|
عن دار الشروق بالقاهرة صدرت الترجمة العربية لكتاب زكاري لوكمان تاريخ الاستشراق وسياساته, وقد اضطلع بالترجمة شريف يونس الذي كتب مقدمة وافية للكتاب, وقدم تعريفا ضروريا بالمؤلف, فـزكاري لوكمان باحث مرموق في دراسات الشرق الأوسط, وحصل علي الدكتوراه بدراسته المهمة عن تاريخ الحركة العمالية المصرية, وقد حرمته مواقفه اليسارية المؤيدة لحقوق العرب من وظائف عديدة, وهو يعمل حاليا أستاذا في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة نيويورك. وفي الكتاب الذي يحمل عنوانا جانبيا هو الصراع علي تفسير الشرق الأوسط يلقي المؤلف الضوء علي الصراع العلمي السياسي الذي نجح في إجلاء النظرة الدونية للعرب والمسلمين, وعلي دور إدوارد سعيد البارز في هذا الصدد, كما يرصد تحول التيار السائد في دراسات الشرق الأوسط بعيدا عن خدمة أهداف الإدارات الأمريكية بفعل المناهج الجديدة التي قدمها معارضو الاستشراق بمفهومه القديم, وكيف اقترن ذلك بموقف مبدئي يرفض توظيف العمل البحثي لخدمة سياسات الإدارات الأمريكية. وفي المقابل ـ كما يشير يونس ـ فإن المصالح الأمريكية وجدت أسلحة فكرية بديلة في سبيل الهيمنة علي المنطقة, وتتركز في مستشرقين قدماء مثل برنارد لويس, أو في منظمات بحثية خاصة تهدف إلي إنتاج أفكار لصالح السياسة لا إلي البحث العلمي المجرد, ولايزال لوكمان وتيار من باحثي الشرق الأوسط يخوض معارك ضد المؤسسات الصهيونية في أمريكا. يميز الكتاب بين رؤيتين: رؤية أصولية وأخري تعددية, وهما موجودتان في الغرب, الأولي تعتبر أن الإسلام واحد ووحيد المعني, له جوهر ثابت لا يتأثر بالتاريخ, وأن هذا الجوهر يسيطر علي أذهان وأرواح المسلمين جميعا في كل مكان وعبر التاريخ بنفس الطريقة, وبالتالي يصبح المسلم صورة نمطية يمكن التعرف علي طبيعتها من خلال قراءة ودراسة النصوص. هذه الرؤية اعتمد عليها نقد الاستشراق, لصالح الرؤية الثانية التعددية والإنسانية والواقعية والتاريخية, التي تعتبر الإسلام مكونا واحدا من حياة البشر, الذين تختلف رؤاهم باختلاف ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تختلف بدورها من مكان إلي آخر, ومن عصر إلي آخر, ومن طبقة اجتماعية إلي أخري. ويكشف الكتاب كيف أن مقولات التعصب وحججه ومفاهيمه واحدة تقريبا في الشرق والغرب, حيث يستعرض مقولات التعصب ضد المسلمين, كما صاغتها أفكار الأوروبيين في العصور الوسطي, فهم مثلا اعتبروا غزوات المسلمين امتحانا من الرب للمؤمنين( المسيحيين) ودعوة لهم لطاعته. وكما يقول المؤلف فإن كتابه هذا يقدم مسحا عريضا ونقديا لدراسة الإسلام والشرق الأوسط في الغرب وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية علي مدي نصف القرن الماضي, فهو يسعي إلي استكشاف السياقات والحجج والصراعات والعمليات التي تؤثر علي إنتاج وانتشار واستقبال المعرفة بهذه المنطقة وبالإسلام, والجدل بين الباحثين وغيرهم حول الطريقة الفضلي لتصوير وفهم موضوعات البحث وصناعة السياسة. بعد أحداث11 سبتمبر2001 أراد الكاتب أن يفهم القاريء الأمريكي تحديدا ما يحدث في الشرق الأوسط, ليعرف كيف تبدو ممارسة بلاده لقوتها الهائلة في العراق وفي غيره, في هذه الفترة التي يدعي فيها قادة أمريكا أنهم منشغلون بشن حرب علي الإرهاب تبدو لجانب كبير من العالم كمحاولة لتحقيق سيطرة عالمية دائمة. ويريد المؤلف أيضا للقراء العرب أن يفهموا أسباب تصرف أمريكا علي هذا النحو, ولا يعودون بالأمور إلي نظرية المؤامرة فلا يكفي إلقاء التبعة علي لوبي إسرائيلي كلي القدرة, فلا الرئيس بوش ولا نائبه تشيني ولا رامسفيلد ولا مهندس احتلال العراق يهود, وقرارهم باستعمال القوة العسكرية في العراق له مصادر أخري لا تقل أهمية عن حماية تابعتهم إسرائيل هكذا يقول زكاري لوكمان!
|