|
أسماء الحسيني هل ينهي قبول السودان لدخول26 ألف جندي ورجل شرطة إلي دارفور قبل نهاية العام الحالي بموجب قرار مجلس الأمن الأخير الأزمة بينه وبين المجتمع الدولي؟ وهل يقود القرار الذي جاء وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة إلي حل نهائي للأزمة بدارفور التي طال أمدها, ويتم تصعيدها علي أوسع نطاق عالمي؟ أم أن القرار الدولي ما هو إلا حلقة من حلقات الضغط علي السودان وستكون له عواقبه في مقبل الأيام إذا ما تم توسيع التفويض الممنوح للقوات الدولية؟ وإلي أين تقود الدعوة التي انطلقت أخيرا من أجل حصول إقليم دارفور علي حق تقرير المصير؟ وهل تجد من يتلقفها لتنمو وتتضاعف مثل كرة الثلج أو بالأصح كرة النار لتحرق بلهيبها وحدة السودان وحاضره ومستقبله؟ أم أنها مجرد مزايدات سياسية للضغط علي الحكومة وتحقيق مكاسب قبيل الدخول للمفاوضات مع الحكومة السودانية؟ وبرغم أن قرار مجلس الأمن رقم1769 قد قوبل بترحاب دولي وإقليمي بحسبانه ينهي الأزمة التي كانت تنذر بمواجهة بين السودان و المجتمع الدولي, وبرغم اعتبار الحكومة السودانية أن القرار انتصار دبلوماسي لها, وأنه لبي بعد مطالبها بإلغائه للعبارات التجريمية الصادرة بحقها وبتقييده لبعض استخدامات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وجعله استخدام تلك القوات الدولية التي تعد الأضخم علي الإطلاق في تاريخ المنظمة الدولية للقوة, إلا أن القرار وتنفيذه برغم ذلك يظل محاطا بكثير من الهواجس والمخاوف بشأن تنفيذه وإمكانية توسيع نطاق الصلاحيات والتفويض الممنوح لتلك القوات مستقبلا. كما أن القرار ليس بالطبع حلا سحريا أو نهاية المطاف لمشكلة دارفور, فمازال الأمر يحتاج إلي تسوية سياسية واتفاق سلام أشمل من اتفاق أبوجا للسلام الذي تم توقيعه بين الحكومة السودانية وفصيل واحد من المتمردين في مايو عام2006, وذلك قبل أن يحين موعد وصول تلك القوات الدولية, حتي تبقي مهمتها محصورة في حفظ السلام ولاتنحرف عن مسارها. لأنه في حال وصول تلك القوات بدون التوصل إلي اتفاق سلام متراض عليه ويتمتع بالقبول من قبل القاعدة العريضة في الإقليم ومن الحكومة السودانية أيضا ستكون الأوضاع صعبة للغاية, وستجد تلك القوات نفسها في موقف مأساوي في أرضية ملغمة وغير ممهدة تعرقلها عن أداء مهامها أو تحرفها عنها, وهو ما يضر بالأطراف جميعا وبالسلم والأمن في المنطقة والعالم وبالطبع بالسودان كله حاضرا ومستقبلا. إذ يمكن وقتها للميليشيات التابعة للحكومة أو للفصائل المتمردة العمل علي إشاعة الفوضي في منطقة رخوة وحدود مفتوحة علي نمو الإرهاب وربما جذب تنظيم القاعدة. ولعل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والدول الكبري الآن هي أكثر إدراكا لهذه المخاطر وكذلك الأطراف السودانية, ولعل هذا ما يدفعهم جميعا إلي مساع حثيثة من أجل التوصل إلي اتفاق سياسي شامل تأتي هذه القوات لمراقبته, لكن التوصل لهذا الاتفاق مازال أمرا تكتنفه العديد من الصعوبات, وذلك برغم نجاح الاجتماعات التي عقدت بمدينة أروشا بتنزانيا وأسفرت عن اتفاق مبدئي مشترك للتفاوض بين8 من الفصائل المسلحة بدارفور, واتفاقها علي بدء المفاوضات مع الحكومة في غضون الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة. والإيجابي في هذا الاتفاق الأخير أن الباب مفتوح للفصائل الأخري التي لم تشارك, وفي مقدمتها فصيل عبدالواحد محمد نور, زعيم فصيل لحركة تحرير السودان, ويبقي نجاح المفاوضات مرهون بتوحيد رؤي وبرامج تلك الحركات التي تشرذمت من صفوفها بشكل خطير. ومازال البون شاسعا بين مواقف الحركات المسلحة في دارفور والحكومة السودانية, فالأولي تريد الحصول علي نصيب في السلطة والثروة يوازي نسبة عدد سكان دارفور الذي يقدرونه بخمس عدد سكان السودان, كما يرغبون في عودة ولايات دارفور الثلاث إلي إقليم واحد, بالإضافة إلي دفع التعويضات للنازحين واللاجئين للعودة إلي مناطقهم وقراهم, والحصول علي منصب نائب للرئيس, وهذه المطالب يراها المؤتمر الوطني الحاكم خرقا لاتفاق' نيفاشا' للسلام بينه وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي منحه%52 من السلطة. الخطير في الأمر والجديد فيه في آن واحد هو هذه الدعوة التي أطلقت أخيرا علي ألسنة بعض المنتسبين لحركات التمرد بدارفور ممن أسموا أنفسهم بجبهة استقلال دارفور وجيش استقلال دارفور. وقالت هذه الجبهة إن تقرير المصير هو الحل الوحيد العملي لوضع حل نهائي لمشكلة دارفور, وإن ممارسة هذا الحق يمثل ضمانا ذاتيا قويا لديمومة أي حل شامل ويشكل الوسيلة الفاعلة والوحيدة والسريعة لتمكن أهل دارفور من حكم أنفسهم في مجتمع يسوده العدل والمساواة والوحدة والإخاء والحرية والديمقراطية. وذكرت الجبهة في بيان لها أن ما دفعها إلي المطالبة بحق تقرير المصير هو فشل جميع المحاولات السابقة لحل مشكلة دارفور في إطار الدولة السودانية, وأن المطالب الحالية لمؤيدي اتفاق أبوجا ورافضيه لو تحققت في ظل خلل بنيوي للدولة السودانية لن تغيرمن الواقع لأنها ستكون مجرد إجراءات ترقيعية واستحالة البقاء في دولة ما أسموها بالوحدة القسرية في السودان الذي تنطبق عليها جميع مؤشرات الدولة الفاشلة, ولأن دارفور من وجهة نظرهم منفصلة عن السودان النيلي سياسيا واقتصاديا ونفسيا ووجدانيا بسبب الظلم والتهميش والاستعلاء والإقصاء. وناشد قائد الجبهة إدريس إبراهيم أزرق وهو منشق عن حركة العدل والمساواة أبناء دارفور والفصائل المسلحة بالإقليم بتبني حق تقرير المصير لشعب دارفور كحد أدني للوصول إلي أي اتفاق سلام, كما ناشد الشعب السوداني بكل فئاته وأحزابه السياسية بدعم شعب دارفور في ممارسة حق تقرير المصير, وناشد كذلك المجتمع الدولي بمختلف تشكيلاته من دول ومنظمات دولية وإقليمية لدعم ممارسة شعب دارفور هذا الحق. فهل تتوقف هذه الدعوة علي كونها مجرد مزايدات سياسية وأداة للضغط علي الحكومة السودانية من أجل الاستجابة لمطالب الحركات المسلحة بدارفور؟ أم تتصاعد الأمور وتتلقف جهات خارجية هذه الدعوة بشأن دارفور مثلما تلقفتها من قبل بشأن جنوب السودان؟ يبدو أن هذه الدعوة لاقت صدي طيبا في الخارج برغم أنها أطلقت منذ أيام معدودات, وقد أخبرني بعض أبناء الحركات المسلحة في دارفور عن استبيانات أرسلت إليهم عبر بريدهم الإلكتروني تسألهم عن مدي إيمانهم بإمكانية تحقق انفصال دارفور ومدي إمكانية أن تكون دارفور دولة مستقلة من وجهة نظرهم. والبقية تأتي.. ومعظم النار من مستصغر الشرر!!
|