|
تونس- عوض سلام المدينة تونس العتيقة, ذكري الأجداد وتحفة الحاضر, تلك المدينة التي ولدت منذ ثلاثة عشر قرنا علي شريط ضيق من الأرض, هي اليوم ملتقي الحضارات والثقافات, ملتقي شعوب إفريقيا, هي المكان الذي اختاره الحسان بن النعمان فاتح قرطاج لإقامة المدينة العتيقة, لكنه قبل ذلك كان قد شيد منبرا من أهم منابر العلم في شمال إفريقيا ألا وهو جامع الزيتونة, ثم أقيمت حول هذا الكنز الحضاري الشوارع ومنازل الأعيان وقصور الضيافة وخزانات المياه والمقابر والحدائق التي كانت كلها بمثابة السور الذي يحمي هذا المعلم التاريخي إضافة إلي سوره الأصلي. إن الجولة في المدينة العتيقة بتونس هي بمثابة المغامرة التي تقود المتجول من درب إلي زقاق, ومن سوق إلي زنقة, لا ليكتشف القصور والزوايا فقط, بل ليتعرف أيضا علي روح وفكر مصمميها ومبدعيها الذين لاتزال أرواحهم حاضرة, وأيضا ليتعرف علي أسماء تفرز طرافتها العديد من التساؤلات حول مثل ما هو أصل التسمية؟ ولماذا؟ ولنبدأ من القصبة معقل الوالي وحاشيته والتي تشرف من علوها علي العديد من الأحياء المشيدة في الضواحي الشمالية والجنوبية للمدينة العتيقة لاستقبال القوافل, وإقامة أسواق الخضر, كما شيدت الجوامع ذات القباب والأبراج المثمنة الزوايا لتطل كلها علي مشهد غاية في الروعة والجمال, وتقف في القصبة دار الباي ساحة الحكومة حاليا والتي أقامها ولي العهد الحسيني عام1795 علي آثار المباني المرادية, هذا القصر الذي زوده بطابق إضافي رائع, وقد تميزت الغرف المحيطة بالفناء جنوبا وشرقا بفخامة وروعة خصوصا إذ استقدم نحاتين وفنانين مغاربة خصيصا لعمل لوحات علي الجبس زادت الدار بهاء علي بهاء إضافة إلي النحوت والزخارف الأندلسية التي تعكس بصمات الفنانين الأسبان, ومن هذا القصر ننتقل إلي زنقة الشماعية حيث توجد تربة الأميرة عزيزة عثمانة التي اشتهرت بأعمالها الخيرية, لذلك حظيت بمكانة خاصة في قلوب التونسيين, حيث أعتقت قبل وفاتها عام1669 جميع عبيدها, وخصصت جميع ممتلكاتها وقفا للأعمال الخيرية, بينما خصص جزء من إيرادات هذه الأوقاف لشراء الورود لأنها أوصت بأن توضع الورود علي قبرها كل يوم. وإذا انتقلنا إلي سوق البركة التي بنيت بين1637-1610 علي شكل مربع مغطي بقبة رفعت علي عدة أقواس نجد المنتجات الذهبية وحيث تنتشر محال زخرفة ونقش وبيع الذهب في تلك السوق التي أنشئت أصلا لبيع العبيد حيث كانت توضع مصطبة خشبية وسط الساحة يعرض عليها العبيد أمام المارة. وعلي مكان ليس ببعيد توجد دار في غاية من الزخرفة وأيضا الطرافة وهي دار الحداد التي شيدت بزنقة القلش في الجهة الجنوبية لضاحية بني خراسان القديمة في القرن السادس عشر وتعد من أقدم المنازل في المدينة العتيقة, وأصل التسمية القلش هو نوع من السيوف الذي برع فيه الحدادون فسميت بهذا الاسم. شوارع الأسياد وأسواق النساء وقبل أن تأخذنا المدينة التونسية العتيقة أو كما يسميها التونسيون المدينة العربي, لابد أن نتوقف عند بعض التسميات لبعض الشوارع التي تختلف أسماؤها داخل المدينة عن تلك الموجودة خارجها, فبعضها تعلق بأسماء الأسياد والأولياء الصالحين, مثل أنهج سيدي الصوردو, سيدي قاسم, سيدي محرز, سيدي بومنديل, سيدي قدوس العباسي, وسيدي علي عزوز. أما البعض فقد تعلق بأسماء غريبة مثل أنهج المشنقة, المفتي, وهما بعيدان كل البعد من حيث المسافة, وإن اشتركا في عمل واحد, وهذا ليس علي سبيل التندر, بل كانت تنتصب مشنقة في النهج المسمي باسمها وكان المفتي أيضا يسكن نهجه, كما نجد أنهج وشوارع مثل الحلوف, حيث كانت أغلب سكانه من المالطية, وكانوا يربون الحلوف الخنزير, أما نهج الكبدة فقد اشتهر بانتصاب محال الجزارة ونهج المحروق سمي بهذا الاسم بسبب اندلاع حريق حائل, ونعج الكومسيون يوجد به باعة الجملة, ويقصده التجار, ومن ثم يجدون عائدا كومسيون عند بيع ما اشتروه من هذا النهج, ونهج المقطع اشتهر بتقطيع الحجر الطفلي والطين لصناعة المواد الطبيعية التي تستخدم كأدوية ومواد تجميل, أما نهج الظلام فقد كان نهجا عديم الإضاءة ومخيفا, خصوصا في الليل, وكان يختبئ به الهاربون من العدالة في الماضي, وهناك شوارع تحمل أسماء ربما كانت توجد لها دلالة في الماضي واختلفت التفسيرات بشأنها لدي سكانها حتي أصبحت كالأساطير مثل أنهج الدبدابة, المناطقي, العبة, المر, الحقيقة, الكاشخ, الإعانة الصادقة, المبزع, الأخوة. أما الأسواق فقد ارتبطت بأسماء ربما تمت بصلة كبيرة في بعض الأحيان للغرض الذي شيدت لأجله في الماضي, فهناك سوق النساء, حيث كان معظم مرتاديه من النساء مثل زنقة الستات بالإسكندرية, أما سوق الوزر فكانت تباع فيه الأقمشة التركية والأغطية, وسوق البلار خصص لباعة المصنوعات الزجاجية, وهناك ما سمي بأسماء الحرف التي تزاول فيها مثل أسواق السراجين, الصباغين, الدباغين. ثورة الشوارع كما سميت الشوارع المحيطة بالمدينة العتيقة بأسماء الأبواب التي أحاطت بها في الماضي, وظلت آثارها موجودة حتي الآن مثل باب السويقة, باب البنات, باب المنارة, باب الجديد, باب الجزيرة, باب الخضراء, ونتوقف عند باب البحر, وهو كما تدل تسميته الباب الذي كان يحمي المدينة من اتجاه البحر, وقد اخترنا الخروج من هذا الباب, والتوقف عنده لأن أسماء الشوارع ستختلف خارج المدينة فمخارج المدينة العتيقة من هذا الاتجاه علي شوارع كبيرة وسميت في عظمها بأسماء البلدان الأوروبية, فبالإضافة إلي فرنسا هناك إنجلترا, أسبانيا, روسيا, وبقراءة خاصة لأسماء الشوارع انطلاقا من باب البحر يمكن الاستدلال علي أنها تعكس ربما نوعا من النزعة الوطنية أو الثورية إن صح التعبير. فالأثر الذي تبقي من باب البحر منتصبا في ساحة سميت بـ ساحة النصر وتفتح تلك الساحة علي شارع فرنسا وهو شارع قصير ومتسع في نفس الوقت ينتهي عند مقر السفارة الفرنسية بتونس, وفي مقارعة, لا نعلم إن كانت محسوبة أم لا, يقف تمثال العلامة ابن خلدون مقابل مقر السفارة الفرنسية, حيث يبدأ شارع الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي الراحل والذي حرر تونس من الاستعمار الفرنسي, ذلك الشارع بهذا المسمي في زاوية قائمة معه نجد شارع جمال عبدالناصر, وإذا كان هذا الكلام كما يقال من تأويل الأحاديث, ربما يفنده من يستكمل المرور بشارع الحبيب بورقيبة, فعلي امتداده نجد أن شارع باريس, والذي يبدأ من ساحة الجمهورية, ولما يتقاطع مع شارع بورقيبة يتبدل اسمه إلي شارع قرطاج وبعد خطوات قليلة يتبدل اسم نهج مارسيليا إلي نهج ابن خلدون, وكأن الشوارع التي تحمل أسماء مدن فرنسية كان قدرها أن تمر وتتقاطع مع شارع الحبيب بورقيبة الذي يبدلها إلي أسماء من التاريخ التونسي. وبينما لا يتبدل نهج القاهرة لأنه لا يقطع شارع بورقيبة, بل يبدأ من أحد جانبيه نجد الحضور المصري مسجلا بوضوح في أسماء بعض الأنهج والشوارع التونسية مثل نهج أم كلثوم ونهج مصر, وكما أسلفنا شارع جمال عبدالناصر ونهج القاهرة*
|