|
الدوحة: سامي كمال الدين كل مكان يحمل رائحته وتاريخه مهما تغير الزمان حوله, فهناك أماكن محفورة في المدن العربية لا تغيرها المولات الفاخرة ولا أحدث الماركات العالمية ولا تلك الكافيهات الشبيهة بالملل, ينطبق ذلك علي سوق الحميدية في دمشق, وعلي خان الخليلي في القاهرة, وعلي السوليدير في قلب بيروت, وعلي الحي اللاتيني في باريس, وينطبق الحال علي سوق واجف في قطر, فأنت لابد أن تتوقف إزاء هذه المدينة التي تعيش نقلة حضارية كبيرة أمام هذا السوق الذي يظل راسخا أمام زحف المدنية والتكنولوجيا عليه. كان سوق واجف مزارا للتسوق قبل عملية الترميم الكبيرة التي شهدها أخيرا والتي أصبح بعدها مزارا للتسوق والتنزه وقضاء أوقات ممتعة فيه بعد أن نظم ورتب ولاقي اهتماما كبيرا من قبل الحكومة القطرية, وكان سوق القيصرية أول سوق في الدوحة, وهو عبارة عن سوق مسقوف به عشرات المحلات الصغيرة, يزيد عمره علي المائة والثمانين عاما, تلتقي فيه قوافل العرب المحملة بتجارتها أيام اللؤلؤ, وكان يجمع ثقافات مختلفة حتي إنك تجد شتي صنوف العمارة في السوق من الشرقية إلي الغربية. وبجوار هذا السوق الشهير كان هناك سوق آخر يرتكن جانبا في ضعف ووهن, ويرتاده بسطاء القوم لشراء حاجياتهم منه علي الواقف, لذا سمي سوق واجف, وكان هذا السوق علي الرغم من بساطته إلا أنه يحمل المأكل والمشرب للقطريين, ففيه تباع الخضراوات والبصل والحمص, وأسماك الهامور, وبه الحلاق والإسكافي وبائع المشروبات الشعبية, ومع تطور الزمن ودورته التي لا تنتهي اكتظ سوق واجف بالناس وأصبح أكثر شهرة ومكانة من سوق القيصرية. وطبيعة الناس ميلهم إلي كل ما هو شعبي حدث ما حدث لمقهي الفيشاوي في إقبال الناس عليه بهذا الشكل, ويوجد بالسوق عدد كبير من المقاهي تتميز بفرادة مكانها المواجه لأغلب محلات السوق, ولأن سقفها السماء, فإنها لا تكتفي برائحة التمباك فقط, بل تقدم الأكلات القطرية القديمة مثل البلاليط- الشعيرية مع السكر الأبيض والهريس- حب مضروب مع الزيت واللحمة, كما تقدم النخني- الحمص- والباجلة- الفول المسلوق المملح والمضاف إليه ليمون. السيد عيسي محمد العبيدلي, رئيس قسم الخدمات الإدارية بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث, التقيناه في سوق واجف فقال لنا: نأتي كثيرا مع الأصدقاء إلي هنا في عطلتنا الأسبوعية لنتنزه في السوق, ونتذكر تراث أجدادنا, وقد كنا نأتي إلي هذا السوق ونحن صغار مع أهلنا, ومازالت الذكريات محفورة في أذهاننا لهذا السوق, فنجلس مثلا إلي قهوة المالكي الشعبية التي تنقسم إلي قسمين كأغلب مقاهي قطر, واحد للرجال والثاني للعائلات. الدكتور سعد ثامر الحميدي, الباحث اللغوي يقول: تتعدد أسماء الأسواق لدينا, وتشتق أسماؤها من أوصافها, فهناك سوق العتم والسوق الداخلي, ونحن نتميز في قطر بالثراء اللغوي, وبتعدد الثقافات والأفكار, وبالنسبة لسوق واجف, فقد تغير حاله كثيرا بعد التطور الذي طرأ عليه, فهناك مهن عديدة آلت إلي الانقراض, فغابت عن السوق الأشرعة البيضاء التي كانت تتحرك فتحدث عملية تبريد للسوق الداخلي, ومع وجود أجهزة التبريد لم يعد السوق في حاجة إلي هذه الأشرعة, ولعل سوق قطر هذا يكشف إلي حد كبير اقتراب الأمة العربية من بعضها البعض, حيث يشبه خان الخليلي ومناطق عديدة في بيروت, ولعلي أقول إنه يثبت أن هناك أشياء عديدة تجمع العرب ومنها تشابه الأسواق التراثية, ولعل أجدادنا كانوا يضعون وحدة خاصة بهم وبطريقتهم عبر هذه الأسواق. وبرغم أن سوق واجف سوق تراثي إلا أن هناك مقاهي تأخذ الطابع اللبناني ويقدم أحد هذه المقاهي أكلات لبنانية وأرمينية. وفي زاوية أخري من سوق واجف, تجد سفن الصيدالقطرية, وأمامها عدة محلات تبيع صورا للحياة القديمة في قطر, وبعض اللوحات وقع عليها باسم الفنان روسمري موريل, ويبلغ ثمن اللوحة حوالي54 ريالا, وهناك مجموعة من الصور النادرة لصيادين يصلحون شباكهم أو يحصلون علي المحار الذي اصطادوه عبر هذه الشباك. أحد أصحاب المحلات الخدمية بأشغال التراث القطري قال: أقوم بصنع أشغال قطرية مصنوعة من الجبس, وأصمم نماذج مصغرة من قلعة الزبارا وبرج الخور والديوان الأميري وبرج برزان, وأبيع بشكل كبير هذه الأعمال إذ يقبل السائحون علي شراء هذه الأعمال, ومنهم من يأتي خصيصا لزيارة السوق لأجل بيع هذه الأشغال. لكن أحد أصحاب هذه المحلات يشتكي من بعض المشكلات التي تواجههم في سوق واجف, حيث يري أنه لا توجد دعاية جديدة للسوق وكافية للتعريف به وبمكانته وبقيمته وبما يحمله. قبل الخروج من سوق واجف لابد أن يكون قد لفت نظرك العباءات الخليجية وأشكالها المتناسقة في ألوان زاهية, ويلفت نظرك معلم رئيسي وهو الرجل صاحب الحمار, حيث يمتلك هذا الرجل حماره الوحيد ويؤجره في السوق, اللفة بريالين, للأطفال الذين يهرولون ناحيته, وينتظر كل منهم دوره علي ناحية سوق واجف ليصعد علي الحمار ويلتقط معه الصور التذكارية, أما العشاق الأجانب الذين يرفقون بالحيوان, فإنهم يسارعون إلي التقاط الصور التذكارية- والطبطبة عليه بحنية- الحمار طبعا- ويدفعون لأولادهم تذكرة ركوبه, وأنت تحاول الخروج من سوق واجف ستدخل في أزقة مقبية ذات تفريعات صغيرة, وتجد الباعة علي جانبي الزقاق يعرضون بضاعتهم ويطلبون منك الدخول لشراء بضائع زهيدة الثمن, وبالتأكيد لن تخرج من هذاالسوق دون الاحتفاظ بأيقونة أو ذكري للتراث القطري النادر الذي لا تجده إلا في سوق واجف*
|