الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3في بادرة هي الأولي في تاريخ العلاقات بين المذاهب الإسلامية

فضل الله يدعو إلي حوار بين الشيعة والوهابية

السبت 18 / 8 / 2007

إلهامي المليجي


ما يقرب من قرن من الزمان مر علي دعوة محمد بن عبدالوهاب‏,‏ والتي يعتبرها البعض أكثر الفرق السنية غلوا وتطرفا‏,‏ خصوصا فيما يتعلق منها بالموقف لآل البيت وأضرحتهم التي تحتل موقعا يقترب من القداسة في العقيدة الشيعية‏,‏ مما خلق فجوة واسعة بين الطرفين‏.‏
أوائل الأسبوع المنصرم أطلق المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله دعوة للحوار بين الشيعة والوهابية علي قاعدة إبعاد مصطلح المقدس عن الحوار الإسلامي‏,‏ وتلك الدعوة تمثل إضافة جديدة في مبادرات واجتهادات السيد فضل الله في إطار وحدة المذاهب الإسلامية‏.‏
سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله من المراجع الدينية الشيعية المهتمة بوحدة الأمة الإسلامية‏,‏ ومن أكثر علماء الدين التزاما وأخذا بالمنهج العلمي‏,‏ والمنهج التوحيدي‏,‏ ويبتعد عن القضايا الخلافية‏,‏ وله العديد من الآراء الواضحة والمحددة في القضايا التي تثير لبسا وغموضا‏,‏ وفي هذا الإطار دعا إلي حوار جدي بين الشيعة والوهابية‏,‏ حيث أثارت تلك الدعوة ردود فعل متباينة ومرشحة لكثير من ردود الفعل الأخري لما تمثله الدعوة ومصدرها‏.‏
فقد حذر سماحته من أن الظروف التي تمر بها الأمة هي من أخطر الظروف وأعقدها‏,‏ محذرا من الإيحاء الأمريكي بأن هناك دولا تحمل عنوان‏'‏ السنة‏'‏ تقف في مواجهة آخرين يحملون عنوان‏'‏ الشيعة‏'.‏
وأكد سماحته ضرورة قيام حوار جدي بين المسلمين بعدما تحولت المؤتمرات إلي مجاملات أو مناكفات‏,‏ داعيا إلي حوار جدي بين الوهابية والشيعة‏.‏
وشدد سماحته علي إبعاد مصطلح المقدس عن حركة الحوار‏,‏ لأن هذا المفهوم ملتبس‏,‏ في حين أن المنطق الذي حركه القرآن هو منطق الحجة والبرهان‏...‏
وتناول سماحته فشل الحركات والمؤتمرات الحوارية في تعزيز الوحدة الإسلامية‏...‏ قائلا‏:‏ شكل عنوان الحوار ـ أخيرا ـ أساسا لانعقاد كثير من المؤتمرات العالمية‏,‏ ولاسيما في مسألة حوار الأديان‏,‏ وذلك بعد التعقيدات السياسية والاجتماعية التي انعكست سلبا علي علاقة المنتمين للأديان والمذاهب بعضهم ببعض‏.‏
وفي الوقت الذي يؤكد السيد فضل الله أهمية العمل للحوار‏,‏ وخصوصا بين الأديان والمذاهب‏,‏ علي المستويين العالمي والمحلي‏;‏ إلا أنه يشير إلي أن مفردة الحوار دخلت في إطار الاستهلاك السياسي والإعلامي‏,‏ كما باتت المؤتمرات والندوات التي تعقد هنا وهناك‏,‏ تتحرك في إطار المجاملات والشكليات‏,‏ والتي تكون الغاية منها إعلامية محدودة‏,‏ خدمة لهدف سياسي‏,‏ أو تخلصا من بعض الضغوط التي تتحرك من خلال حركة الصراعات بين الدول علي المسرح العالمي‏.‏
ويري فضل الله أنه في هذه الظروف التي تمر بها أمتنا الإسلامية‏,‏ والتي هي من أعقد الظروف وأخطرها في كل تاريخ المنطقة‏,‏ والتي اندفعت فيها الدول المستكبرة نحو تقسيم الأمة علي أساس مذهبي‏,‏ تبعا لأغراض سياسية خطيرة تخدم المشروع الصهيوني ـ الأمريكي‏;‏ حتي بات الإيحاء السياسي‏,‏ بأن هناك دولا تحمل عنوان السنة تقف في مواجهة آخرين يحملون عنوان الشيعة‏,‏ وقد يصور الشيعة أنهم يدعمون ذلك المشروع في موقع‏,‏ أو يصور السنة أنهم يدعمونه في موقع آخر‏;‏ في الوقت الذي نجد فيه أن السنة والشيعة في العمق ينطلقان من حالة الرفض للاحتلال وكل مشاريعه التي يراد لها أن تتحرك في المنطقة‏..‏
وطالب فضل الله بضرورة العمل لحوار يتحرك علي المستوي الميداني في شكل فاعل منتج‏,‏ في حركة المفكرين والمثقفين‏,‏ السنة والشيعة‏,‏ بحيث لا يأتي الحوار استجابة لحاجات سياسية ظرفية ترتبط بحركة الأنظمة أو السياسات الدولية‏,‏ بل ينطلق من الحالة الثقافية الفكرية التي تري في الحوار حركة في الانفتاح الثقافي والفكري الذي يرتكز علي الروح العلمية والموضوعية‏.‏
ويري العلامه فضل الله أن أي نجاح لحالات الحوار الإسلامي‏-‏الإسلامي لا يمكن أن يتحقق ما لم تتوافر الأمور التالية‏:‏
أولا‏:‏ توافر النيات الصادقة التي ترتكز إلي المنهج القرآني في الحوار‏,‏ والذي بينه قوله تعالي‏:‏ وإنا أو إياكم لعلي هدي أو في ضلال مبين‏[‏ سبأ‏:24],‏ والذي تغيب معه الذات المحاورة‏;‏ لتحل محلها الروح الحوارية التي تري أن الحقيقة هدف للمحاورين‏,‏ وأن الحوار يمثل حركة في البحث المشترك عنها‏.‏
ثانيا‏:‏ أن يشكل الحوار أولوية إسلامية عامة تشمل جميع المذاهب دون استثناء‏,‏ بما فيها تلك التي تدخل العلاقات فيما بينها في سلسلة من التعقيدات العقيدية التي تصل إلي درجة التكفير أو التضليل‏.‏ وعلي هذا الأساس يجب أن يتحرك الحوار الجدي بين المسلمين الشيعة ـ بخاصة ـ وبين التيارات السلفية‏,‏ وخصوصا الوهابية التي تتحرك بعض آرائها الاجتهادية في شكل حاد‏,‏ سواء بالنسبة للشيعة أم لبعض السنة‏,‏ مما يمكن أن تخف حدته من خلال الانفتاح الفكري والثقافي المرتكز علي أساس قوله تعالي‏:‏ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول‏[‏ النساء‏:59],‏ بحيث يكون كتاب الله وسنة نبيه الميزان في حركة الحوار حول القضايا الخلافية‏.‏
ثالثا‏:‏ أن يتحرك الحوار بشكل مفتوح‏,‏ فلا تحول أية مقدسات مذهبية دون انطلاقه‏;‏ لأن الحوار المنتج والجاد هو الحوار الذي يتحرك من دون حواجز مسبقة‏,‏ وإنما يتحرك علي هدي قوله تعالي‏:‏ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين‏[‏ البقرة‏:111];‏ وهذا هو الذي تحرك به القرآن‏,‏ في تعامله مع القضايا التي كان يطرحها المشركون أو غيرهم‏,‏ حيث تناول القرآن كل ما كان يصدر من اتهامات للنبي‏(‏ ص‏),‏ في شخصه أو رسالته‏;‏ بل أجاب عن التصورات الخاطئة والمسيئة التي تعلقت بالله سبحانه وتعالي‏,‏ بكل موضوعية‏,‏ مع أن كل ذلك يدخل في المقدس عند المسلمين جميعا‏;‏ فما بالك بما دون ذلك من القضايا؟‏!‏
ويدعو السيد فضل الله إلي إبعاد مصطلح المقدس من حركة الحوار‏;‏ لأن هذا المفهوم ملتبس في دلالاته‏,‏ في حين أن المنطق العلمي الذي أكده القرآن‏,‏ وتحركت به الرسالات جميعا‏,‏ هو المنطق الذي يحرك مصطلحات الحجة والبرهان والدليل‏.‏
رابعا‏:‏ أن الصراحة العلمية ينبغي أن تأخذ مداها في جلسات الحوار الإسلامية‏,‏ من دون حرج في إثارة أي من المواضيع الخلافية‏,‏ ضمن ترتيب الأولويات التي لا يعيش معها الحوار غيبوبة فكرية بالنسبة إلي الواقع‏,‏ بل يتحرك الواقع والفكر جنبا إلي جنب‏,‏ في سبيل أن يكون للحوار صداه في الواقع‏,‏ وحركته الواقعية في ساحة الفكر‏.‏
خامسا‏:‏ من الضروري الانتقال من الحوار المنطلق مما كتبه الماضون‏,‏ من هذا المذهب أو ذاك‏,‏ إلي الحوار بين المفكرين الإسلاميين المعاصرين‏;‏ لأن كثيرا من الأفكار تجاه الآخر فرضتها تعقيدات حركة التاريخ في الماضي‏,‏ أو ذهنيات الذين عاشوا فيه‏,‏ مما بات الحاضر يختلف في نظرته الاجتهادية عنه‏;‏ فإننا لا نري قداسة لفكر الماضين مهما بلغ شأنهم‏,‏ وأن إبقاء الحوار في دائرة ما أنتجه الماضون لن يؤسس لحركة حوار جادة حية‏,‏ بل يجعل الحوار يدخل في دائرة تسجيل النقاط من قبل كل فريق علي الآخر‏,‏ ويأخذ الحاضر إلي أجواء التاريخ‏,‏ من دون أن يحمل الحاضر ـ في عناصره التاريخية أو الاجتهادية ـ أي واقعية لذلك كله‏.‏
سادسا‏:‏ الابتعاد عن حالات المناكفات‏,‏ وتسجيل النقاط المذهبية لهذا الفريق أو ذاك علي الآخر‏;‏ وهذا ما يفترض دراسة الجدوي من التغطية الإعلامية لحركة الحوار‏,‏ مما يمكن أن يحول الحوار إلي حالة إثارة عصبية‏,‏ تثير الشارع الإسلامي مذهبيا‏,‏ بدلا من أن تواكبه فكريا‏.‏
سابعا‏:‏ إن من أهم عناصر فشل المؤتمرات الحوارية السابقة‏,‏ أو محدودية نتائجها في كسر الجليد المذهبي أو تخفيف الاحتقان في صورة مؤقتة‏,‏ تمثل ـ بالإضافة إلي افتقادها المستوي الأعلي من الجدية ـ في عدم نزول النتائج الإيجابية لتلك الحوارات إلي الشارع‏,‏ بحيث يعمل علي تحويلها ـ من خلال آليات التثقيف الشعبية ـ إلي ثقافة إسلامية جديدة‏,‏ تضع الاختلاف مع الآخر في إطار الاجتهاد ضمن الإسلام‏,‏ لا مقابله‏.‏
ويري فضل الله أنه لا يجوز أن تبقي الازدواجية في حركة الحوار الإسلامي الإسلامي‏,‏ بين القناعة التي تشكلها المؤتمرات‏,‏ وبين الثقافة التي تنزل إلي المستوي الشعبي‏.‏ وهذا ما يفترض أن يعيد تقويم كل حالات التثقيف التي يمارسها الدعاة والمثقفون الذين يقفون في حلقة وسيطة‏,‏ بين القيادات الحوارية الإسلامية وبين الحالة الشعبية‏;‏ لأننا قد نشعر بأن هناك بونا شاسعا بين نظرة تلك القيادات إلي الآخر في الإطار الإسلامي‏,‏ وبين نظرة من يمارسون الوعظ والإرشاد ممن لا يزال يخضع للتكفير والتضليل بناء علي أمور باتت من مطويات الزمن‏.‏
ويختتم فضل الله مبادرته بالإشارة إلي أن الاستكبار العالمي كله قد برز إلي الإسلام كله‏,‏ في حملة متعددة الجوانب والأهداف‏,‏ لا تقتصر علي الجوانب السياسية والأمنية فحسب‏,‏ بل تؤسس لحركة تشويه ثقافية وفكرية تدخل المسلمين جميعا في ضبابية المفاهيم‏,‏ بحيث يسهل علي المستكبرين والظالمين النفاذ إلي عمق الوجدان الإسلامي من خلال التأسيس لانقسامات ترتكز إلي الفهم الملتبس للآخر الذي يوضع في دائرة الكفر أو الضلال أو الشرك‏,‏ ويكون حالنا انعكاسا للحديث الشريف‏:‏ يوشك الأمم أن تداعي عليكم كما تداعي الأكلة إلي قصعتها‏.‏ فقال قائل‏:‏ أومن قلة نحن يومئذ؟ قال‏:‏ بل أنتم يومئذ كثير‏,‏ ولكنكم غثاء كغثاء السيل‏,‏ ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم‏,‏ وليقذفن في قلوبكم الوهن‏,‏ فقال قائل‏:‏ يا رسول الله‏,‏ وما الوهن؟ قال‏:‏ حب الدنيا وكراهية الموت‏[‏سنن أبي داود‏:4297/313/2].‏
الكاتب والمفكر المصري المتخصص بالشأن الشيعي شريف راشد الصدفي‏:‏ استخلص من كلام السيد فضل الله محاور أساسية للحوار المدعو إليه أوجزها في‏:‏ إخلاص النية‏-‏ الكتاب والسنة هما الميزان حين الاختلاف‏-‏ المنطق العلمي مناط البرهنة‏-‏ استيعاب الحوار النخبوي للقوي الشعبية‏.‏ ولكنه أضاف‏...‏
نحن نري أن هذه الدعوة بتلك الشروط تندرج فقط تحت عنوان‏(‏ النيات الطيبة‏)‏ وهي ضرورية‏,‏ ولكنها ليست أبدا كافية‏,‏ لأسباب أوجزها في الآتي‏:‏
‏-1‏ الاقتناع البرهاني لا يقود حتما إلي الاعتراف به أو السلوك بمقتضاه‏,‏ كما قال الله تعالي في فرعون وعصبته‏:(‏ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا‏)(‏ النمل‏-14),‏ وإنما يتم تطويع وإعادة تشكيل الأبنية الفوقية الأيديولوجية في أنساق تعكس في بعض ظواهرها مستويات متعددة التشابك من المصالح بالأساس‏.‏ ولنضرب مثلا علي ذلك بالموقف من حزب الله في تصديه العام الماضي للهجمة الصهيونية‏,‏ فقد كانت غالبية القوي الشعبية مناصرة لحزب الله‏,‏ بينما أفتي فقهاء السلاطين بحرمة ذلك‏.‏
‏-2‏ القول باتخاذ السنة ميزانا مرجعيا عند الخلاف يعد قولا مرسلا ينطوي علي كثير من التناقض‏,‏ فإنما السنة‏-‏ وبالذات القولية منها‏-‏ هي أحد بواعث الخلاف‏,‏ فكيف يكون محل الخلاف ميزانا للخلاف ؟‏!‏
‏-3‏ القول بالمنطق العلمي في الحوار الديني استخدام للمفهوم في غير محله‏;‏ ففلسفة العلم الحديثة تذهب إلي اعتماد مفهوم‏'‏ الاحتمالية‏'‏ في مقابل‏'‏ اليقين‏'‏ الكلاسيكي‏,‏ وأن المقدمات المنطقية الواحدة لا تقود بالضرورة إلي نتائج واحدة‏,‏ بينما الدين يعتمد بالأساس علي‏'‏ اليقين النصي‏'.‏
‏-4‏ العلاقة الجدلية المدعو إليها لأطروحات الحوار بين النخبة والقوي الشعبية من المحال أن تتم في ظل مجتمعات يهيمن عليها الاستبداد‏.‏
من أجل ذلك‏,‏ فمن غير المجدي الدعوة لمثل هذه الحوارات المفتقدة للشروط الضرورية لنجاحها‏,‏ وربما كان الأكثر جدوي العمل علي إيجاد المناخ العام الكفيل باحتضانها‏,‏ وربما يمثل الآتي خطوات علي الطريق‏:‏
أ‏-‏ السعي الدءوب لإقامة الأنظمة الديمقراطية التي توفر الحريات اللازمة لتفاعل مجتمعي مثمر‏,‏ والتي تمكن الطليعة أو النخبة من تفعيل قدراتها بين القوي الشعبية‏.‏
ب‏-‏ الاتفاق علي ضوابط مشتركة لصحة الأحاديث النبوية‏,‏ ومن ثم‏,‏ جمع المتفق عليه بحيث يشكل الأساس المرجعي للحوار‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 18 / 8 / 2007
رقم العـدد
543
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg