|
من ينظر إلي إفريقيا يجد أنها قارة غير قادرة علي التطور, تزداد فقرا وبؤسا بعد الاستقلال, بسبب الانقلابات والحروب الأهلية, والحركات الانفصالية والفساد, فالصورة القائمة الآن أن الإفريقيين يستغيثون في طلب المساعدات من الخارج لمقاومة المجاعات والجفاف, أو للحصول علي أسلحة يستخدمونها لقتل بعضهم البعض, أو لتفادي الإفلاس والتدني الاقتصادي. لكن هذه النظرة تتجاهل ما تعرضت له إفريقيا من تجارب قاسية تعود إلي القرن الخامس عشر عندما حدث اتصال مع الغرب الذي جاء مغامرا ومكتشفا ومبشرا ثم تاجرا للرقيق, فاقتاد ملايين البشر من إفريقيا عبر الأطلنطي إلي العالم الجديد لتعميره, إنها المرحلة الأولي من مراحل العبودية التي أفرغت القارة من أبنائها. هذه التجربة وغيرها تتعرض لها عايدة العزب موسي في كتابها تجارة العبيد في إفريقيا والصادر عن مكتبة الشروق الدولية, وضمن ما تعرضت له العزب موسي من أزمات قصمت ظهر القارة الجائعة, إن الأفارقة المثقفين الذين تعلموا في الخارج, عادوا إلي بلادهم أشد غربة عن شعوبهم, وأصبحوا عبيدا للثقافة والفكر الغربيين, وهؤلاء ينقسمون إلي نمطين: الأول يتكون من الرؤساء والملوك الذين بقوا يؤمنون بالتقاليد الإفريقية, وهم من أطيح بهم, والنمط الثاني يري في نفسه الوريث الحقيقي للحكام الاستعماريين وهم من فرضوا سيطرتهم علي الحكم. وأزمة هؤلاء أنهم اعتقدوا أن أفكار الحداثة مناسبة للإفريقيين المعاصرين ليتعاملوا مع مشاكل العصر, وعودة إلي محور الكتاب الرئيسي فإن عايدة العزب موسي تري أنه علي الرغم من أن الغرب هو من ابتدع تجارة الرقيق إلا أنه يحاول الآن التنصل من جريمته, فهو يقول: لولا مساعدة الإفريقيين حكاما وشعوبا ما استطعنا أن نأسر كل هذا العدد من أبناء إفريقيا. وتؤكد العزب موسي أن تجارة الرقيق معروفة منذ العصور الأولي للبشرية, وأدبيات بعض فلاسفة الغرب تؤيد الرق, فأرسطو يقول:لايزال في العالم مخلوقات للسيادة وآخرون مخلوقون للطاعة تحكمهم في ذلك حكم الآلات الحية التي تساق للعمل ولا تدري ما تساق إليه, وكان الرومان يعتبرون أن الرقيق شيء لا شخص شأنهم في ذلك شأن الحيوانات. وقد بارك أساقفة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تجارة الرق, فالبابا يوجسيتياس الرابع أعلن رعايته لحملات خطف الرقيق التي كان يقوم بها الملك هنري الملاح في إفريقيا, وأصدر بذلك بيانا, وكان للكنيسة نصيب من هذه الحملات, فكانت السفينة التي تنقل العبيد تحمل معها قسا يصاحبها طوال الرحلة المربحة, ما جعل أحد الأساقفة يرسل سفينة لحسابه في إحدي هذه الحملات. وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد, فكان العبد لدي الكنيسة يعد سلعة, ومع ذلك أصبحت صورة الغرب والإسلام أكثر ارتباطا في ذهن الإفريقي بصورة العبودية والاستقلال وتجار الرقيق, ووجهت بعض الأدبيات الزنجية الانتقادات اللاذعة لمسئولية العرب عن المصير التاريخي السيء الذي وصلت إليه القارة الإفريقية.
|