|
أحمد أمين عرفات في مستشفي العباسية للأمراض العقلية والنفسية أو كما يطلقون عليها السرايا الصفرا أو المورستان أو مستشفي المجانين.. في هذه المستشفي دموع لا تجف لعشرات المرضي الذين تحسنت حالتهم وتماثلوا للشفاء من المرض الذي دخلوا المستشفي من أجله, ولكن عندما أرادوا أن يحيوا الحياة الطبيعية صدموا بأن أهاليهم يرفضون استلامهم. وفي دراسة قامت بها إدارة المستشفي عن الأسباب التي تكمن وراء عدم خروج المرضي الذين تحسنت حالتهم لممارسة الحياة الطبيعية خارج أسوار المستشفي, جاء أن20% من الأهل يرفضون استلام مرضاهم بعد تحسن حالتهم بسبب خوفهم من الانتكاسة وعدم السيطرة خصوصا أن هناك من المرضي من يتخلي عند خروجه عن الأدوية التي يكون في حاجة لها فيؤدي ذلك إلي ظهور أعراض شديدة بشكل يخيفهم, وهناك%21 وجد أن المريض فقد مكانه في المجتمع الذي كان يعيش فيه فمثلا هناك منهم من كان يعيش مع والديه وقد فارقا الحياة أثناء وجوده في المستشفي فيستولي أشقاؤه علي الشقة أو مالكها الأصلي فلايجد مكانا له لكي يقيم فيه, وهناك11% يرفض فيها المريض الخروج لأنه عندما خرج لم يجد ترحيبا به ولم يشعر بالراحة فوجد أن بقاءه في المستشفي أرحم له من خارجها, وهناك9% لا يجد من يراعاهم في الخارج وقد يكون له مكان ولكن لا أحد يرعاه ولأنه في حاجة إلي رعاية مستمرة يصاب بانتكاسة ولايجد خارج المستشفي من يرعاه, فيعود إليها وهناك2% يرفض المريض نفسه فيها مغادرة المستشفي لخوفه من الخروج والمجتمع, وهناك19% انقطعت صلة الأهل بهم ولا يزورهم أحد. وفي زيارة داخل المستشفي التقيت ببعض المرضي الذين ذاقوا مرارة رفض الأهل والمجتمع لهم, فها هي صابرين فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها فتاة جميلة ولكن عندما تنظر إليها أو تستمع لكلامها لا يمكنك أن تقول إن هذه الفتاة عاشت يوما واحدا في مسشفي العباسية ولكنها الحقيقة التي لاتكذبها أوراق المستشفي تقول إنها قضت زهرة شبابها خلف أسوارها قالت لنا صابرين و كل ألوان الحزن في عينيها: أنا دخلت المستشفي منذ عشر سنوات بسبب إصابتي بالاكتئاب نتيجة رسوبي في الثانوية العامة وقبل رسوبي كنت فتاة مثل أية فتاة أحلم بالنجاح والالتحاق بكلية التربية الموسيقية, فأنا أحب الموسيقي والغناء جدا فأنا أمتلك صوتا جميلا وقبل دخولي المستشفي كنت أغني في الحفلات المدرسية وسبق أن غنيت أمام وزير التعليم ولكن بسبب الظروف الأسرية التي كنت أعيش في ظلها حيث الخلافات المستمرة مع زوجة أبي والتي أثرت علي نفسيتي ودراستي فرسبت في الثانوية العامة فكانت صدمة عمري وأصبت بعدها بالاكتئاب فقام والدي بتحريض من زوجته بإدخالي المستشفي وبقيت فيها لمدة3 سنوات وعندما تحسنت حالتي رفض أبي أن يتسلمني لأنه لا يريد أن يتحمل مسئوليتي كما أن لي أربعة أشقاء أكبر مني لم يفكروا في أن يتولوا رعايتي ولم يكن علي لسانهم عند زيارتي سوي أن ظروفهم لا تسمح, ولكني صعبت علي خالي فقام باستلامي ولكنه بعد فترة أحس أنه يتحمل مسئولية غيره, فقال لي لابد أن تذهبي إلي والدك وعندما وجدت والدي يصر علي رفض تحمل مسئوليتي لم أجد إلا المستشفي لأعود إليها وبعد3 سنوات أخري من بقائي بها ذهب بعض الإخصائيين بالمستشفي لوالدي وحاولوا إقناع والدي بأن حالتي جيدة وعليه أن يستلمني ولما رفض هددوه بأنهم سيلجأون إلي الشرطة لكي يقومون بتسليمي له بشكل إجباري ويتعهد أمامهم بمسئوليتي, فخاف والدي وقام باستلامي وها أنا أعيش بينه وبين زوجته منذ4 سنوات وبرغم المعاملة القاسية التي أجدها وشعوري الدائم بأني مفروضة عليهم في البيت, فلا أحد منهم يسمع لي أو يريد أن يسمع لي وأكثر الأوقات أذهب إلي عمتي عندما أكون في حاجة إلي من أفضفض لها أو لبعض الصديقات القليلات جدا وأغلبهن من الممرضات اللاتي تعرفت عليهن في المستشفي علاوة علي أن قيام المستشفي بتوفير عمل لي بمقابل مادي يساعدني في مواجهة أعباء الحياة, ويشغل أوقات فراغي كما أنني بدأت أتعامل مع المجتمع والناس بنظرة مختلفة فأنا أتعامل معهم علي أنه مجتمع به الخير والشر وعلي أن أتقبله بحالته هذه في حين أنني قبل دخولي المستشفي كانت خبرتي ضعيفة ومقاومتي للظروف كانت اضعف ولكن في المستشفي علموني كيفية التعامل مع المشكلات والتغلب عليها. وعن أحلامها تقول صابرين: مازال حلمي بأن أصبح مطربة يراودني وإذا كنت أنا مطربة فرقة المستشفي وأغني في حفلاتها إلا أنني أحلم بأن أنال فرصتي خارج أسوار المستشفي فأنا بعد خروجي الأول من المستشفي انضممت لفرقة الموسيقي العربية التابعة لقصور الثقافة, ولكن عندما تخلي عني خالي تركتها وعدت للمستشفي كما أنني أحلم بأن أستكمل تعليمي وأثبت لأهلي أنني بهم أو من دونهم أستطيع أن أكون نفسي وأحقق ذاتي. وفي المستشفي التقيت أيضا بميرفت وهي في السادسة والأربعين من عمرها مازال وجهها يحمل لمسة جمال تدل علي أنها في شبابها كانت إحدي الجميلات فماذا عنها وعن حكاية دخولها إلي المستشفي.. تقول ميرفت: أنا في المستشفي من عام1994 وقد دخلتها بسبب رغبتي في تخسيس نفسي لكي أحافظ علي قوامي فقد كنت جميلة وهذه الرغبة دفعتني لأن أتناول حبوب تخسيس دون رأي طبيب بشكل خطأ فشعرت بعد تناول هذه الحبوب بالتوهان وأصبت بالمرض فأدخلني أهلي مستشفي بهمن ثم انتهي بي المطاف هنا وانقطعت صلتي بالعالم الخارجي اللهم, بعض الزيارات التي يقوم بها أشقائي وشقيقاتي لي وكذلك والدي الذي تزوح من أخري بعد وفاة والدتي. وسألتها عن اسمها وحكايتها فقالت: أنا اسمي هالة36 سنة من القصيرين وموجودة في المستشفي من7 سنوات والسبب في دخولي أنني كنت أري وأسمع تهيؤات وأصوات غريبة ولكني قبل ذلك كنت أعيش حياتي بشكل طبيعي فقد كنت طالبة في معهد خدمة اجتماعية وكان نفسي أكمل تعليمي وألتحق بكلية الخدمة الاجتماعية وأعمل إخصائية اجتماعية ولكن فجأة تقدم لي عريس وكان جاهزا ويريد الزواج بلا انتظار فتركت الدراسة وتزوجت وأنجبت ابنتي' نعمه' ولكن بعدها بدأت أشعر بهذه التهيؤات وأسمع هذه الأصوات كما كنت أهمل في ابنتي فلم أكن أشعر بأنها ابنتي وعندما ماتت وكان عمرها عامين اتهمني زوجي بأن إهمالي لابنتي هو سبب موتها وقام بالإبلاغ عني لإدخالي المستشفي لأني مجنونة وبعد دخولي المسشتفي لم يأت مرة واحدة لزيارتي وعرفت أنه تزوج من أخري, ولكن هناك أخي وأختي وبعض الاقارب يأتون لزيارتي وأنا برغم تحسن حالتي منذ سنوات واشتياقي للخروج وحلمي في أن أذاكر وأكمل تعليمي إلا أنني خائفة من الخروج لأنني لن أجد مكانا لي بين الناس. ثم تركتنا هالة لكي تصلي الظهر فقد عرفنا أنها حريصة علي أداء الصلاة في أوقاتها وكذلك الصوم وقراءة القرآن. وأثناء حديثي مع هالة كانت إحدي السيدات تنظر إلينا ثم اقتربت مني وقالت: أنا اسمي صفاء خالد وقد دخلت المستشفي لأول مرة سنة النكسة أي عام1967 بسبب إصابتي بمرض انفصام في الشخصية وهلوسة ولكني أخرج من وقت لآخر عندما تتحسن حالتي وأعيش مع أشقائي وأولادي محمد34 وعمر24 عاما وإن كنت أعاني من معاملتهما لأن بعد دخولي المستشفي إخواتي جعلوهما يكرهان أنفسهما ويكرهاني ولكن أحتمل الحياة بينهم عن الحياة داخل المستشفي مهما كانت قاسية فأنا أفضل ألف مرة من الحياة داخل أسوار المستشفي ويكفي أنني خارجها أشعر بحريتي ولكن مشكلتي أنني أقيم في وسط أشقائي الذين لايحبوني, ولذلك تقدمت إلي محافظة القاهرة لكي يمنحوني شقة ولكن لم يستمع أحد منهم لظروفي وقالوا انتظري دورك ومنذ سنوات وأنا أنتظر ولكن مازال الأمل بداخلي. الحالات كثيرة ولا حصر لها كلها حالات تحسنت ولكنها تحمل في قلبها مرارة الأسي لرفض المجتمع والأهل وأقرب الناس لها برغم أن شهادات المستشفي تؤكد تحسن حالاتهم وبالطبع مثل هذا الأمر ينعكس بالسلب عليهم كما تقول الدكتورة حنان غديري الطبيبة بالمستشفي بأن عدم خروج المريض الذي تحسنت حالته يضيف إلي مرضه أمراضا أخري وتظهر عليه أعراض جديدة لأن جزءا من المرض النفسي يجعل المريض يفقد القدرة علي التعامل مع المشكلات الحياتية خصوصا أن قدرته علي التكيف مع المحيطين به تكون منذ بداياتها ضعيفة فهي من الأسباب التي وراء إصابته بالمرض النفسي ولكن مع استمراره في المستشفي رغم تحسنه فإن ذلك يؤدي إلي فقدانه هذه القدرة نهائيا. وعن خوف الأهل من انتكاسة المريض مرة أخري ورفضهم استلامه لذلك السبب تقول د حنان: المرض العقلي الذهني هو مرض مزمن مثل السكر والضغط ومن يتم تحسنهم ليسوا في حاجة إلي البقاء في المستشفي, ولكن فقط إذا ظهرت بعض الأعراض فعلي الأهل سرعة إدخاله المستشفي لإعادته إلي حالته الطبيعية ثم يكون في استطاعته الخروج مرة أخري والمريض طالما يسير علي العلاج فلن تحدث له انتكاسه ويمكنه أن يتعايش مع المحيطين به, لكن مايحدث هو أن الأهل يهملون علاج مريضهم لذلك, فإن الأعراض تعود إليه تدريجيا بعد شهور من توقفه عن العلاج. انتهت جولتي في المستشفي وخرجت منه والمثل الشهير الذي يقول' الداخل لمستشفي العباسية مفقود والخارج منها مولود' يرن في أذني ولكن هاهم من كتب لهم أن يولدوا من جديد لايجدون من يحتضنهم ويرحب بهم فهل يمكن أن يوجد أحد من أصحاب القلوب الكبيرة من يتنبي واحدا من هؤلاء ويرعاه ؟؟ وإذا كان الأمر صعبا ففي إمكانه أن يتكفل به فيوفر له مكانا لإقامته ويتولي رعايته ؟ وإذا كان ذلك صعبا أيضا فأضعف الإيمان أن يقوم بزيارته ليعوضه عن جحود الأهل وأقرب الناس إليه فهناك19% من هؤلاء المرضي لا يزورهم أحد بعد أن انقطعت صلتهم بأهاليهم وهل يمكن لرجال الأعمال أن يقيموا دارا تجمع هؤلاء بعيدا عن أسوار المستشفي وتتيح لهم الخروج للحياة والاندماج في المجتمع مرة أخري ؟ أسئلة كثيرة لم تفارقني وظلت تطاردني برغم خروجي بعيدا عن أسوار مستشفي العباسية واختلاطي بالعقلاء إلا أنني مازلت حتي الآن غير قادر علي نسيان دموع ميرفت وكلمات صابرين التي يملؤها الإحساس بالظلم الواقع عليهما من المجتمع والأهل, وبالطبع هناك عشرات من أمثال صابرين وميرفت وهالة وصفاء وربما حالات أصعب وأقسي لأصحاء مازالوا في عداد المرضي.. فمن يجفف دموع هؤلاء ويمنحهم البسمة*
|