|
إلهامي المليجي ما يقرب من قرن من الزمان مر علي دعوة محمد بن عبدالوهاب, والتي يعتبرها البعض أكثر الفرق السنية غلوا وتطرفا, خصوصا فيما يتعلق منها بالموقف لآل البيت وأضرحتهم التي تحتل موقعا يقترب من القداسة في العقيدة الشيعية, مما خلق فجوة واسعة بين الطرفين. أوائل الأسبوع المنصرم أطلق المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله دعوة للحوار بين الشيعة والوهابية علي قاعدة إبعاد مصطلح المقدس عن الحوار الإسلامي, وتلك الدعوة تمثل إضافة جديدة في مبادرات واجتهادات السيد فضل الله في إطار وحدة المذاهب الإسلامية. سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله من المراجع الدينية الشيعية المهتمة بوحدة الأمة الإسلامية, ومن أكثر علماء الدين التزاما وأخذا بالمنهج العلمي, والمنهج التوحيدي, ويبتعد عن القضايا الخلافية, وله العديد من الآراء الواضحة والمحددة في القضايا التي تثير لبسا وغموضا, وفي هذا الإطار دعا إلي حوار جدي بين الشيعة والوهابية, حيث أثارت تلك الدعوة ردود فعل متباينة ومرشحة لكثير من ردود الفعل الأخري لما تمثله الدعوة ومصدرها. فقد حذر سماحته من أن الظروف التي تمر بها الأمة هي من أخطر الظروف وأعقدها, محذرا من الإيحاء الأمريكي بأن هناك دولا تحمل عنوان' السنة' تقف في مواجهة آخرين يحملون عنوان' الشيعة'. وأكد سماحته ضرورة قيام حوار جدي بين المسلمين بعدما تحولت المؤتمرات إلي مجاملات أو مناكفات, داعيا إلي حوار جدي بين الوهابية والشيعة. وشدد سماحته علي إبعاد مصطلح المقدس عن حركة الحوار, لأن هذا المفهوم ملتبس, في حين أن المنطق الذي حركه القرآن هو منطق الحجة والبرهان... وتناول سماحته فشل الحركات والمؤتمرات الحوارية في تعزيز الوحدة الإسلامية... قائلا: شكل عنوان الحوار ـ أخيرا ـ أساسا لانعقاد كثير من المؤتمرات العالمية, ولاسيما في مسألة حوار الأديان, وذلك بعد التعقيدات السياسية والاجتماعية التي انعكست سلبا علي علاقة المنتمين للأديان والمذاهب بعضهم ببعض. وفي الوقت الذي يؤكد السيد فضل الله أهمية العمل للحوار, وخصوصا بين الأديان والمذاهب, علي المستويين العالمي والمحلي; إلا أنه يشير إلي أن مفردة الحوار دخلت في إطار الاستهلاك السياسي والإعلامي, كما باتت المؤتمرات والندوات التي تعقد هنا وهناك, تتحرك في إطار المجاملات والشكليات, والتي تكون الغاية منها إعلامية محدودة, خدمة لهدف سياسي, أو تخلصا من بعض الضغوط التي تتحرك من خلال حركة الصراعات بين الدول علي المسرح العالمي. ويري فضل الله أنه في هذه الظروف التي تمر بها أمتنا الإسلامية, والتي هي من أعقد الظروف وأخطرها في كل تاريخ المنطقة, والتي اندفعت فيها الدول المستكبرة نحو تقسيم الأمة علي أساس مذهبي, تبعا لأغراض سياسية خطيرة تخدم المشروع الصهيوني ـ الأمريكي; حتي بات الإيحاء السياسي, بأن هناك دولا تحمل عنوان السنة تقف في مواجهة آخرين يحملون عنوان الشيعة, وقد يصور الشيعة أنهم يدعمون ذلك المشروع في موقع, أو يصور السنة أنهم يدعمونه في موقع آخر; في الوقت الذي نجد فيه أن السنة والشيعة في العمق ينطلقان من حالة الرفض للاحتلال وكل مشاريعه التي يراد لها أن تتحرك في المنطقة.. وطالب فضل الله بضرورة العمل لحوار يتحرك علي المستوي الميداني في شكل فاعل منتج, في حركة المفكرين والمثقفين, السنة والشيعة, بحيث لا يأتي الحوار استجابة لحاجات سياسية ظرفية ترتبط بحركة الأنظمة أو السياسات الدولية, بل ينطلق من الحالة الثقافية الفكرية التي تري في الحوار حركة في الانفتاح الثقافي والفكري الذي يرتكز علي الروح العلمية والموضوعية. ويري العلامه فضل الله أن أي نجاح لحالات الحوار الإسلامي-الإسلامي لا يمكن أن يتحقق ما لم تتوافر الأمور التالية: أولا: توافر النيات الصادقة التي ترتكز إلي المنهج القرآني في الحوار, والذي بينه قوله تعالي: وإنا أو إياكم لعلي هدي أو في ضلال مبين[ سبأ:24], والذي تغيب معه الذات المحاورة; لتحل محلها الروح الحوارية التي تري أن الحقيقة هدف للمحاورين, وأن الحوار يمثل حركة في البحث المشترك عنها. ثانيا: أن يشكل الحوار أولوية إسلامية عامة تشمل جميع المذاهب دون استثناء, بما فيها تلك التي تدخل العلاقات فيما بينها في سلسلة من التعقيدات العقيدية التي تصل إلي درجة التكفير أو التضليل. وعلي هذا الأساس يجب أن يتحرك الحوار الجدي بين المسلمين الشيعة ـ بخاصة ـ وبين التيارات السلفية, وخصوصا الوهابية التي تتحرك بعض آرائها الاجتهادية في شكل حاد, سواء بالنسبة للشيعة أم لبعض السنة, مما يمكن أن تخف حدته من خلال الانفتاح الفكري والثقافي المرتكز علي أساس قوله تعالي: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول[ النساء:59], بحيث يكون كتاب الله وسنة نبيه الميزان في حركة الحوار حول القضايا الخلافية. ثالثا: أن يتحرك الحوار بشكل مفتوح, فلا تحول أية مقدسات مذهبية دون انطلاقه; لأن الحوار المنتج والجاد هو الحوار الذي يتحرك من دون حواجز مسبقة, وإنما يتحرك علي هدي قوله تعالي: قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين[ البقرة:111]; وهذا هو الذي تحرك به القرآن, في تعامله مع القضايا التي كان يطرحها المشركون أو غيرهم, حيث تناول القرآن كل ما كان يصدر من اتهامات للنبي( ص), في شخصه أو رسالته; بل أجاب عن التصورات الخاطئة والمسيئة التي تعلقت بالله سبحانه وتعالي, بكل موضوعية, مع أن كل ذلك يدخل في المقدس عند المسلمين جميعا; فما بالك بما دون ذلك من القضايا؟! ويدعو السيد فضل الله إلي إبعاد مصطلح المقدس من حركة الحوار; لأن هذا المفهوم ملتبس في دلالاته, في حين أن المنطق العلمي الذي أكده القرآن, وتحركت به الرسالات جميعا, هو المنطق الذي يحرك مصطلحات الحجة والبرهان والدليل. رابعا: أن الصراحة العلمية ينبغي أن تأخذ مداها في جلسات الحوار الإسلامية, من دون حرج في إثارة أي من المواضيع الخلافية, ضمن ترتيب الأولويات التي لا يعيش معها الحوار غيبوبة فكرية بالنسبة إلي الواقع, بل يتحرك الواقع والفكر جنبا إلي جنب, في سبيل أن يكون للحوار صداه في الواقع, وحركته الواقعية في ساحة الفكر. خامسا: من الضروري الانتقال من الحوار المنطلق مما كتبه الماضون, من هذا المذهب أو ذاك, إلي الحوار بين المفكرين الإسلاميين المعاصرين; لأن كثيرا من الأفكار تجاه الآخر فرضتها تعقيدات حركة التاريخ في الماضي, أو ذهنيات الذين عاشوا فيه, مما بات الحاضر يختلف في نظرته الاجتهادية عنه; فإننا لا نري قداسة لفكر الماضين مهما بلغ شأنهم, وأن إبقاء الحوار في دائرة ما أنتجه الماضون لن يؤسس لحركة حوار جادة حية, بل يجعل الحوار يدخل في دائرة تسجيل النقاط من قبل كل فريق علي الآخر, ويأخذ الحاضر إلي أجواء التاريخ, من دون أن يحمل الحاضر ـ في عناصره التاريخية أو الاجتهادية ـ أي واقعية لذلك كله. سادسا: الابتعاد عن حالات المناكفات, وتسجيل النقاط المذهبية لهذا الفريق أو ذاك علي الآخر; وهذا ما يفترض دراسة الجدوي من التغطية الإعلامية لحركة الحوار, مما يمكن أن يحول الحوار إلي حالة إثارة عصبية, تثير الشارع الإسلامي مذهبيا, بدلا من أن تواكبه فكريا. سابعا: إن من أهم عناصر فشل المؤتمرات الحوارية السابقة, أو محدودية نتائجها في كسر الجليد المذهبي أو تخفيف الاحتقان في صورة مؤقتة, تمثل ـ بالإضافة إلي افتقادها المستوي الأعلي من الجدية ـ في عدم نزول النتائج الإيجابية لتلك الحوارات إلي الشارع, بحيث يعمل علي تحويلها ـ من خلال آليات التثقيف الشعبية ـ إلي ثقافة إسلامية جديدة, تضع الاختلاف مع الآخر في إطار الاجتهاد ضمن الإسلام, لا مقابله. ويري فضل الله أنه لا يجوز أن تبقي الازدواجية في حركة الحوار الإسلامي الإسلامي, بين القناعة التي تشكلها المؤتمرات, وبين الثقافة التي تنزل إلي المستوي الشعبي. وهذا ما يفترض أن يعيد تقويم كل حالات التثقيف التي يمارسها الدعاة والمثقفون الذين يقفون في حلقة وسيطة, بين القيادات الحوارية الإسلامية وبين الحالة الشعبية; لأننا قد نشعر بأن هناك بونا شاسعا بين نظرة تلك القيادات إلي الآخر في الإطار الإسلامي, وبين نظرة من يمارسون الوعظ والإرشاد ممن لا يزال يخضع للتكفير والتضليل بناء علي أمور باتت من مطويات الزمن. ويختتم فضل الله مبادرته بالإشارة إلي أن الاستكبار العالمي كله قد برز إلي الإسلام كله, في حملة متعددة الجوانب والأهداف, لا تقتصر علي الجوانب السياسية والأمنية فحسب, بل تؤسس لحركة تشويه ثقافية وفكرية تدخل المسلمين جميعا في ضبابية المفاهيم, بحيث يسهل علي المستكبرين والظالمين النفاذ إلي عمق الوجدان الإسلامي من خلال التأسيس لانقسامات ترتكز إلي الفهم الملتبس للآخر الذي يوضع في دائرة الكفر أو الضلال أو الشرك, ويكون حالنا انعكاسا للحديث الشريف: يوشك الأمم أن تداعي عليكم كما تداعي الأكلة إلي قصعتها. فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير, ولكنكم غثاء كغثاء السيل, ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم, وليقذفن في قلوبكم الوهن, فقال قائل: يا رسول الله, وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت[سنن أبي داود:4297/313/2]. الكاتب والمفكر المصري المتخصص بالشأن الشيعي شريف راشد الصدفي: استخلص من كلام السيد فضل الله محاور أساسية للحوار المدعو إليه أوجزها في: إخلاص النية- الكتاب والسنة هما الميزان حين الاختلاف- المنطق العلمي مناط البرهنة- استيعاب الحوار النخبوي للقوي الشعبية. ولكنه أضاف... نحن نري أن هذه الدعوة بتلك الشروط تندرج فقط تحت عنوان( النيات الطيبة) وهي ضرورية, ولكنها ليست أبدا كافية, لأسباب أوجزها في الآتي: -1 الاقتناع البرهاني لا يقود حتما إلي الاعتراف به أو السلوك بمقتضاه, كما قال الله تعالي في فرعون وعصبته:( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)( النمل-14), وإنما يتم تطويع وإعادة تشكيل الأبنية الفوقية الأيديولوجية في أنساق تعكس في بعض ظواهرها مستويات متعددة التشابك من المصالح بالأساس. ولنضرب مثلا علي ذلك بالموقف من حزب الله في تصديه العام الماضي للهجمة الصهيونية, فقد كانت غالبية القوي الشعبية مناصرة لحزب الله, بينما أفتي فقهاء السلاطين بحرمة ذلك. -2 القول باتخاذ السنة ميزانا مرجعيا عند الخلاف يعد قولا مرسلا ينطوي علي كثير من التناقض, فإنما السنة- وبالذات القولية منها- هي أحد بواعث الخلاف, فكيف يكون محل الخلاف ميزانا للخلاف ؟! -3 القول بالمنطق العلمي في الحوار الديني استخدام للمفهوم في غير محله; ففلسفة العلم الحديثة تذهب إلي اعتماد مفهوم' الاحتمالية' في مقابل' اليقين' الكلاسيكي, وأن المقدمات المنطقية الواحدة لا تقود بالضرورة إلي نتائج واحدة, بينما الدين يعتمد بالأساس علي' اليقين النصي'. -4 العلاقة الجدلية المدعو إليها لأطروحات الحوار بين النخبة والقوي الشعبية من المحال أن تتم في ظل مجتمعات يهيمن عليها الاستبداد. من أجل ذلك, فمن غير المجدي الدعوة لمثل هذه الحوارات المفتقدة للشروط الضرورية لنجاحها, وربما كان الأكثر جدوي العمل علي إيجاد المناخ العام الكفيل باحتضانها, وربما يمثل الآتي خطوات علي الطريق: أ- السعي الدءوب لإقامة الأنظمة الديمقراطية التي توفر الحريات اللازمة لتفاعل مجتمعي مثمر, والتي تمكن الطليعة أو النخبة من تفعيل قدراتها بين القوي الشعبية. ب- الاتفاق علي ضوابط مشتركة لصحة الأحاديث النبوية, ومن ثم, جمع المتفق عليه بحيث يشكل الأساس المرجعي للحوار.
|