الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3من مفكرة سفير عربي باليابان

التكنولوجيا الزراعية‏..‏ الأمن الغذائي العربي

السبت 18 / 8 / 2007

‏*‏ د‏.‏ خليل حسن


هناك قلق مستقبلي‏,‏ بين المسئولين في الدول العربية‏,‏ من خطورة نقص الغذاء في الوطن العربي‏,‏ بسبب زيادة السكان ونقص الموارد المائية وقلة الاهتمام بالزراعة‏.‏ ومع دخول التكنولوجيا الحديثة في الزراعة‏,‏ حاول الكثير من دول العالم التعامل وبنجاح‏,‏ مع التحديات الزراعية الجديدة‏.‏ والجدير بالذكر بأن الإحصائيات العالمية المستقبلية مقلقة أيضا‏.‏ فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان العالم مع حلول عام ألفين ومائة‏,‏ وتنفد موارد الطاقة التقليدية‏,‏ ويزداد الجفاف مع التغيرات البيئية‏,‏ بالإضافة إلي الاستفادة من المواد الغذائية في تكنولوجيات حديثة ستؤدي لنقص الغذاء العالمي وارتفاع الأسعار‏.‏
ومن الدول القلقة من مستقبل التحديات الزراعية هي اليابان‏.‏ فقد كتبت اليابان تايمز في افتتاحيتها في الثامن عشر من شهر يونيو من هذا العام تقول‏'‏ الخطة الزراعية للحكومة اليابانية لعام‏2006‏ تحث علي زيادة الإنتاج المحلي مع تزايد عدد سكان العالم وزيادة إنتاج البيوأثينول الذي يستنفد الذرة‏,‏ مما أدي لتزايد أسعار الأغذية‏.‏ وتقدر الأمم المتحدة بأنه سيزداد سكان العالم من‏6.7‏ مليار إلي تسعة مليارات عام‏2050,‏ كما سيزداد استهلاك الحبوب في الدول المتطورة للضعف عن متوسط عام‏1999-2001,‏ الذي يقدر الآن بحوالي مليار طن سنويا‏.‏ وتقدر الإدارة الأمريكية للزراعة بأن الكمية المستخدمة من الذرة لإنتاج البيو أثينول ستزداد من‏18%‏ في عام‏2006‏ إلي‏31%‏ خلال العشر سنوات المقبلة‏.‏ والتخوف العالمي هو نقص تصدير الذرة من الولايات المتحدة‏.‏ كما ازدادت أسعار حبوب القمح والصويا بسبب الجفاف في بعض الدول المصدرة‏.‏ ويؤكد التقرير الحكومي الياباني ضرورة زيادة الاستفادة من الأراضي الزراعية بكفاءة واستعادة زراعة الأراضي المهجورة‏.‏
تلاحظ عزيزي القارئ بأن تكنولوجيا الزراعة تطورت بشكل مذهل‏,‏ وأصبحت قضية تنموية مهمة في وطننا العربي‏.‏ كما تطورت تحديات جديدة في إنتاج الطاقة الزراعية‏.‏ فمن المتوقع أن تنفد الطاقة النفطية مع حلول سنة ألفين ومائة‏,‏ وسيحتاج الوطن العربي لمصادر أخري للطاقة‏.‏ وقد يستغني العالم عن النفط قبل ذلك الوقت‏,‏ فقد كرر سعادة وزير النفط السعودي السابق الأستاذ زكي اليماني القول‏,‏ بأنه قد يصل اليوم الذي سيكون النفط كالفحم الحجري‏,‏ موجودا ولكن مخزونه تحت الأرض‏,‏ لا أحد يهتم بالاستفادة منه‏,‏ بسبب السعر والتلوث‏.‏ فمن الواضح بأننا في حاجة لخطة عربية مشتركة لتطوير الزراعة‏.‏ ولا شك بأن إنتاج الطاقة من المواد الزراعية سيقلل التلوث من احتراق الكربون‏,‏ كما ستتوافر مصادر طبيعية دائمة للطاقة العصب الرئيسي للتنمية الاقتصادية‏.‏ والتكنولوجية الزراعية الحديثة ستمكننا من الزراعة في وسط الصحراء وبكمية قليلة من الماء‏,‏ كما سيكون من الممكن زيادة كمية الإنتاج لأضعاف مضاعفة بتطوير تكنولوجية الهندسة الوراثية‏.‏
وقد تطورت التكنولوجيا الزراعية بحيث بدأت تلعب دورا جديدا في إنتاج الأدوية واللقاحات‏.‏ فبتطور علم الهندسة الوراثية الزراعية بدأ العلماء الاستفادة من النبات بدلا من الحيوان في التكنولوجيا الدوائية الحديثة‏.‏ وقد كتبت مجلة الإيكونويست البريطانية في عددها الصادر في السادس عشر من شهر يونيو لهذا العام عن غداء جديد للصحة‏.‏ فقد اخترع علماء اليابان طريقة جديدة زراعية لإنتاج التطعيمات‏.‏ فمن المعروف بأن إنتاج التطعيمات يحتاج لعمليات بيولوجية معقدة بحقن الميكروب في خلايا كائن حي‏.‏ وتحتاج أن تكون محفوظة بدرجات حرارة منخفضة لاستمرارية مفعولها‏.‏ وتكمن المشكلة في نقل وتوزيع هذه التطعيمات للمناطق الفقيرة في العالم الثالث حيث لا تتوافر الطاقة الكهربائية ولا ثلاجات التخزين‏.‏ وقد تمكن علماء اليابان بإنتاج لقاحات من حبات الأرز لا تحتاج لحرارة منخفضة‏.‏
وقد قام فريق برئاسة البروفيسور تومونوري نوشي من جامعة طوكيو بالاستفادة من الهندسة الوراثية في زراعة الأرز لإنتاج لقاح ضد مرض الكوليرا الخطير‏.‏ كما طوروا اللقاح بحيث يشجع جهاز المناعة الداخلي لإنتاج الجسم مضادات للميكروبات‏,‏ بالإضافة لمجموعة مضادات تعمل خارج الخلايا علي السطح الخارجي للخلايا المخاطية في الجهاز التنفسي والهضمي‏.‏ وقد قام الفريق بإيجاد طريقة لتطوير اللقاح في حبة الأرز‏.‏ وقد اختاروا لقاح الكوليرا للتجربة‏.‏ ومن المعروف علميا بأن المناعة تنتج لوجود بروتين يسمي بالوحدة ب من سم الكوليرا‏.‏ وقد نسخ فريق البروفيسور الدليل المورث لهذا البروتين وحقنوه في الجين المورثي بالأرز‏.‏ وبعدها عملوا علي إنتاج الأرز المحتوي علي البروتين الواقي من الكوليرا‏.‏ ومن الممكن تطوير لقاحات وأدوية مختلفة بنفس هذه الطريقة‏.‏
كما طورت التكنولوجيا الزراعية الاستفادة من مياه المحيطات لتنظيف البيئة من التلوث‏.‏ فقد اقترح علماء جامعة ستانفورد الأمريكية بالعمل علي خفض نسبة الكربون في البيئة بالقيام بزيادة الزراعة تحت ماء المحيطات لتقوم هذه النباتات باستهلاك غاز ثاني أكسيد الكربون وتخفيض نسبته في البيئة‏.‏ وقد اكتشف العلماء بأن رش مادة بودرة الحديد علي هذه المزارع تؤدي لتكاثرها بسرعة‏.‏ كما طور العلماء أيضا بالهندسة الزراعية أشجارا كبيرة تنمو بسرعة هائلة‏,‏ وتستعمل هذه النوعية من الأشجار لإنتاج الطاقة بكفاءة عالية‏.‏ وتذكرني هذه التطورات الجديدة‏,‏ بمدي احترام الشعب الياباني للمزارعين‏.‏ فقد قسم المجتمع الياباني قديما لست فئات‏.‏ الفئة الأولي هي العائلة الإمبراطورية‏,‏ وتليها فئة السمواري حماة الوطن‏.‏ وكان لفئة المزارعين احترام وتقدير خاص كمسئولين عن الأمن الغذائي وإطعام الآلهة‏.‏ فهناك أكثر من سبعة ملايين إله‏,‏ وتقدم لهم ثلاث وجبات يوميا في المعابد‏,‏ وبعد تقديمها للآلهة يقوم رهبان المعابد بأكلها للتبرك‏.‏ وتلي ذلك فئة الصناع‏,‏ أما التجار فاعتبرت الفئة الأخيرة في المجتمع الياباني‏.‏
والسؤال لعزيزي القارئ هل أصبح تنفيذ خطة زراعية مشتركة ومدروسة تكنولوجيا واقتصاديا‏,‏ أساسا مهما في التنمية والأمن الغذائي العربي؟ وهل سنستفيد من التكنولوجيا الزراعية المتطورة‏,‏ لتنويع مصادر الدخل وزيادة الإنتاج الزراعي؟ وهل سنبدأ بإعداد المتخصصين في الهندسة الوراثية الزراعية‏,‏ لتطوير الصناعة المستقبلية للغذاء والدواء والطاقة؟ وهل سنعيد للزراعة احترامها ووقارها من جديد وقبل فوات الأوان؟
‏*‏ سفير مملكة البحرين باليابان

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 18 / 8 / 2007
رقم العـدد
543
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg