصادي واجتماعي يعطي دورا للمجتمع المدني, ونحتاج تحديثا ثقافيا يعطي دورا أكبر للعقل وللحرية*
|