|
قامت المدنيات القديمة علي معتقدات قوية ـ كما يقول جوستاف لوبون ـ سواء كانت هذه المعتقدات دينية أم سياسية, وبقيت هذه المدنيات قوية الدعائم متينة البنيان, لأن المعتقدات التي تأسست عليها كانت متأصلة في النفوس وفي مأمن من البحث والنقد اللذين يولدان الشك والريبة. وهذه المعتقدات قد تضمنت أخطاء وخرافات لا يقبلها العقل بحال من الأحوال وإن اطمأنت إليها المشاعر في أغلب الأحوال. وإذا خالط الشك النفوس في معتقد ما, وكان هذا المعتقد أساسا لمدنيته, فقد آن الأوان لانهيارهما معا. ونحن نشاهد ـ في عصرنا هذا ـ أن جميع العقائد القديمة التي اطمأنت لها النفوس أجيالا طويلة أخذت تتزعزع رويدا رويدا, وتتزحزح عن مكانتها الأولي شيئا فشيئا. والإنسان بطبعه ـ وبحكم العاطفة الدينية التي تملأ جوانب نفسه ـ يتشوف دائما لمعتقد يسلم إليه نفسه وإيمانه, ولهذا نجده يعتنق المذاهب الاجتماعية والآراء السياسية, ويبذل في سبيلها من نفسه ما كان يبذل سلفه القديم في سبيل الله أو قيصر. غير أن رأيا من هذه الآراء, أو مذهبا من هذه المذاهب, لم يستقر بعد في النفوس كما استقرت الآراء والمذاهب القديمة, ولم ينطبع بذلك الطابع الديني المقدس الذي يجعل بحث المذهب أو نقده كفرا وخيانة.. فعصرنا فترة بين اعتقادات ومعتنقات تحتضر وتفني, وبين آراء ومذاهب أخري لم تستقر استقرارا تاما وتأخذ مكانتها من النفوس, فهو عصر اضطراب وتردد لا مثيل لهما في التاريخ.. اضطراب في الآراء التي تتصارع للحياة والاستقرار والفوز, وتردد بين مذاهب يناقض بعضها البعض الآخر, ويحاول القوي منها محو الضعيف المتداعي. وهكذا فنحن نشاهد أنه لا يظهر كتاب يدعو لعقيدة من العقائد حتي يظهر آخر يسخف هذه العقيدة وينحي عليها أشد الإنحاء, ثم لا يلبث أن يؤلف ثالث يتوسط الرأيين المتناقضين برأي ثالث.. وهكذا. وليس ثمة شك في أن استقرار الحياة وثبات المدنيات وسير الأمور في مجراها الطبيعي خير من ذلك الاضطراب المروع, ولكننا مع ذلك لا نبتئس بقروب زوال المعتقدات البالية, ولا ندعو المفكرين إلي الكف عن بحثها ونقدها, لتحتفظ بما لها من القدسية والمهابة, ولتضمن لنا حياة هادئة وديعة, ذلك لأننا نعتقد بأن هذا الاضطراب نتيجة لا حيد عنها تحدثها الطبيعة لتقدم العمران, كما نعتقد أنه مظهر للتقدم العقلي, ومقياس صادق للتطور الذي يطرأ عليه بين حين وآخر.. فالعقل يهدم المعتنقات القديمة لأنه أصبح لا يسيغها, أو لأنه ارتقي لدرجة أصبح نقده لهذه المعتنقات فيها ضرورة لأزمة لا دخل فيها للاختيار والتدبر. ومثله في ذلك مثل الشيب الذي يعلو الرأس إذا ما كبر الإنسان.. وعليه, فمناهضة الحركات التجديدية, إنما هي مناهضة لإحدي سنن الطبيعة التي لا تناهض ولا تغلب. ونحن أيضا لا نتشاءم من تزعزع الإيمان بالمعتقدات القديمة, ولا نميل إلي التسليم بأن عاقبة ذلك خراب العالم كما يدعي كثير من المتشائمين. وكل ما في الأمر, إن هو إلا ترميم في الأساس, أو هو بنيان أساس جديد متين لا نتسرع في تشييده, بل نترك ذلك للتطور والزمان, وهما كفيلان بأن يحققا لنا ما نحلم به من غير أن نلجأ إلي الثورات التي تفوز بالمرغوب, وتقهر الزمان في الظاهر, بينا هي في الحقيقة والواقع ليست إلا تخريبا واضطرابا لا يسفران إلا عن تقهقر ورجوع إلي نقطة الابتداء. وهذه العجالة في وصف ما طرأ من الاضطراب علي معتقداتنا تفسر لنا بعض التفسير ذلك التطور الهائل الذي نلحظه في الآداب. ففي الزمن الماضي, يوم كانت الاعتقادات القديمة سائدة مستحوذة علي المشاعر والنفوس, يتأثر بها الخاصة كما يتأثر بها العامة.. كان الأدباء ـ بكتبهم وقصصهم ـ يعبرون أصدق تعبير عما يتأثرون به من المعتقدات, ويكفيك لتقتنع بذلك أن تجيل نظرة في تلك المجلدات الضخمة التي كتبت عقب ظهور الإسلام لتشرح نصوصه الدينية, أو لتجمع أحاديث النبي وتفسرها.. بل ويكفيك أن تقرأ دواوين بعض الشعراء ممن لم يكن لهم هم إلا نظم الحكم الدينية أو مدح النبي أو التغزل الإلهي. والأمر لا يختلف في الدين عنه في الاجتماع والسياسة, فكثيرا ما ألفت الكتب والقصص لتأييد مذهب أو نصر مبدأ أو بث دعوة.. فلما أخذت الاعتقادات القديمة في الفناء, وأخذ العقل يسلط نوره عليها فيظهر من عيوبها ويكشف عن سوءاتها التي عاشت ورسخت في النفوس أجيالا كحقائق لا مراء فيها ولاجدال, ولما حل الشك محل الإيمان, تأثر الأدباء بذلك التطور ـ الذين هم من أكبر دعاته ومؤيديه ـ بما يؤلفون من كتب تحمل علي القديم تحاول أن تأتي عليه وتخلصنا من استعباده ورقه. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت بين أيدينا مجموعة وافية من الكتب والقصص تبعث قراءتها علي الشك في الماضي بآرائه ومعتقداته, أو تدعو لمذهب جديد كالاشتراكية والعالمية وغيرهما. والذي يجدر بنا أن نلاحظه هو أن جميع الأديان الجديدة ترمي إلي اتحاد العالم وإزالة الفروق الوطنية, وهي تتفق في ذلك مع الأديان القديمة مثل المسيحية والإسلام, ولكنها تزيد علي ذلك, فيدعو بعضها إلي إزالة فوارق الطبقات المادية. ولو أننا أردنا أن نتنبأ بالمذهب الذي سوف يكون له الفوز من بين المذاهب لقلنا ـ أو لأحببنا أن نقول ـ بأنه مذهب الاشتراكية.. وذلك لأنها تستهوي بوعودها أفئدة الساخطين.. المتذمرين والفقراء, وهم السواد الأعظم من سكان العالم.. ولأنها تسد النقص الملموس الناتج عن التقدم العلمي وظهور المخترعات والآلات, ولأنها وسط بين نظامين يتأفف منهما المتدينون, وهما الشيوعية والفردية. وقد أخذت منهما حسناتهما ونفضت عنهما نقائصهما الظاهرة. وهنالك أسباب كثيرة أخري تجعلنا نكاد نوقن بأن المستقبل للاشتراكية, ولكن بحثها الآن لا يعنينا. ثم لا يفوتنا أن نذكر أن سعادة الاشتراكية الموعودة دنيوية تنال في هذه الحياة لا في حياة أخري, وأنها لذلك قد تعجز ـ لسبب من الأسباب ـ عن إنجاز وعودها تامة كاملة.. وعليه فينفض من حولها أعظم مؤيديها حماسة ونشاطا. ولكنا لا ننسي كذلك أن الكمال في الدنيا ضرب من المستحيلات, وأنه وإن كانت الاشتراكية لن توصلنا لحالة من النعيم لا مطلب خلفها, إلا أنها تستطيع أن تنتشلنا من حالتنا هذه إلي خير منها, وليست الاشتراكية نهاية ما يمكن أن يتطور إليه النظام الاجتماعي, وعليه فالتطلع للأحسن سيدفعنا دائما للتنقيب عما فيه سعادتنا ورفاهيتنا. وجملة ما أريد أن أقوله عن هذا الأمر: إنه لو خاب أملنا في الاشتراكية بعض الخيبة, فليس معني ذلك أننا نرغب في الرجوع إلي حالتنا الأولي السيئة ـ الحالة الحاضرة ـ إنما يجعلنا ذلك نزيد إيمانا بالتطور الذي هو الخالق الوحيد للاشتراكية وغيرها من الآراء والعقائد* المجلة الجديدة ـ أكتوبر1930
|