|
صلاح عيسي تعودت أن آخذ اتهامات الخصوم السياسيين لبعضهم البعض بالخيانة والعمالة والقبض من السفارات, بحذر شديد, وألا أصدقها إلا إذا اقترنت بدلائل قوية, انطلاقا من قناعتي التامة, بأن السياسة, إذا كانت في كل بلاد العالم بلا قلب ولا ضمير, فإنها في بلادنا ـ كما قال مكرم عبيد ـ بلا عقل أيضا. وربما لهذا السبب أتابع بحذر شديد حرب التشهير بين منظمتي فتح وحماس بعد أن اقتسمت الاثنتان حكم الأرض المحتلة, تحت السيادة الإسرائيلية, وتفرغتا لتبادل الاتهامات بأن كلا منهما عميل إسرائيلي.. وكان آخر فصول هذه الحرب, إعلان السلطة الوطنية الفلسطينية في الأسبوع الماضي, القبض علي أحد كوادر حماس البارزين, بتهمة التجسس لإسرائيل, وهو ما نفته حماس مؤكدة بأنه من الإخوة المجاهدين الأبرار وأنها لا تزكي علي الله أحدا! ذكرتني هذه الواقعة بـ قضية الوثائق المزورة, وهي واحدة من القضايا السياسية التي أثارت ضجة واسعة أيامها, وكشفت إلي أي مدي يمكن أن تدفع الخصومة السياسية, كبار الساسة, إلي الوقوع في مآزق تجعلهم صيدا لكبار المزورين. وأصل الحكاية يعود إلي بداية عام1950, حين اكتسح حزب الوفد ـ في الانتخابات التي جرت آنذاك ـ خصومه من أحزاب الأقليات السياسية المتحالفة مع القصر الملكي, وشكل مصطفي النحاس وزارته السادسة والأخيرة, فطار صواب خصومه, الذين كانوا يحكمون طوال الأعوام الخمسة السابقة, وبدأوا سلسلة من المناورات السياسية تستهدف إحراج الحكومة لأنها فازت عليهم, وللقصر الملكي لأنه تخلي عنهم, والإيقاع بين الطرفين, لعل الله يرزقهم بأزمة تطيح بالحكومة فيحلون محلها. وفي فبراير1951, اتصل ضابط كان يعمل بإدارة المخابرات الحربية بالجيش المصري قبل إحالته للمعاش, هو الأميرالاي العميد محمد سليمان هجرس, بزميل له, هو اللواء حسن عبدالوهاب باشا ـ الذي كان قد انضم إلي حزب الأحرار الدستوريين بعد إحالته إلي المعاش هو الآخر, وأصبح عضوا بمجلس الشيوخ ـ وأطلعه علي نص خطاب أرسله النحاس باشا إلي المسيتوكوكتيف ـ السكرتير الأول بالمفوضية الروسية بالقاهرة ـ يذكر فيه أنه قليل الرجاء في الاتفاق مع الإنجليز, وأنه متي تحقق من إخفاق المحادثات معهم, فسوف يتعاون مع السوفيت ويشكر ـ في نهايته ـ المفوضية علي المعاونة المادية التي قدمتها لحزب الوفد أقوي هيئة شعبية في البلاد. وقال هجرس إن أحد موظفي المفوضية الروسية, هو الذي نقل الخطاب بخط يده عن الأصل المودع بملفاتها, وهو مكتوب علي الآلة الكاتبة, ويحمل توقيع النحاس.. وعلي الفور عرض عبدالوهاب باشا النص علي الدكتور محمد حسنين هيكل باشا ـ رئيس حزب الأحرار الدستوريين ـ مشفوعا باستعداد هجرس لإحضار الأصل لتصويره وإعادته إلي مكانه مقابل مكافأة مالية لا تزيد علي خمسين جنيها فقط, في حالة إذا ما قدر زعيم المعارضة, أن في ذلك فائدة سياسية.. وتحمس الدكتور هيكل باشا للفكرة, وكلف ابن عم له يتقن التصوير, بأن ينقل صورة فوتوغرافية من أصل الخطاب, ما كاد يطلع عليها, حتي جزم بأن التوقيع هو توقيع النحاس الذي يعرفه.. وبعد أيام جاء هجرس بأصل خطاب آخر, أخطر من الأول, فهو لا يؤكد فحسب كل ما جاء فيه, بل ويضيف إليه عبارة يقول فيها النحاس إنه يشعر بأن تعديلا مهما سيجري في القيادة, وأنه سيبذل جهوده لمنع هذا التعديل. ومن بين الخيارات الكثيرة التي كانت مطروحة لاستعمال الخطابين ضد الحكومة, ومنها تقديم استجواب بشأنهما في البرلمان, أو تقديم بلاغ للنيابة العامة أو نشرهما في الصحف, اختار الأحرار الدستوريون ـ بعد مداولات طويلة بين أقطابهم ـ تقديمها للقصر الملكي.. وبالفعل عرضها علوبة باشا علي رئيس الديوان الملكي حسن يوسف باشا طالبا مضاهاة توقيع النحاس عليهما, مما لدي الديوان من أوراق رسمية, تحمل توقيعه.. وبعد عدة أسابيع أعاد رئيس الديوان الوثيقتين للأحرار الدستوريين وأبلغهم أن المضاهاة الفنية كشفت عن أنهما مزورتان.. وظن هيكل باشا أن الموضوع قد انتهي إلي هذا الحد.. لكن مفاجأته كانت كاملة, حين زاره النائب العام في منزله, ليأخذ أقواله في بلاغ تقدم به النحاس وإبراهيم فرج يتهمانه فيه بأنه قدم للقصر الملكي أوراقا مزورة ضدهما مع علمه بتزويرها ثم يخرج من بين أوراقه صورة من الخطابين, غير التي أعادها إليه رئيس الديوان! وكان طبيعيا أن يقود التحقيق مع الباشاوات الثلاثة إلي هجرس, الذي اعترف بأن الذي زوده بالوثائق ليس موظفا بالمفوضية الروسية, ولكنه موظف بالسكة الحديد, هو عبدالعزيز جادالحق وبتفتيش منزله وجدت الشرطة غرفة مليئة بالأوراق المزورة, من بينها أصول الخطابين اللذين بيعا لحزب الأحرار. وقدم جاد الحق ـ الذي تبين أنه مزور لاعلاقة له بالحق ـ إلي المحاكمة, هو وزميله هجرس وحفظ التحقيق بالنسبة للباشاوات الثلاثة. ومات هيكل باشا ـ عام1955 ـ من دون أن يعرف الطريقة التي وصلت بها الوثائق المزورة إلي النحاس وأنحي باللائمة في ذلك علي حسن يوسف باشا, الذي كشف السر في مذكراته التي نشرت عام1982 م فقال إنه فوجيء ذات يوم بالملك يزوره في منزله ـ وبصحبته مستشاره الصحفي كريم ثابت ـ ليعيد إليه الوثيقتين, ويطلب إليه ردهما إلي الأحرار الدستوريين, ثم يضيف: لقد صورناهما.. ولدينا مفاجأة سارة لأصحابك. وفي اليوم التالي حمل المستشار الصورة إلي رئيس الوزراء ومنه إلي النائب العام.. وبذلك رد الملك فاروق الصفعة لأحزاب المعارضة, التي كانت تناوئه علي سبيل الابتزاز لأنه تخلي عنها, وتحالف مع العدو المشترك للطرفين, حتي أفقدتها الرغبة في الكيد لخصومها كل حذر وأوقعتها بين براثن المزورين. أما جاد الحق فقد مات من دون أن يعرف أحد, هل زور الوثائق لحسابه؟ أم أنه كان يعمل منذ البداية لحساب القصر الملكي, وكان طرفا في مؤامرة محبوكة لإحراج المعارضة وإيقاعها في الفخ؟!! إنها السياسة التي لا قلب لها ولا ضمير في كل بلاد الدنيا, أما في أمتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة, فهي بلا ضمير.. كذلك.
|