الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3د‏.‏ الزواوي باغورة يؤكد علي فشل مشروعات النهضة‏:‏

بعض الدول العربية تحرم تدريس الفلسفة‏!‏

السبت 18 / 8 / 2007

أجري الحوار ـ مصطفي عبادة‏:‏ تصوير ـ معتز عبد الحق


د‏.‏ الزواوي باغورة‏,‏ جزائري‏,‏ أستاذ الفلسفة المعاصرة‏,‏ في جامعة الكويت‏,‏ واحد من المعنيين بمستقبل الثقافة العربية‏,‏ في علاقتها بالآخر ثقافيا‏,‏ هو من الذين يؤمنون بأن تاريخ الحضارات قائم علي الحوار لا الصراع‏,‏ ومن هنا كان اهتمامه بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو‏,‏ ليضرب بنفسه المثل علي قدرة المثقف العربي علي الحوار مع الآخر وفهم وهضم المناهج الحديثة في التفكير‏,‏ وهو حاصل علي دكتوراه الفلسفة عام‏1996‏ عن مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو‏,‏ من جامعة قسنطينة بالجزائر‏,‏ وله العديد من المؤلفات منها‏:‏ الفلسفة واللغة‏..‏ نقد المنطق اللغوي في الفلسفة المعاصرة وميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر ويجب الدفاع عن المجتمع المدني‏.‏
في هذا الحوار يوضح لنا د‏.‏ زواوي باغورة مشكلات الفلسفة في الوطن العربي وطرق تدريسها‏,‏ وتراجعها حتي إن بعض الدول العربية لاتزال تحرم تدريس الفلسفة‏,‏ كما يجيب عن أسباب فشل الحداثة العربية ثقافيا وسياسيا‏,‏ وانتهاء مشروع النهضة العربية بوقوع هزيمة‏1967‏ وهنا تفاصيل الحوار‏..‏
‏*‏ باعتبارك واحدا من المعنيين بالشأن الفلسفي‏,‏ وحضرت أكثر من مؤتمر علمي في الوطن العربي‏,‏ ماذا تقدم هذه المؤتمرات لدراسة الفلسفة العربية؟
هذه المؤتمرات مهمة وهي مناسبة لعرض ومناقشة التجارب الفلسفية في الوطن العربي‏,‏ سواء علي مستوي التعليم أم البحث أم الدراسة‏,‏ وكذلك علي مستوي النشر والتنظير‏..‏ لكن مع الأسف الشديد‏,‏ لم نلمس منذ فترة إنتاجا فلسفيا عربيا جديدا متربعا علي هذه المؤتمرات‏,‏ وظني أنه لكي يكون مؤتمر ما ناجحا‏,‏ لابد أن تتمخض عنه حركة في المجال الذي يقام من أجله‏.‏
‏*‏ ليست لدينا نظرية فلسفية عربية خاصة بنا‏,‏ فما الأسباب من وجهة نظرك؟
لا أعتقد أن هذا هو الهدف من الفلسفة وتدريسها الآن‏,‏ لكن في الواقع هناك العديد من النظريات الفلسفية التي قال بها مفكرون عرب‏,‏ سواء نظريات من التراث‏,‏ أم من الواقع‏,‏ أم من الاحتكاك بالفكر الغربي‏,‏ علي سبيل المثال‏:‏ لدينا نظريات الوجودية‏,‏ والوضعية‏,‏ والبنيوية والماركسية‏,‏ والشخصانية‏,‏ وهناك نظريات فلسفية متعلقة بالتنمية وبمشكلة الحضارة مثلما عند مالك بن نبي‏,‏ ونعرف اليوم‏,‏ في الفكر العربي المعاصر‏,‏ ما اصطلح عليه بالمشاريع الفكرية العربية‏,‏ مثل مشروع حسن حنفي‏,‏ ومحمد أركون‏,‏ ومشروع الطيب تيزيني ومحمد عابد الجابري‏,‏ ولا أعتقد أن المشكلة مسألة نظرية‏,‏ ولكنها مشكلة فهم ودراسة وبحث الواقع‏,‏ بما يمكننا من الحصول‏,‏ أو الوصول إلي معرفة تساعدنا علي تجاوز معوقات هذا الواقع‏,‏ المسألة هي في طرق التحليل‏,‏ ومناهج التفكير‏,‏ وليس في النظريات الجاهزة‏,‏ المشكلة الأكبر التي يواجهها المفكر العربي هي كيفية تحليل القضايا المطروحة‏.‏
‏*‏ النظريات التي ذكرتها هل هي خاصة بنا‏,‏ هل أسهمنا في إنتاجها؟
في تقديري أنه يجب أن نميز بين مستويين‏:‏ أولا‏,‏ الفلسفة والفكر عالميان‏,‏ فلا يمكن في الحقيقة أن نقول إن هناك فلسفة خاصة بوطن معين‏,‏ لأن من مميزات الفلسفة‏:‏ الكلية والعمومية‏,‏ لكن من دون شك فإنها تظهر من خلال ثقافة معينة‏.‏ علي سبيل المثال‏:‏ الفلسفة تحتكم إلي العقل‏,‏ فهل يصح أن نقول إن للعرب عقلا خاصا‏,‏ مثلما ذهب بعضهم إلي ذلك‏,‏ كما أنه لا يصح أن نقول إنه علي الثقافة العربية أن تكون لها أدلتها الخاصة أو براهينها الخاصة‏,‏ فالعقل والبرهان أمور إنسانية‏,‏ وليست خاصة بأحد‏.‏
‏*‏ وهل أسهم العرب في تأسيس أية نظرية من هذه النظريات؟
الفكر العربي يحاول أن يوظف مفاهيم ومناهج‏,‏ إما غربية أو تراثية من أجل تحليل القضايا المطروحة عليه‏,‏ وفي تقديري لا يمكن أن نصل إلي تأسيس نظريات فلسفية عربية‏,‏ ما لم نمر عبر توظيف مفاهيم فلسفية معينة‏,‏ فليس هناك إبداع من عدم‏,‏ وليس هناك تراث فلسفي بحاله‏,‏ البشرية علي المستوي الفلسفي في تواصل‏,‏ ويؤكد هذا المعني تاريخ الحضارات‏,‏ فكلها تأخذ من بعضها البعض‏,‏ وتسهم بالتطبيق والنقد‏,‏ أو تسهم بالتأسيس‏.‏
‏*‏ إذا كان الأمر كذلك‏,‏ فيما يخص الحضارات‏,‏ فلماذا نسمع عن صدام بينها‏,‏ وآخره ما يجري الآن بعد‏11‏ سبتمبر؟
فكرة الصراع‏,‏ لا تعبر عن السمة التاريخية للحضارات فسواء شئنا أم أبينا‏,‏ فالثقافات والحضارات تتفاعل فيما بينها‏,‏ وصراع الحضارات‏,‏ وجهة نظر هنتنجتون وهي تعبر عن اتجاه داخل المجتمعات الغربية‏,‏ وهو اتجاه لا يمكن أن نصفه بأنه الاتجاه الطاغي في الحضارة الغربية‏,‏ بل هو مجرد صوت من الأصوات المتعددة‏,‏ وهناك أصوات أخري تنادي بالحوار والتواصل والتفاعل‏,‏ فالقول بالصراع هو اتجاه‏,‏ وليس حقيقة الحضارات ففي الوقت الذي نتحدث فيه بإسهاب عن هنتنجتون لم نلتفت إلي نظريات أخري‏,‏ تنادي بالتواصل والحوار‏,‏ مثلما يفعل تيار قوي في الفلسفة المعاصرة‏,‏ ويجسده هابرماس وكارل أوتو آبل‏.‏
‏*‏ ألا تتفق معي‏,‏ أنه حتي الحوار حول الفلسفة السياسية غائب في الوطن العربي؟
الإجابة عن هذا السؤال تشير أولا إلي أن هذه الفلسفة السياسية عرفت خفوتا‏,‏ وانحسارا طوال الفترة المعروفة بالحرب الباردة‏,‏ هذا ما يبينه علي الأقل ليفي شتراوس وذلك بفعل ما سماه النزعة الوضعية والنزعة التاريخية‏,‏ وما فرضه الصراع الأيديولوجي علي المعسكرين‏,‏ بحيث حول الفلسفة السياسية إلي مجرد أداة أيديولوجية‏.‏
