الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ساحة الحوار
3الفارق الزمني بين قطور ولندن
السبت 18 / 8 / 2007

دكتور علاء الدين عباس
الزاهر ـ مكة المكرمة


عمنا بيرم التونسي الله يرحمه تم نفيه إلي فرنسا ومنها اتجه إلي بريطانيا بعد نقده اللاذع للأوضاع الفاسدة في بر مصر المحروسة‏,‏ وعندما عاد لأرض الوطن كتب قصيدته الشهيرة والتي يقارن فيها بين أحوال الناس في أوروبا وأحوالهم في مصر والتي قال في مطلعها‏.‏
هتجن ياريت يا أخوانا مرحتش لندن ولا باريز
دي بلاد تمدين ونظافة وذوق ولطافة وحاجة تغيظ
وكنت كلما قرأت جملة حاجة تغيظ أستشعر هذا الحب الدافق والعشق الحميم لتراب مصر برغم أنه من أصل تونسي ولكنه عاش عمره بشارع السد في حي السيدة زينب وأصبح معجونا بمية أولاد البلد وصار لسانا يعبر عنهم في أفراحهم وأحزانهم‏..‏ وتذكرت هذه الأيام تلك المقارنات الطريفة والفجة أحيانا بين العالمين‏..‏ مصر وإنجلترا‏..‏ كنت في لندن حيث يعقد امتحان الزمالة البريطانية بكلية الأطباء الملكية‏,‏ حيث كانت قاعة الامتحان في إحدي القاعات العريقة بمبني‏CamdenTwain‏ في وسط لندن وقبل بدء الامتحان ومدته‏75‏ دقيقة يبدأ من العاشرة والربع تماما‏,‏ وقفت الأستاذة العجوز تشرح بعض الترتيبات المتبعة في الأجوبة وبعد حديثها فوجئت الأستاذة بأن بالقاعة ساعتين وأن الفرق بينهما خمس دقائق مما جعل إحدي الساعتين تجاوزت موعد بدء الامتحان بدقيقتين والثانية متأخرة ثلاث دقائق‏..‏ مما جعلها تضع يدها علي وجهها من الحياء والدهشة والعجب وألجمتها الحيرة‏..‏ ماذا تفعل بين الساعتين وكيف يتم احتساب وقت الامتحان‏..‏ وهنا تفتق ذهن أحد الأطباء من ماليزيا عن حل للمشكلة بأن نتجنب الساعة المقدمة ونتعامل مع الأخري‏(‏ وهنا انفرجت أسارير الأستاذة العجوز سعادة بهذا الحل العبقري‏)‏ من وجهة نظرها طبعا‏,‏ لأن الفهلوة والهمبكة والفكاكة لغة لا تعرفها عقلية الإنجليز المبرمجة مثل الكمبيوتر‏..‏ هذه الواقعة علي بساطتها وعفويتها تذكرتها الآن بعد الخبر الذي نشرته الجرائد عن امتحان المعهد الأزهري بقطور محافظة الغربية والذي تأخر عن موعده ساعة ونصف الساعة والسبب الذي ذكرته الصحف أن مياه المجاري والمخلفات الآدمية قد أغرقت المعهد وحاصرت الشوارع المحيطة به مما حال دون وصول الطلبة إلي مقر الامتحان‏..‏ وحتي هؤلاء الذين استخدموا الحجارة والأخشاب للقفز لمقر دراستهم تعذر وصول أسئلة الامتحان إليهم مما جعل المسئولين بالمعهد يتصلون بالمحافظة ويبعثون برسالة استغاثة يطلبون فيها كسح المجاري وأن يفكوا الحصار من حول معهدهم‏..‏ إن الفرق بين قطور غربية ولندن هي تلك الساعة ونصف الساعة الضائعة هنا والتي تقبلناها بإذعان بليد وتلك الخمس دقائق في قاعة لندن العريقة والتي صادفت الدهشة والخجل‏..‏والاستنكار من السيدة العجوز‏..‏ الفرق يكمن في مجاهدة هؤلاء الطلبة المتواثبين فوق الحجارة للوصول لمقر امتحانهم وذلك الجلد والصبر للبحث عن مكان تحت شمس الحياة برغم المجاري الطافحة وثورة العطش وقلة ذات اليد‏..‏ وبرغم تلك الموسيقي الناعمة المنبعثة من جنبات القاعة الفارهة بلندن ورائحة الياسمين المعبق الأرجاء ودقة وانضباط الحياة هناك‏..‏ مازال المرء يذوب عشقا في تراب مصر وعرق فلاحيها وأفرول عمالها ومطبات شوارعها‏..‏ولعل هذا العشق هو ما يغيظ‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 18 / 8 / 2007
رقم العـدد
543
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg