|
أوزجان يشار- كاتب ومترجم ومصور فوتوغرافي يجوب البحار المدارية والمحيطات منذ أربعة ملايين سنة, بعد أن قدمته موجة التطور الإحيائي كائنا بحريا ضخما بلا عظام, إنما بهيكل غضروفي يسمح له بالاندفاع سريعا في عباب الأمواج. مرعب يسحق بهيئته وأسنانه الجهنمية أي أثر للشجاعة عند أي مخلوق, فما بالك بالإنسان الذي تلفع منذ القدم بالخوف منه؟! إلا أن خوفه لم يمنعه من البحث عن حيلة ما للانقضاض علي هذا الخصم.. هذا المخلوق المهيب يتألف من400 نوع, تنقسم أنواعه إلي30 عائلة, تحتوي كل منها ثمانية أعضاء من النوع المسمي سمك القرش, ومن بين الـ400 نوع يعتبر30 منها فقط المتوحش والتي قد تمثل تهديدا وخطرا علي الإنسان. ويتصدر هذه30 فصيلة منها4 أنواع تعد من أخطر أنواع القرش في العالم, وهي القرش الأبيض'White'Shark, والقرش الثور''BullShark, والقرش النمر''TigerShark, والقرش المحيطي'Oceanic', وبالرغم من كل ذلك فإن علماء الحياة البحرية اعتبروا العداء لأسماك القرش ظلما بينا, ولذلك يبذلون جهودا مضنية ومنذ سنوات عديدة للدفاع عن حقوقها البيئية. صحيح أن سمك القرش يعتبر عدوا طبيعيا للإنسان ولكنه في حقيقة الأمر لا ينافس الإنسان أبدا علي الحياة في بيئتة علي الأرض, بالإضافة إلي أن الإنسان لم يكن يوما علي رأس قائمة الطعام المفضلة له. فعادة يهاجم القرش الإنسان عن طريق الخطأ.. بما في ذلك الأنواع الخطيرة والتي لا تجد بأسا في مهاجمة الإنسان, إلا أنها في حقيقة الأمر لا تهاجمه إلا إن كانت جائعة وليست لديها بدائل, وبالطبع هذه ليست دعوة للجرأة والاقتراب منها, وذلك لأن أقل القروش شراسة قد تكون سببا في الموت بطريقة أو بأخري. حيث إنه يحدث ما يقارب من50 إلي75 هجوما من سمك القرش سنويا ومنها5 إلي10 تؤدي إلي الموت. و9 من10 أسماك يهاجمون علي عمق1.6 متر من السطح.. ومعظم هذه الحالات يكون مميتا. وإذا ما اعتبرنا أن الإحصائية خبر سار للنساء كون معظم الضحايا من الرجال..! للقرش مهارات غريبة, فهو يستطيع تقييم فريسته بدقة متناهية من أول عضة, بحيث يستطيع وبسرعة مذهلة معرفة حجم الطاقة الغذائية أي الدهون التي سيحصل عليها من هذه الفريسة, وما إذا كانت تستحق عناء المحاولة; ولذلك تعتبر لحوم الفقمة وسباع البحر فريسة مثالية; بسبب ارتفاع نسبة الدهون في أجسامها.. بينما لا يعد إنسانا نحيفا أكلة شهية. من الطريف ذكره أيضا أن سمك القرش لا ينام ولا يتوقف عن الحركة منذ ولادته حتي موته, وذلك لأن جسمه غير مجهز كغيره من الأسماك بأكياس هوائية تساعده علي النوم.. و يعود تاريخ أحافير سمك القرش إلي أكثر من300 مليون عام أي قبل وجود الديناصورات, وبقيت سلالات قليلة من القرش حتي اليوم محتفظة بالصفات الجسمانية الأساسية التي توارثتها لأكثر من150 مليون عام, والذي يعني أنها تحمل الكثير من أسرار الحياة الأولية.. ويعزي العلماء طول أعمار أسماك القرش إلي التطورات الفسيولوجية التي تمر بها هذه الكائنات التي تتمتع بصفات خاصة تتيح لها فعالية عالية سواء في الحصول علي غذائها أم البقاء علي قيد الحياة. لقد استطاع علماء البحار ورواد الأعماق التقاط صور لأسماك القرش من علي بعد ثلاثة أمتار فقط..! إنه الهول بلا شك, وأمر مرعب رؤية أكوام وصنوف متراصة من الأسنان المدببة القاطعة, بمختلف المقاسات والأشكال, منها المسطحة القادرة علي تحطيم القواقع والجنادب البحرية, ومنها الطويلة المدببة التي صممت لتقطيع أوصال أي سمكة مهما كان حجمها.. أما تلك المخصصة لمقاتلة الثدييات البحرية فإنها تستطيع بأسنانها الفولاذية قضم مساحة هائلة من أي حوت, وشطر أفراس البحر وكلابه بقضمة واحدة.. الغريب أن كل شيء في جسد هذا الحيوان يدعو لاصطياده, فلحمه لذيذ ومقو لصمامات القلب, أما زعانفه فقد باتت جزءا من نشاط شبكات السوق السوداء التي تجد رواجا وأسواقا مفتوحة في الصين وتايلاند وكوريا ووسنغافورة وغيرها من البلدان الآسيوية المزدهرة, وفي المطاعم الفاخرة في هذه الدول يصل سعر طبق حساء زعانف القرش, الذي يقال إن له بعض الفوائد الصحية التي تماثل عقاقير الفياجرا المقوية جنسيا, إلي150 يورو.. ويقول علماء الأحياء المائية والبحرية إن هذا الإقبال علي حساء زعانف القرش, يهدد بالقضاء علي واحد من أقدم المخلوقات ويهدد النظام البيئي الذي يعاني من زيادة معدلات الصيد الجائرة.. بالاضافة إلي ما سبق كعوامل مهددة لوجوده في البيئة, فإن ثمة اهتماما كبيرا من كبريات دور الأزياء العالمية بجلده الذي يتم استغلاله كحقائب أنيقة غالية الثمن لأيدي السيدات وإلي أحذية في أقدامهن.مما يؤدي إلي هذا النهم في اصطياده الجائر.. ومن الجدير بالذكر أنه قد تم اكتشاف مادة السكالامين المقاومة للسرطان وتوجد بمعدته... أسماك القرش في طريقها إلي الانقراض, وبخاصة بعض أنواعها باتت في مرحلة الخطر, حيث تبلغ الأنواع الآيلة للاختفاء عشرين نوعا, الأمر الذي دفع الحكومات الغربية للتوقيع علي معاهدة روما1999 التي تحرم صيد بعض الأنواع في فترة تكاثرها... صحيح أننا أسهمنا في خلق أسطورة توحشها المبالغ بها,.لكن الحقيقة أننا بتوحشنا نلعب دورا كبيرا في تدمير التنوع البيئي وفي انقراض أقدم الكائنات الحية علي الأرض.. أتري من منا الأكثر توحشا؟
|