وتقريبا منذ الثمانينيات بدأت الفلسفة السياسية في العالم‏,‏ تعود تحت تأثير كتابات فلسفية لفوكو وشارل تايلور وغيرهما‏,‏ وما قاما به من نقد لما يسمي بالشمولية والديكتاتورية المغلقة‏,‏ أدي كل هذا إلي عودة الفلسفة السياسية‏..‏ وبالتالي فإن الحديث عن الفلسفة السياسية في الفكر العربي المعاصر‏,‏ يتبع ما حصل لها علي الصعيد العالمي‏,‏ لكن هناك بعض الإسهامات لبعض المفكرين العرب في المسألة السياسية‏.‏
وهنا يجب أن نتوقف عند إسهام عبدالله العروي ومساهمات د‏.‏ فهمي جدعان خصوصا في كتابه المحنة وأعتقد أن ما تعرفه الساحة العربية اليوم من حديث حول‏:‏ الإصلاح‏,‏ الديمقراطية‏,‏ سيدفع من دون شك إلي الاهتمام بقضايا الفلسفة السياسية ومشكلاتها‏.‏
‏*‏ وهل غياب الفلسفة السياسية أسهم في بروز الحركات الأصولية؟
لا شك أن عدم التفكير في السياسة‏,‏ بأدوات مناسبة‏,‏ كالفلسفة السياسية‏,‏ لا يمكننا من فهم الظواهر السياسية‏,‏ ومنها الأشكال الجديدة‏,‏ كالإسلام السياسي‏,‏ ولكن هذا لم يكن عائقا أمام ظهور بعض التحليلات السياسية اللافتة مثلما لدي برهان غليون ولو أننا اهتممنا بدراسة الفلسفة السياسية وإشاعتها‏,‏ لاستطعنا أن نفهم اتجاه الإسلام السياسي بشكل أفضل‏.‏
‏*‏ مازلنا في إطار العلاقة مع الآخر ثقافيا‏,‏ وأنت مهتم بميشيل فوكو كيف تجلي هذا المفكر عربيا؟
لقد خصصت لفوكو أكثر من دراسة‏,‏ وذلك لأكثر من سبب‏,‏ أولها سبب علمي‏,‏ إذ كان موضوعا لبحثي ودراستي‏,‏ وبما أن فوكو قد اهتمت به مجموعة كبيرة من الباحثين العرب‏,‏ فقد خصصته بدراسة عنونتها بـ ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر درست فيها كيفية توظيفه في الفكر العربي‏,‏ من خلال بعض النماذج مثل محمد أركون ومطاع صفدي‏,‏ وفتحي التريكي‏,‏ ومحمد عابدالجابري‏,‏ كما بيت مستوي الدراسات المتعلقة بفوكو‏,‏ وأثرت مشكلة معرفتنا بفلسفته‏,‏ ووجدت أن هذه المعرفة نمطية‏,‏ أي تقتصر إما علي مفهوم معين‏,‏ أو قضية بعينها‏,‏ أو علي مرحلة من المراحل‏,‏ دون العمل علي تحليل ودراسة فيلسوف كفوكو دراسة شاملة ونقدية‏.‏
‏*‏ أليس الفارق الهائل اجتماعيا بيننا وبين الغرب يجعلنا لا نضع نظرياته في سياقها الصحيح؟
هذا يتوقف علي نوع الدراسة والمشكلات التي نتصدي لها‏,‏ فإذا درسنا ميشيل فوكو في نصوصه وفلسفته‏,‏ فهذا لا يتطلب معرفة الفارق الذي تشير إليه‏,‏ وإنما المطوب هو ـ علي الأقل ـ معرفة باللغة وبالنصوص الفلسفية‏,‏ والمناهج‏,‏ وهذا عمل أكاديمي بحت‏,‏ لا يقتصر علي فوكو‏,‏ بل ينطبق علي أي فيلسوف أيا كان‏,‏ قديما أو حديثا‏,‏ لكن إذا نظرنا إلي علاقة فلسفة فوكو بالفكر العربي المعاصر‏,‏ فقد ثبت مدي محدودية التوظيف الذي أجراه هذا الفكر العربي لمناهج فوكو‏,‏ ولعل أحد الأسباب لذلك يعود إلي عدم تطابق مفاهيم فوكو والواقع العربي‏,‏ وإذا فهمنا هذه المفاهيم والتحليلات في سياقها‏,‏ وأدخلنا عليها مساهمتنا‏,‏ فأعتقد أنها تمكننا من فهم واقعنا‏,‏ وعلي سبيل المثال مفهوم الخطاب ليس حكرا علي فوكو‏,‏ ولكن إذا تناولناه من وجهة نظرنا‏,‏ فعلينا أن نراعي السياق‏,‏ والعديد من المصطلحات ذات الصلة به بالخطاب ومنها الممارسة والتاريخ‏..‏ إلخ‏.‏
‏*‏ وهل يمكن لأية فلسفة أن تزدهر في ظل هذا المناخ الثقافي العربي؟
إذا قصدت بالمناخ الثقافي الوضعية التي تعرفها الثقافة العربية‏,‏ وخصوصا في مجال التربية والتعليم‏,‏ فنحن من دون شك أمام واقع مأزوم‏,‏ وتكفي الإشارة في هذا إلي تقرير الأمم المتحدة بهذا الشأن‏,‏ وبالتالي لا يمكن لنا أن نفصل وضعية الفلسفة عن هذه الوضعية المأزومة‏,‏ مع أن الفلسفة كطرح مشكلتها أعمق‏,‏ وتتمثل بعض أوجه تلك المشكلة في غياب النصوص الفلسفية المؤسسة‏,‏ كعلم تحتاج إلي لغة ثانية أجنبية دائما‏,‏ والأمر الثاني هو منزلتها ومكانها في قطاع التربية والتعليم‏,‏ فيما عدا بعض التجارب العربية التي تعطي مكانة للتعليم الفلسفي في المراحل الثانوية والجامعية‏,‏ فإن هناك بلدانا عربية لا تدرس فيها الفلسفة علي الإطلاق‏,‏ وبالتالي فإن الفلسفة هي الأكثر تضررا ضمن هذا الوضع الذي سميناه بالمأزوم‏,‏ بالإضافة إلي الأحكام المسبقة حول طبيعة الفلسفة والمناخ السياسي الذي لا يساعد علي التفكير الحر‏.‏
‏*‏ لماذا في رأيك فشلت الحداثة العربية‏..‏ ليس في الآداب فقط‏,‏ بل حتي في المشروعات السياسية؟
هناك اليوم حديث في الفكر العربي المعاصر‏,‏ عن دعوة إلي نهضة عربية ثانية‏,‏ والسبب وراء هذه الدعوة هو الإقرار بفشل وعود النهضة العربية الأولي‏,‏ هذا الفشل جسدته هزيمة‏1967‏ وأخذ اليوم مظاهر علي المستوي الاقتصادي‏,‏ إذ أن التبعية قائمة‏,‏ وعلي المستوي السياسي يتجسد في عدم القدرة علي الشروع في الإصلاح السياسي‏,‏ وعلي المستوي الثقافي والعلمي يتجسد في تراجع الإبداع‏.‏
‏*‏ هل فشل هذه الحداثة بسبب مناخ اجتماعي أم بسبب النخب المعزولة؟
في تقديري أننا لم نعد نجري تحليلات أحادية تقوم علي مبدأ السبب الأول المسئول‏,‏ وإنما أصبحنا نقول إن التحليل يجب أن يكون بنيويا لمختلف العناصر الفاعلة في مشكلة الحداثة‏,‏ وهذه العناصر فيها ما هو اجتماعي‏,‏ وماهو اقتصادي‏,‏ وما هو ثقافي‏,‏ وهناك قناعة عند قطاع واسع من المثقفين والمحللين‏,‏ بضرورة الأخذ بالنظرة الكلية في تحليل المشكلات‏,‏ وبالتالي فإن مشكلة الحداثة كلية‏,‏ بمعني أننا نحتاج إلي تحديث اقتصادي واجتماعي يعطي دورا للمجتمع المدني‏,‏ ونحتاج تحديثا ثقافيا يعطي دورا أكبر للعقل وللحرية‏*‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 18 / 8 / 2007
رقم العـدد
543
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg