|
|
|
|
|
|
|
د. عبدالعاطي محمد من فرط الفشل في تحقيق الأحلام الكبري التي راودت المنطقة العربية في بداية مرحلة الاستقلال الوطني من ستينيات القرن الماضي, ووطأة اليأس من إحراز التقدم في المستقبل, أصبح الحديث عن الذكريات المهمة في تاريخ الأمة العربية ـ حتي لو كانت من النوع الذي يبعث علي الفخر ـ بابا للخجل عند البعض وآخر للغضب والاستنكار عند البعض الآخر لا يتعين فتحه, بينما أبسط ضرورات الحفاظ علي الأمن القومي العربي هو التواصل مع هذا التاريخ ومراجعته النقدية بموضوعية للاستفادة من دروسه وعبره في التصدي لتحديات الحاضر.
*** جزء من تغييب الذاكرة مقصود بهدف ترسيخ التبعية للخارج حفاظا علي مصالح من يقودون هذا المخطط, ولحماية إسرائيل وضمان تفوقها النوعي علي كل الدول العربية, وجزء آخر غير مقصود يقع فيه العرب أنفسهم ضحية لحالة الانهيار الثقافي, والضياع الفكري التي يعيشونها بعد انتهاء الحرب الباردة, حيث تغيب القواسم المشتركة وتتوه الرؤي لصياغة المستقبل, وجزء ثالث هو نتاج طبيعي لقوة تأثير الضغوط الخارجية والانهيار الثقافي الذاتي, حيث تصبح الكلمة لدعاة الفوضي والعبث الذين يسعون إلي العيش علي أجساد هذه الأمة.. أقول ذلك بمناسبة ذكري أعلم مقدما أنها تتعرض من جانب دعاة الإحباط ـ أكثر من غيرها ـ لمظاهر التندر إن لم يكن الاستهجان برغم ما تمثله من جدية بالغة الأهمية لحاضر المنطقة العربية ومستقبلها, ألا وهي ذكري إنشاء السوق العربية المشتركة. ففي13 أغسطس1964 أصدر مجلس الوحدة الاقتصادية العربية قرارا بهذا الشأن, بهدف إقامة اتحاد جمركي بين الدول الأعضاء يحقق تحرير المعاملات التجارية من جميع الرسوم الجمركية ويؤدي إلي زيادة التبادل التجاري بين الدول العربية.. ومن يتابع تاريخ هذا المشروع الحيوي علي مدي43 عاما مضت, لا يجد فيه ما يدعو إلي التفاؤل بل هو متخم بالانتكاسات, بينما نجحت أوروبا في نفس الزمن تقريبا في إقامة سوقها الاقتصادية الواحدة. ويكفي للدلالة علي ضعف الإنجاز أن التجارة البينية بين الدول العربية لم تتعد حتي الآن10% من حجم التجارة الخارجية العربية( بلغت9.5% عام2002 من إجمالي التجارة الخارجية العربية التي بلغت آنذاك416.3 مليار دولار).
*** وللحق, فإن طريق إنشاء السوق العربية المشتركة لم يخل تماما من أي إنجاز, بل حدثت خطوات مهمة في هذا الطريق منذ النصف الثاني من التسعينيات في القرن الماضي عندما تم الاتفاق علي إقامة منطقة تجارة حرة عربية انضمت إليها حتي الآن17 دولة عربية, كما تم العمل علي زيادة نسب الخفض الجمركي للعديد من السلع, ولكن المحصلة لكل ذلك ضعيفة للغاية, لأن الدول العربية مازالت متمسكة بعدد كبير مما يسمي بالمعوقات الفنية التي تعرقل تحرير التعاملات التجارية, لأنها تحتاج إلي عائدات الرسوم الجمركية وتتخوف من المنافسة مع منتجاتها المحلية, فضلا عن غياب الإرادة السياسية الحريصة علي تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. وقد ثبت من التجربة أن العقبة الرئيسية لا تعود كلية للعوامل السياسية ولا للعوائق الاقتصادية أي المتعلقة بتباين السياسات الاقتصادية بين الدول العربية, وإنما لأن الدول العربية دول استهلاكية وغير منتجة. فقد تتوافر الإرادة السياسية وهو ما يظهر بالفعل من سيل البيانات والاتفاقات والخطوات المبذولة في هذا الاتجاه, وقد تتشابه الأنظمة الاقتصادية العربية, حيث أصبحت كلها تقريبا تتعامل بأسلوب الاقتصاد الحر, ولكن المشكلة في نهاية المطاف أنه لا توجد منتجات عربية حتي يمكن تسويقها أو إقامة التبادل التجاري علي أساسها. فالدول العربية كما يقول الدكتور أحمد جويلي أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية تستورد كل شيء تقريبا من الخارج لأنه غير موجود علي أراضيها وتحديدا السلع الرأسمالية, أي التي تستخدم في الصناعة والزراعة, ويشمل ذلك متطلبات التكنولوجيا الحديثة بما فيها الرقمية, وكذلك وسائل النقل ثم السلع الغذائية, ومن ثم فإن التساؤل الذي يصدم الجميع دائما هو: إذا كانت منطقة التجارة الحرة هي طريق أي سوق مشتركة فعلي أي شيء تقوم هذه التجارة طالما لا توجد منتجات رئيسية للتداول فيها؟
*** ورغم ذلك تبقي السوق العربية المشتركة قدرا لافكاك منه بالنسبة للمنطقة العربية في نهاية المطاف.. قد لا تكون قائمة الآن وموضع تندر من بعض قطاعات الرأي العام بل ومن الكثير من المسئولين العرب, ولكن بنظرة متأنية للأمور وتطورات الأحداث يمكن القول: إن حجم التحدي الذي يواجه الأمة العربية يدفعها إلي أن تتحول من منطقة مستهلكة إلي أخري منتجة, فالبطالة استفحل أمرها وأصبحت من القضايا الضاغطة علي الجميع حتي إنه من المتوقع أن يكون هناك بين50 إلي60 مليون عاطل في المنطقة العربية بعد نحو10 سنوات, وفي تقديرات البعض الآخر نحو100 مليون عاطل بحلول عام2020, وتلك كارثة اجتماعية بكل المقاييس لا يمكن مواجهتها بالاستمرار في التعامل بمنطق استيراد كل شيء من الخارج, وإنما بإقامة مشروعات إنتاجية تستوعب الأعداد الغفيرة من الكفاءات الشابة التي تنضم سنويا إلي سوق العمل, ومن جهة أخري فإن الفوائض المالية العربية أصبحت من الضخامة ولم يعد ممكنا استمرار تدفقها إلي المشروعات الاستهلاكية والترفيهية حتي بالحسابات الاقتصادية ذاتها, بل يتحتم ضخها في قطاعات إنتاجية.
*** ولذلك, فإنه بدلا من التوقف عن الجدل العقيم حول أهمية مفاهيم الوحدة وغيرها من عدمها مما أصبح يثير حساسية الكثيرين دون مبرر, فإن الهدف الأكبر الآن هو تحول الاقتصاد العربي من الاستهلاك إلي الإنتاج للحفاظ علي الوجود القومي ذاته سواء علي المستوي القطري أو الجماعي, وعليه فإن مشروعات إقامة منطقة التجارة الحرة يمكن أن تمضي كما هي بظروفها القائمة ولكن بجانب ذلك ـ كما يدعو د. جويلي ـ هناك إمكانية للقيام بمشروعات للتكامل الاقتصادي الإنتاجي يسهم فيها القطاع الخاص وتدار بقواعده خصوصا في مجالات البنية الأساسية كالطرق والاتصالات وقطاعات الإنتاج الزراعي( الجرار العربي مثلا)... وتتبدي الإشكالية هنا في توفير الموارد أو التمويل, أي إقامة بنك لهذا الغرض, ولا يمكن التغلب علي هذه العقبة إلا بإرادة سياسية فوقية من القادة العرب أنفسهم توفر الإطار السياسي الذي يحقق هذا الهدف بما يجعل القطاع الخاص مطمئنا علي ماله واستثماراته والمغامرة بها في مشروعات إنتاجية عربية مشتركة منتقاه تمثل القاطرة التي تدفع التكامل الاقتصادي العربي إلي الأمام بكل ثقة بعيدا عن أية شعارات إيديولوجية أو مفاهيم الماضي التي تثير الحساسية بشأن السيادة السياسية. وبالطبع فإن ذلك يقتضي مناخا سياسيا عاما يتسم بالاستقرار في المنطقة العربية فقد ذهبت أفكار التكامل الغذائي ـ مثلا التي ظهرت في الثمانينيات وحتي نهاية القرن الماضي ـ أدراج الرياح بسبب الحروب التي وجد العرب أنفسهم متورطين فيها بإرادتهم وبغير إرادتهم. إن توفير العيش الكريم لشبابنا والأجيال المستقبلية أكبر وأسمي من كل معوقات تعرقل التكامل الاقتصادي العربي فهو مسألة حياة أو موت.. والأمل معقود علي القمة الاقتصادية العربية المقبلة المقرر عقدها بالكويت لتفعيل هذا التكامل. ** من الأجندة: * تحت عنوان المصريون في الخارج وفكر جديد لآفاق التنمية, يعقد الاتحاد العام للمصريين في الخارج منتداه الرابع بالتعاون مع وزارة القوي العاملة في قاعة المؤتمرات الكبري بجامعة القاهرة في الفترة من26 إلي27 أغسطس الحالي. المؤتمر يعقد برعاية وحضور د. أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء والأستاذة عائشة عبد الهادي وزيرة القوة العاملة والهجرة رئيس شرف المنتدي, ويحضره وزراء الخارجية والمالية والإعلام والاستثمار والصناعة والسياحة والإسكان والزراعة والتعليم العالي والتربية والتعليم ومحافظ شمال سيناء ومحافظ قنا. وصرح المهندس محمد عبد الفتاح ريان مقرر المنتدي بأن المنتدي يهدف إلي التأكيد علي الدور الوطني لأبناء مصر في الخارج لدعم الاقتصاد الوطني, وتدور محاورة حول آفاق الاستثمار في مصر ـ القوانين والفرص ـ, والاستثمار العقاري والزراعي للمصريين في الخارج, وفرص الاستثمار في شمال سيناء وقنا, والاستثمار في مجالات التعليم والسياحة والصحة. * السيد اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية عرفناه دائما حريصا علي حفظ الأمن والانضباط في الشارع, صارما في توجيهاته بهذا الشأن, ولكن منطقة الدقي تفتقد من وقت إلي آخر لمثل هذا الانضباط برغم أهميتها والنظر إليها علي أنها منطقة سياحية. في فجر يوم الجمعة الماضي تحول تقاطع شارع أبو السعود مع سليمان جوهر إلي معركة بالزجاجات الفارغة أثارت الفزع بين السكان وعرضت سياراتهم بل وحياة المارة للخطر.. استمرت المعركة لنحو ساعة وافترشت الأرض ببقايا الزجاجات المهشمة دون أن يظهر في الأفق أي رجل أمن.. والغريب أن وقائع مماثلة تتكرر ليلا ونهارا في المنطقة دون تدخل ملحوظ, وكأن المطلوب أن يعيش السكان تحت رحمة الخارجين علي القانون. * نفرح جميعا بكل صحيفة جديدة تصدر في مصر لأنها ستمثل إضافة إلي حرية الرأي والتعبير وتعزز الصحافة كسلطة رابعة خصوصا عندما يكون علي رأسها قيادة صحفية بارزة ذات خبرة طويلة مثل الأستاذ سمير رجب.. أتحدث عن صحيفة24 ساعة لأقدم لها التهنئة, ولشخص الكاتب الكبير سمير رجب.. ولكنني أتمني عليه أن يراجع ما جاء في الصفحة السادسة من العدد الأول الذي صدر الأحد الماضي, وكان تحت عنوان بالمستندات... المالكي عميل لإيران فالقصة المنشورة تشير إلي أنها سبق صحفي جديد مع أن هذه الوثائق والقصة ذاتها انفردت بنشرها مجلة الأهرام العربي في عددها الصادر في31 مارس الماضي, وقد وزعتها وكالات الأنباء ومواقع إليكترونية عديدة ونسبتها إلي المجلة.. لم أكن أتوقع أن يصدر أول أعداد الصحيفة التي قال عنها الأستاذ سمير رجب إنها ستكون ناقلة للخبر في أمانة ودقة وحيادية متضمنا قصة صحفية قديمة سبق نشرها قبل نحو4 أشهر في مطبوعة أخري وتقديمها للقاريء علي أنها انفراد للصحيفة! * ارتفع سعر رغيف الخبز الفاخر إلي حد الضعف خلال4 شهور تقريبا فقط مع نقص وزنه.. أصحاب المخابز يبررون ذلك بارتفاع أسعار الدقيق الأبيض إلي حد مفزع, بما يعني أن تجار الجملة والمستوردين هم المسئولون, وهؤلاء بدورهم يبررون موقفهم بارتفاع الأسعار العالمية. وزير التضامن الاجتماعي د.علي المصيلحي يري أن الأسعار ترتفع وتنخفض وفقا لحركة السوق العالمية.. ولكن واقع الحال في مصر لا يشير مطلقا إلي تراجع أسعار منتجات الخبز حتي لو انخفضت الأسعار العالمية.. الضحية هو المواطن البسيط وأصحاب المخابر أيضا لأنهم لن يجدوا إقبالا علي منتجاتهم.. هل من حل لدي الوزير لهذه المعضلة؟!
|
|
|
|
|
|
| |
|
|
| السبت 18 / 8 / 2007 |
|
رقم العـدد 543 |
|
|
الأهرام العربي |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأرشيــــــــف |
|
|
| |
|
|
|
|