الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

مطبات من زمن مكايدة
الخصوم السياسيين‏!‏

السبت 18 / 8 / 2007

صلاح عيسي


تعودت أن آخذ اتهامات الخصوم السياسيين لبعضهم البعض بالخيانة والعمالة والقبض من السفارات‏,‏ بحذر شديد‏,‏ وألا أصدقها إلا إذا اقترنت بدلائل قوية‏,‏ انطلاقا من قناعتي التامة‏,‏ بأن السياسة‏,‏ إذا كانت في كل بلاد العالم بلا قلب ولا ضمير‏,‏ فإنها في بلادنا ـ كما قال مكرم عبيد ـ بلا عقل أيضا‏.‏
وربما لهذا السبب أتابع بحذر شديد حرب التشهير بين منظمتي فتح وحماس بعد أن اقتسمت الاثنتان حكم الأرض المحتلة‏,‏ تحت السيادة الإسرائيلية‏,‏ وتفرغتا لتبادل الاتهامات بأن كلا منهما عميل إسرائيلي‏..‏ وكان آخر فصول هذه الحرب‏,‏ إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية في الأسبوع الماضي‏,‏ القبض علي أحد كوادر حماس البارزين‏,‏ بتهمة التجسس لإسرائيل‏,‏ وهو ما نفته حماس مؤكدة بأنه من الإخوة المجاهدين الأبرار وأنها لا تزكي علي الله أحدا‏!‏
ذكرتني هذه الواقعة بـ قضية الوثائق المزورة‏,‏ وهي واحدة من القضايا السياسية التي أثارت ضجة واسعة أيامها‏,‏ وكشفت إلي أي مدي يمكن أن تدفع الخصومة السياسية‏,‏ كبار الساسة‏,‏ إلي الوقوع في مآزق تجعلهم صيدا لكبار المزورين‏.‏
وأصل الحكاية يعود إلي بداية عام‏1950,‏ حين اكتسح حزب الوفد ـ في الانتخابات التي جرت آنذاك ـ خصومه من أحزاب الأقليات السياسية المتحالفة مع القصر الملكي‏,‏ وشكل مصطفي النحاس وزارته السادسة والأخيرة‏,‏ فطار صواب خصومه‏,‏ الذين كانوا يحكمون طوال الأعوام الخمسة السابقة‏,‏ وبدأوا سلسلة من المناورات السياسية تستهدف إحراج الحكومة لأنها فازت عليهم‏,‏ وللقصر الملكي لأنه تخلي عنهم‏,‏ والإيقاع بين الطرفين‏,‏ لعل الله يرزقهم بأزمة تطيح بالحكومة فيحلون محلها‏.‏
وفي فبراير‏1951,‏ اتصل ضابط كان يعمل بإدارة المخابرات الحربية بالجيش المصري قبل إحالته للمعاش‏,‏ هو الأميرالاي العميد محمد سليمان هجرس‏,‏ بزميل له‏,‏ هو اللواء حسن عبدالوهاب باشا ـ الذي كان قد انضم إلي حزب الأحرار الدستوريين بعد إحالته إلي المعاش هو الآخر‏,‏ وأصبح عضوا بمجلس الشيوخ ـ وأطلعه علي نص خطاب أرسله النحاس باشا إلي المسيتوكوكتيف ـ السكرتير الأول بالمفوضية الروسية بالقاهرة ـ يذكر فيه أنه قليل الرجاء في الاتفاق مع الإنجليز‏,‏ وأنه متي تحقق من إخفاق المحادثات معهم‏,‏ فسوف يتعاون مع السوفيت ويشكر ـ في نهايته ـ المفوضية علي المعاونة المادية التي قدمتها لحزب الوفد أقوي هيئة شعبية في البلاد‏.‏
وقال هجرس إن أحد موظفي المفوضية الروسية‏,‏ هو الذي نقل الخطاب بخط يده عن الأصل المودع بملفاتها‏,‏ وهو مكتوب علي الآلة الكاتبة‏,‏ ويحمل توقيع النحاس‏..‏ وعلي الفور عرض عبدالوهاب باشا النص علي الدكتور محمد حسنين هيكل باشا ـ رئيس حزب الأحرار الدستوريين ـ مشفوعا باستعداد هجرس لإحضار الأصل لتصويره وإعادته إلي مكانه مقابل مكافأة مالية لا تزيد علي خمسين جنيها فقط‏,‏ في حالة إذا ما قدر زعيم المعارضة‏,‏ أن في ذلك فائدة سياسية‏..‏
وتحمس الدكتور هيكل باشا للفكرة‏,‏ وكلف ابن عم له يتقن التصوير‏,‏ بأن ينقل صورة فوتوغرافية من أصل الخطاب‏,‏ ما كاد يطلع عليها‏,‏ حتي جزم بأن التوقيع هو توقيع النحاس الذي يعرفه‏..‏ وبعد أيام جاء هجرس بأصل خطاب آخر‏,‏ أخطر من الأول‏,‏ فهو لا يؤكد فحسب كل ما جاء فيه‏,‏ بل ويضيف إليه عبارة يقول فيها النحاس إنه يشعر بأن تعديلا مهما سيجري في القيادة‏,‏ وأنه سيبذل جهوده لمنع هذا التعديل‏.‏
ومن بين الخيارات الكثيرة التي كانت مطروحة لاستعمال الخطابين ضد الحكومة‏,‏ ومنها تقديم استجواب بشأنهما في البرلمان‏,‏ أو تقديم بلاغ للنيابة العامة أو نشرهما في الصحف‏,‏ اختار الأحرار الدستوريون ـ بعد مداولات طويلة بين أقطابهم ـ تقديمها للقصر الملكي‏..‏ وبالفعل عرضها علوبة باشا علي رئيس الديوان الملكي حسن يوسف باشا طالبا مضاهاة توقيع النحاس عليهما‏,‏ مما لدي الديوان من أوراق رسمية‏,‏ تحمل توقيعه‏..‏ وبعد عدة أسابيع أعاد رئيس الديوان الوثيقتين للأحرار الدستوريين وأبلغهم أن المضاهاة الفنية كشفت عن أنهما مزورتان‏..‏ وظن هيكل باشا أن الموضوع قد انتهي إلي هذا الحد‏..‏ لكن مفاجأته كانت كاملة‏,‏ حين زاره النائب العام في منزله‏,‏ ليأخذ أقواله في بلاغ تقدم به النحاس وإبراهيم فرج يتهمانه فيه بأنه قدم للقصر الملكي أوراقا مزورة ضدهما مع علمه بتزويرها ثم يخرج من بين أوراقه صورة من الخطابين‏,‏ غير التي أعادها إليه رئيس الديوان‏!‏
وكان طبيعيا أن يقود التحقيق مع الباشاوات الثلاثة إلي هجرس‏,‏ الذي اعترف بأن الذي زوده بالوثائق ليس موظفا بالمفوضية الروسية‏,‏ ولكنه موظف بالسكة الحديد‏,‏ هو عبدالعزيز جادالحق وبتفتيش منزله وجدت الشرطة غرفة مليئة بالأوراق المزورة‏,‏ من بينها أصول الخطابين اللذين بيعا لحزب الأحرار‏.‏
وقدم جاد الحق ـ الذي تبين أنه مزور لاعلاقة له بالحق ـ إلي المحاكمة‏,‏ هو وزميله هجرس وحفظ التحقيق بالنسبة للباشاوات الثلاثة‏.‏ ومات هيكل باشا ـ عام‏1955‏ ـ من دون أن يعرف الطريقة التي وصلت بها الوثائق المزورة إلي النحاس وأنحي باللائمة في ذلك علي حسن يوسف باشا‏,‏ الذي كشف السر في مذكراته التي نشرت عام‏1982‏ م فقال إنه فوجيء ذات يوم بالملك يزوره في منزله ـ وبصحبته مستشاره الصحفي كريم ثابت ـ ليعيد إليه الوثيقتين‏,‏ ويطلب إليه ردهما إلي الأحرار الدستوريين‏,‏ ثم يضيف‏:‏ لقد صورناهما‏..‏ ولدينا مفاجأة سارة لأصحابك‏.‏
وفي اليوم التالي حمل المستشار الصورة إلي رئيس الوزراء ومنه إلي النائب العام‏..‏ وبذلك رد الملك فاروق الصفعة لأحزاب المعارضة‏,‏ التي كانت تناوئه علي سبيل الابتزاز لأنه تخلي عنها‏,‏ وتحالف مع العدو المشترك للطرفين‏,‏ حتي أفقدتها الرغبة في الكيد لخصومها كل حذر وأوقعتها بين براثن المزورين‏.‏
أما جاد الحق فقد مات من دون أن يعرف أحد‏,‏ هل زور الوثائق لحسابه؟ أم أنه كان يعمل منذ البداية لحساب القصر الملكي‏,‏ وكان طرفا في مؤامرة محبوكة لإحراج المعارضة وإيقاعها في الفخ؟‏!!‏
إنها السياسة التي لا قلب لها ولا ضمير في كل بلاد الدنيا‏,‏ أما في أمتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة‏,‏ فهي بلا ضمير‏..‏ كذلك‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 18 / 8 / 2007
رقم العـدد
543
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg