الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 ثقافة
3احتضار معتقدات‏..‏ وتولد معتقدات

نجيب محفوظ

السبت 25 / 8 / 2007

قامت المدنيات القديمة علي معتقدات قوية ـ كما يقول جوستاف لوبون ـ سواء كانت هذه المعتقدات دينية أم سياسية‏,‏ وبقيت هذه المدنيات قوية الدعائم متينة البنيان‏,‏ لأن المعتقدات التي تأسست عليها كانت متأصلة في النفوس وفي مأمن من البحث والنقد اللذين يولدان الشك والريبة‏.‏ وهذه المعتقدات قد تضمنت أخطاء وخرافات لا يقبلها العقل بحال من الأحوال وإن اطمأنت إليها المشاعر في أغلب الأحوال‏.‏
وإذا خالط الشك النفوس في معتقد ما‏,‏ وكان هذا المعتقد أساسا لمدنيته‏,‏ فقد آن الأوان لانهيارهما معا‏.‏ ونحن نشاهد ـ في عصرنا هذا ـ أن جميع العقائد القديمة التي اطمأنت لها النفوس أجيالا طويلة أخذت تتزعزع رويدا رويدا‏,‏ وتتزحزح عن مكانتها الأولي شيئا فشيئا‏.‏
والإنسان بطبعه ـ وبحكم العاطفة الدينية التي تملأ جوانب نفسه ـ يتشوف دائما لمعتقد يسلم إليه نفسه وإيمانه‏,‏ ولهذا نجده يعتنق المذاهب الاجتماعية والآراء السياسية‏,‏ ويبذل في سبيلها من نفسه ما كان يبذل سلفه القديم في سبيل الله أو قيصر‏.‏ غير أن رأيا من هذه الآراء‏,‏ أو مذهبا من هذه المذاهب‏,‏ لم يستقر بعد في النفوس كما استقرت الآراء والمذاهب القديمة‏,‏ ولم ينطبع بذلك الطابع الديني المقدس الذي يجعل بحث المذهب أو نقده كفرا وخيانة‏..‏ فعصرنا فترة بين اعتقادات ومعتنقات تحتضر وتفني‏,‏ وبين آراء ومذاهب أخري لم تستقر استقرارا تاما وتأخذ مكانتها من النفوس‏,‏ فهو عصر اضطراب وتردد لا مثيل لهما في التاريخ‏..‏ اضطراب في الآراء التي تتصارع للحياة والاستقرار والفوز‏,‏ وتردد بين مذاهب يناقض بعضها البعض الآخر‏,‏ ويحاول القوي منها محو الضعيف المتداعي‏.‏ وهكذا فنحن نشاهد أنه لا يظهر كتاب يدعو لعقيدة من العقائد حتي يظهر آخر يسخف هذه العقيدة وينحي عليها أشد الإنحاء‏,‏ ثم لا يلبث أن يؤلف ثالث يتوسط الرأيين المتناقضين برأي ثالث‏..‏ وهكذا‏.‏
وليس ثمة شك في أن استقرار الحياة وثبات المدنيات وسير الأمور في مجراها الطبيعي خير من ذلك الاضطراب المروع‏,‏ ولكننا مع ذلك لا نبتئس بقروب زوال المعتقدات البالية‏,‏ ولا ندعو المفكرين إلي الكف عن بحثها ونقدها‏,‏ لتحتفظ بما لها من القدسية والمهابة‏,‏ ولتضمن لنا حياة هادئة وديعة‏,‏ ذلك لأننا نعتقد بأن هذا الاضطراب نتيجة لا حيد عنها تحدثها الطبيعة لتقدم العمران‏,‏ كما نعتقد أنه مظهر للتقدم العقلي‏,‏ ومقياس صادق للتطور الذي يطرأ عليه بين حين وآخر‏..‏ فالعقل يهدم المعتنقات القديمة لأنه أصبح لا يسيغها‏,‏ أو لأنه ارتقي لدرجة أصبح نقده لهذه المعتنقات فيها ضرورة لأزمة لا دخل فيها للاختيار والتدبر‏.‏
ومثله في ذلك مثل الشيب الذي يعلو الرأس إذا ما كبر الإنسان‏..‏ وعليه‏,‏ فمناهضة الحركات التجديدية‏,‏ إنما هي مناهضة لإحدي سنن الطبيعة التي لا تناهض ولا تغلب‏.‏
ونحن أيضا لا نتشاءم من تزعزع الإيمان بالمعتقدات القديمة‏,‏ ولا نميل إلي التسليم بأن عاقبة ذلك خراب العالم كما يدعي كثير من المتشائمين‏.‏ وكل ما في الأمر‏,‏ إن هو إلا ترميم في الأساس‏,‏ أو هو بنيان أساس جديد متين لا نتسرع في تشييده‏,‏ بل نترك ذلك للتطور والزمان‏,‏ وهما كفيلان بأن يحققا لنا ما نحلم به من غير أن نلجأ إلي الثورات التي تفوز بالمرغوب‏,‏ وتقهر الزمان في الظاهر‏,‏ بينا هي في الحقيقة والواقع ليست إلا تخريبا واضطرابا لا يسفران إلا عن تقهقر ورجوع إلي نقطة الابتداء‏.‏
وهذه العجالة في وصف ما طرأ من الاضطراب علي معتقداتنا تفسر لنا بعض التفسير ذلك التطور الهائل الذي نلحظه في الآداب‏.‏
ففي الزمن الماضي‏,‏ يوم كانت الاعتقادات القديمة سائدة مستحوذة علي المشاعر والنفوس‏,‏ يتأثر بها الخاصة كما يتأثر بها العامة‏..‏ كان الأدباء ـ بكتبهم وقصصهم ـ يعبرون أصدق تعبير عما يتأثرون به من المعتقدات‏,‏ ويكفيك لتقتنع بذلك أن تجيل نظرة في تلك المجلدات الضخمة التي كتبت عقب ظهور الإسلام لتشرح نصوصه الدينية‏,‏ أو لتجمع أحاديث النبي وتفسرها‏..‏ بل ويكفيك أن تقرأ دواوين بعض الشعراء ممن لم يكن لهم هم إلا نظم الحكم الدينية أو مدح النبي أو التغزل الإلهي‏.‏
والأمر لا يختلف في الدين عنه في الاجتماع والسياسة‏,‏ فكثيرا ما ألفت الكتب والقصص لتأييد مذهب أو نصر مبدأ أو بث دعوة‏..‏ فلما أخذت الاعتقادات القديمة في الفناء‏,‏ وأخذ العقل يسلط نوره عليها فيظهر من عيوبها ويكشف عن سوءاتها التي عاشت ورسخت في النفوس أجيالا كحقائق لا مراء فيها ولاجدال‏,‏ ولما حل الشك محل الإيمان‏,‏ تأثر الأدباء بذلك التطور ـ الذين هم من أكبر دعاته ومؤيديه ـ بما يؤلفون من كتب تحمل علي القديم تحاول أن تأتي عليه وتخلصنا من استعباده ورقه‏.‏ وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت بين أيدينا مجموعة وافية من الكتب والقصص تبعث قراءتها علي الشك في الماضي بآرائه ومعتقداته‏,‏ أو تدعو لمذهب جديد كالاشتراكية والعالمية وغيرهما‏.‏
والذي يجدر بنا أن نلاحظه هو أن جميع الأديان الجديدة ترمي إلي اتحاد العالم وإزالة الفروق الوطنية‏,‏ وهي تتفق في ذلك مع الأديان القديمة مثل المسيحية والإسلام‏,‏ ولكنها تزيد علي ذلك‏,‏ فيدعو بعضها إلي إزالة فوارق الطبقات المادية‏.‏
ولو أننا أردنا أن نتنبأ بالمذهب الذي سوف يكون له الفوز من بين المذاهب لقلنا ـ أو لأحببنا أن نقول ـ بأنه مذهب الاشتراكية‏..‏ وذلك لأنها تستهوي بوعودها أفئدة الساخطين‏..‏ المتذمرين والفقراء‏,‏ وهم السواد الأعظم من سكان العالم‏..‏ ولأنها تسد النقص الملموس الناتج عن التقدم العلمي وظهور المخترعات والآلات‏,‏ ولأنها وسط بين نظامين يتأفف منهما المتدينون‏,‏ وهما الشيوعية والفردية‏.‏ وقد أخذت منهما حسناتهما ونفضت عنهما نقائصهما الظاهرة‏.‏
وهنالك أسباب كثيرة أخري تجعلنا نكاد نوقن بأن المستقبل للاشتراكية‏,‏ ولكن بحثها الآن لا يعنينا‏.‏
ثم لا يفوتنا أن نذكر أن سعادة الاشتراكية الموعودة دنيوية تنال في هذه الحياة لا في حياة أخري‏,‏ وأنها لذلك قد تعجز ـ لسبب من الأسباب ـ عن إنجاز وعودها تامة كاملة‏..‏ وعليه فينفض من حولها أعظم مؤيديها حماسة ونشاطا‏.‏ ولكنا لا ننسي كذلك أن الكمال في الدنيا ضرب من المستحيلات‏,‏ وأنه وإن كانت الاشتراكية لن توصلنا لحالة من النعيم لا مطلب خلفها‏,‏ إلا أنها تستطيع أن تنتشلنا من حالتنا هذه إلي خير منها‏,‏ وليست الاشتراكية نهاية ما يمكن أن يتطور إليه النظام الاجتماعي‏,‏ وعليه فالتطلع للأحسن سيدفعنا دائما للتنقيب عما فيه سعادتنا ورفاهيتنا‏.‏
وجملة ما أريد أن أقوله عن هذا الأمر‏:‏ إنه لو خاب أملنا في الاشتراكية بعض الخيبة‏,‏ فليس معني ذلك أننا نرغب في الرجوع إلي حالتنا الأولي السيئة ـ الحالة الحاضرة ـ إنما يجعلنا ذلك نزيد إيمانا بالتطور الذي هو الخالق الوحيد للاشتراكية وغيرها من الآراء والعقائد‏*‏
المجلة الجديدة ـ أكتوبر‏1930‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 8 / 2007
رقم العـدد
544
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg