|
تحقيق- رشا عامر كان الروائي العالمي الكبير نجيب محفوظ لا يقترب من الورقة والقلم طوال أشهر الصيف, وذلك لأسباب صحية, وكانت الكتابة لديه بموعد, والقراءة أيضا, وهو انضباط لم يحد عنه طوال عمره المديد, وهو ما قلده فيه كثير من الأدباء, للدرجة التي جعلت الصيف مرتبطا لدي الكثيرين بالخفة في القراءة, وكأن القارئ يحتاج إلي نوع معين من الكتابة حتي يقبل عليها. شاعت مقولة إن الصيف لا يحتمل القراءات الثقيلة, برغم أن القراءة قراءة سواء كانت صيفا أم شتاء, فإلي مزيد من التفاصيل في التحقيق التالي..الروائي جمال الغيطاني يري أنه لا يوجد ما يسمي بقراءات صيفية خفيفة ولا قراءات شتوية ثقيلة, فالقراءة قراءة في كل أحوالها, والدليل علي ذلك أنه منهمك حاليا في قراءة مدينة العجائب للكاتب الأسباني مندوزا, وهي تحكي عن مدينة برشلونة, هذا إضافة إلي كتابي خطط المقريزي, والفتوحات الملكية. ويرجع الغيطاني في تمسكه بقراءة عدة كتب في وقت واحد إلا أنه يسير علي برنامج محدد للقراءة يرصد فيه أهم الكتب والروايات سواء القديمة أم الحديثة, لكي يقرأها بعيدا عما يسمي بكتب الصيف أو الشتاء, فالمكان الوحيد الذي يمكن له أن يقرأ فيه كتبا خفيفة هو المكتب أو السيارة, أما فيما عدا ذلك فكلها كتب تتم قراءتها بناء علي برنامج يومي ومكثف للقراءة, لا يتأثر مؤشره أبدا بمؤشر درجة الحرارة. نفس الشئ اتفق عليه الروائي سعيد الكفراوي, إذ يقول إن الكاتب أسير لما يقرأه, والجو سواء كان حارا أم باردا لا دخل له بما يختاره الكاتب, فالكاتب في مواجهة أي كتاب جيد, خصوصا لو كان هذا الكاتب يعشق القراءة فإنه سرعان ما سيتعامل مع الكتاب بشكل فوري بصرف النظر عن المناخ. الغريب أن الكفراوي اشترك أيضا مع الغيطاني في انهماكه هو الآخر في قراءة الأدب الأسباني. الكفراوي يقرأ روايتين أسبانيتين هما خوليو وألبا, ويوميات أرتيميس, وهو يؤكد أنهما من الروايات العميقة التي تثير الأسئلة, لأن كتابهما من أصحاب الأفق الفلسفي, لذلك فهما مشوقتان جدا للقراءة برغم الحرارة المشتعلة وكبسة الجو وسخط الطبيعة علي حد تعبيره. إذن القراءة لم تتأثر عند الكفراي بفعل الحرارة ولا هو حتي لجأ إلي قراءة خفيفة لأنه أيضا اتفق علي أنه لا يوجد مثل هذا المصطلح, فلا فرق بين الصيف والشتاء في القراءة, وإنما الفرق يكمن في الكتابة, فهو يعجز تقريبا عن الكتابة في فصل الصيف, ويري أن الكتابة في الصيف تختلف تماما عنها في الشتاء, بل إن أغلب من يعرفهم لا يكتبون في الصيف أصلا, ويكتفون بالكتابة في الشتاء حتي الأستاذ نجيب محفوظ, كان أكثر الذين يطبقون هذه القاعدة, فلا كتابة عنده في فصل الصيف علي الإطلاق, حتي الندوة التي كان يقيمها كان ينقل جلساتها معه إلي الإسكندرية, أما القراءة فلا أحد يستطيع الاقتراب منها في حياة سعيد الكفراوي الذي يري أنها تمثل بالنسبة له عشقا مرضيا جعلته يقرأ في كل الفصول, لدرجة أنه أصبح يحبها أكثر من الكتابة, مما جعل إنتاجه الأدبي قليلا مقارنة بمحصلته من القراءة. الدكتور عبدالمنعم تليمة يعترف علي عكس الآراء السابقة بأنه يوجد ما يسمي بالقراءات الخفيفة, لكنها قراءات وقتية, بمعني أن موعدها قبل النوم فقط, ولا علاقة لها بالشتاء أو الصيف, وفي ظل هذه الحرارة الشديدة, فهو منكب علي قراءة تراث السينما العالمية الذي صدر حديثا. كذلك هو يقرأ شروح الشعر العربي من أول شرح أبي عبيدة للنقائض في القرن الثاني الهجري إلي عصر النهضة, ويري أن هذه الشروح هي المدخل الحق للاتصال بموروثنا الشعري وللتعرف علي دقائق وأسرار وحقائق الجماليات في اللغة العربية, فهذه الشروح أيضا تمكن الدارس من الانتهاء من وضع نظرية للشعر العربي إذا تعامل معها تعاملا منهجيا منظما. والدكتور تليمة يعشق قراءة الشروح الشعرية, لذلك فهو يقرأ حاليا كل ما دار حول شعر المتنبي من شروح زادت علي المائة شرح منذ القرن الحادي عشر الميلادي إلي النهضة الحديثة, وبين يديه الآن كتاب معجز أحمد ذلك الشرح العظيم الذي وضعه أبوالعلاء المعري لإبداعية المتنبي الشعرية. الشاعر محمد سليمان اعترف ضمنيا بأنه يهوي قراءة الروايات في فصل الصيف لأنها تحمل جانبا من الخفة والتسلية, لدرجة أنه يقرأ حوالي ست روايات شهريا, ذلك لأن نشاطاته الكتابية تقل, وهذه الأيام هو مشغول بقراءة روايتين هما شارع سان ميجل, وشوشة, هذا إضافة إلي كتاب عن الشعر الأمريكي المعاصر. ويري سليمان أن الشاعر عليه أن يتابع أيضا الكتابات الاقتصادية, لأن الاقتصاد هو الذي يحكم البلاد, لذلك يجب علي أي شخص, خصوصا المثقفين أن يلموا بكل هذه المعارف حتي تكون لديهم أرضية يستطيعون التعامل من خلالها. إذن فالصيف بالنسبة لمحمد سليمان قراءة فقط, والشتاء كتابات شعرية. الناقد الأستاذ فاروق عبدالقادر, استنكر أيضا فكرة أن يكون الصيف سببا للابتعاد عن القراءات الثقيلة بزعم حرارة الجو الشديدة, إلا أنه يقرأ مجموعة من السير الذاتية لكل من جلال أمين وعبدالوهاب المسيري, إذ لا دخل للطقس أو درجات الحرارة في التحكم في نوعية القراءة, فهو أميل إلي التعامل مع القراءة بشكل جدي ومنظم. الشاعر عبدالمنعم رمضان اتفق مع كل من سبقوه في أنه لا يكتب في فصل الصيف, لأنه يعتبره موسم قراءة, إذن فمن الأولي أن تكون هذه القراءات قراءات ثقيلة وليست خفيفة, فهو عندما ينشغل بكاتب معين فإنه ينتظر حتي حلول فصل الصيف حتي يقرأه مرة واحدة, إذن فالمسألة بعيدة كل البعدعن الخفة, فالمسألة أن هناك كتابا تجب قراءتهم, وكتابا آخرين لا يمكن الاقتراب منهم. وتساءل رمضان ما الكتب الخفيفة أو القراءات الخفيفة؟ هل هي الرواية مثلا؟ إذا كانت الإجابة نعم فإن هذا يعد استخفافا بفن جميل وصعب. فأغلب قراءات رمضان صيفا وشتاء من الرواية, وإن كان رمضان يعزي اتهام الرواية بأنها قراءات خفيفة إلي استخفاف كل من عباس العقاد ويحيي حقي وغيرهما بقراءة الرواية أو كتابتها, مؤكدين أن بيت شعر واحد أفضل من عشر روايات, كذلك هناك شعراء وكتاب يأنفون من فن الرواية, وإن كان هو شخصيا لا يحب ذلك, لأن قراءة الرواية تحمل له طعما مختلفا وتمثل أغلب قراءاته, خصوصا في فصل الصيف مع توقفه عن ممارسة الكتابة وتوقفه كذلك عن ممارسة رياضة المشي بسبب الحر الشديد. الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب أكد أن الأعباء الملقاة علي كاهله لم تترك له صيفا ولا شتاء, فهو مكلف حاليا بمهمة شاقة جدا فهي تنظم احتفالية ضخمة لكل من الشاعر أحمد شوقي والشاعر حافظ إبراهيم بمناسبة مرور75 سنة علي وفاتهما, مما يستلزم تجميع كل المواد النقدية التي كتبت عنهما وتوضيح ركائزها الأساسية في كتاب يعكف عليه حاليا. لكن ذلك لم يمنعه من الاستمتاع بقراءة رواية تونسية بعنوان طرشقانة للكاتبة مسعودة أبوبكر, وهو يكتفي حاليا بقراءتها ليس لأننا نعيش في فصل الصيف, لكن لأن الأعباء أقوي من الصيف نفسه, فالقراءة من وجهة نظر عبدالمطلب لا علاقة لها بالصيف أو بالشتاء, لأن أي أديب أو مبدع أو ناقد لا يتعامل مع القراءة علي أنها وسيلة للاستمتاع فقط, لكنه يتعامل معها علي أنها حرفة, فلكي يكتب سطرا واحدا لابد أن يقرأ كتابا علي الأقل, إذن فالقراءة لا دخل لها بالصيف أو بالشتاء. نفس الفكرة أكد عليها الدكتور أمجد ريان لأنه يري أن القراءة لديه لها برنامج يومي من العمل ليس هو فقط, وإنما كل أديب له برنامجه في القراءة والكتابة والمتابعة, وهذا البرنامج هو برنامج ذاتي خاص بكل شخص علي حدة, ويتم التركيز من خلاله علي بعض المحاور مثل الكتابة أو كل المحاور مثل القراءة والكتابة والمتابعة. ويؤكد دكتور ريان أنه يمتلك جدولا شاملا للعمل لا تأثير للمناخ عليه علي الإطلاق, فالجدول يتم التخطيط له بشكل أسبوعي بما يتناسب مع الاحتياجات والقناعات في ظل المحافظة أيضا علي إقامة علاقات حية مع جميع الظواهر الإبداعية والفكرية المحيطة به دون أي تأثير للجو أو الطقس علي ذلك, لأن هناك إيمانا داخليا قويا يتغلب علي الكثير من المحبطات اليومية لإثبات القدرة علي الاستمرار. دور النشر والمكتبات اتفقت في معظمها علي مصطلح قراءات صيفية مؤكدة أن فصل الصيف بدرجة حرارته التي تتعدي الأربعين أحيانا يفرض نوعية معينة من القراءة هي قراءة الروايات, ليس لأنها نوعية خفيفة, لكن لأن بها سلاسة ومتعة بعكس الكتب الفكرية والنقدية التي تحتاج إلي تعمق وتركيز وإعادة قراءة, وأحيانا مناقشة. وعادة يكون الإقبال علي هذه النوعية في فصل الشتاء, خصوصا أيام الدراسة, أما فيما عدا ذلك فالأعمال الروائية هي أكثر ما يجذب الجمهور في فصل الصيف. الطريف أن نفس هذا الرأي اتفقت معه الكاتبة نجوي شعبان التي أكدت أنها تميل بالفعل للأعمال الروائية مع ارتفاع درجة الحرارة, لأن الحرارة العالية تفقد الذهن صفواه وتركيزه عكس الشتاء الذي يشجع علي الكتابة والعمل, وبالتالي القراءات الصعبة والمتعمقة للكتب الفكرية أو النقدية. وتميل نجوي شعبان هي الأخري مثل معظم الأدباء إلي قراءة الروايات المترجمكة, خصوصا تلك التي حققت نجاحات كبري أو مبيعات عالية. الروائيون المصريون بصفة عامة ومنهم الأديب يوسف القعيد أجمعوا علي أن فصل الصيف هو فصل التلقي, حيث يتوقف الكثير من مظاهر الحياة الإبداعية وأهمها الكتابة, إلا أن القراءة لا تتوقف أبدا لا صيفا ولا شتاء, بل علي العكس فإنها تزداد صيفا لأنها لا تتطلب بذل جهد كبير كالذي تتطلبه الكتابة والإبداع. واستنكر الأديب يوسف القعيد لفظ قراءات صيفية, مؤكدا أن ما يجذبه لقراءة كتاب ما هو مضمون الكتاب ومستواه وليس مؤشر حرارة الجو, إذ لا علاقة نهائيا بين الاثنين, فلا فرق عنده بين الانغماس في كتاب فكري أو نقدي أو سيرة ذاتية, وبين رواية صغيرة أو كبيرة عربية أم مترجمة. المهم بالنسبة له هو المضمون, لأن هذا المضمون هو الذي سيتم تخزينه طوال فصل الصيف لكي يظهر من خلال الإبداعات الكتابية أثناء فصل الشتاء. الدكتورة رجاء ياقوت, العميدة السابقة بكلية اللغات والترجمة, وأستاذ الأدب والمسرح الفرنسي, كانت المسألة بالنسبة لها مختلفة قليلا, ففصل الصيف بالنسبة لها هو فصل للراحة, خصوصا بعد انشغالها الدائم في الإشراف علي رسائل الماجيستير والدكتوراه بالجامعة, إذن فالصيف هو فصل الاستمتاع أولا بالراحة قليلا, ثانيا بقراءة كل ما ليس له علاقة بالتدريس بدءا بالروايات العربية أو الإنجليزية الحديثة والتي لم تترجم بعد لأنها تعشق القراءة باللغة الأم وتتمني لو كانت لجنة القراءة بكل اللغات الأجنبية كي تستطيع الاستمتاع بكل روايات كتابها المفضلين من الذين لا يكتبون الفرنسية ولا الإنجليزية. وتري د. ياقوت أن القراءة بالنسبة لها لا تأتي فقط من قبيل الاستمتاع, لكنها تأتي من قبيل شحذ الذهن والإطلاع علي كل ما هو جديد في عالم الثقافة والمعرفة, وإن كانت الضغوط الحياتية تجعل من فصل الشتاء هو دائما فصل العمل الكادح والمتواصل, الذي لا يترك لأحد فرصة للقراءة, لذلك فالجميع ينتهز فصل الصيف لمحاولة تجميع وقراءة كل ما فاته في فصل الشتاء. الأديب يوسف الشاروني مع تأكيده علي عشقه لفصل الشتاء وسأمه من فصل الصيف إلا أنه اتفق مع الجميع علي أن فصل الصيف هو فصل القراءة, لكنه أيضا استنكر وجود نوعيات معينة للقراءة الصيفية, فليست هناك من وجهة نظرة كتب تصلح للبلاج, وكتب أخري للمقهي وكتب للحر وكتب للبرد, فالكتاب هو أصل المعرفة أيا كانت الأوضاع, ففي الخارج نجد جميع راكبي المترو أو القطار أو الطائرة منهمكين في القراءة, إذن لا علاقة للقراءة بالأجواء المحيطة. المهم من وجهة نظره نوعية الكتاب, هل هو جيد ويستحق القراءة الطويلة أم لا داعي لتضييع الوقت فيه؟ الشاروني أكد في ذات الوقت أنه لا يحب القراءات الطويلة وأنه يفضل عليها القراءات القصيرة نوعا ما. شريطة أن تكون متنوعة, فمثلا هو يحب أن ينهمك في قراءة رواية وبجانبها عدد من القصص القصيرة, إضافة إلي عشق الكتب الهندسة الوراثية, وبالطبع لابد من متابعة كل أو معظم الصحف والمجلات, خصوصا الثقافية منها للاطلاع علي الأحوال السياسية والثقافية في البلد. ويعطي الشاروني وقتا طويلا لأعمال الشباب الروائية لكي يتعرف علي المواهب والاتجاهات الثقافية الجديدة في مصر*
|