|
أحمد خالد الغريب علي أرض الخليج, صار أكثر من صاحب الأرض.. والعابر ربما أصبح أكثر تأثيرا من المقيم.. والطارئ تحول مع الزمن إلي واقع, صار من الصعب تجاوزه, ومع الغريب والعابر والطارئ, اقترب تحقق الكارثة التي حذر منها الشيخ زايد- رحمه الله- حينما قال: أخشي أننا سنصبح غرباء في بلادنا. إنها قضية العمالة الأجنبية, التي تقف وراء الخلل السكاني في دول الخليج, التي وصفها الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين, بأنها' الأفيون الذي تتعاطاه منطقة الخليج, لأنه يضع مسقبلها علي أسس فيها الكثير من عدم الاستقرار'.. وقد صدق في مقولته إلي حد أن العمالة, التي تكاثرت علي مرأي من القانون, أصبحت المصدر الأول للجريمة, خصوصا أن البعض منها شكل عصابات منظمة, لها من القوة والنفوذ والسيطرة, ما يجعلها ألغاما وقنابل موقوتة, قد تمثل تهديدا هائلا علي أمن الخليج كله, بالإضافة إلي تأثيرالعمالة في عادات وتقاليد الخليج, بل وفي تماسك بنيانه, والأشد خطورة أنها أصبحت بؤرا متجددة لنشر الأمراض الوبائية. في المؤتمر الأخير الذي شهدته القاهرة, ونظمه المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حول' الأمن في الخليج وتأثيره علي الأمن القومي المصري,' شكل البحث الذي قدمه محمد عز العرب الباحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, حول' الأوضاع الديموغرافية والاجتماعية في الخليج' الكثير من حقائق ورؤي, تلقي الكثير علي أبعاد هذه القضية, التي بالفعل تشكل خطرا بالغا علي الخليج, والذي لا يري فيه الكثيرون, سوي فرصة يجب اغتنامها لتحسين مستواه المعيشي, بغض النظر عن فرص أبنائه, والمخاطر التي تتهددهم, بسبب القادمين إليه والحالمين به, وبغض النظر أيضا عن أخطاء أبنائه التي تصل أحيانا وربما كثيرا إلي حد السفه, الذي يؤكد الخطر. يقول الباحث محمد عز العرب: السكان من أهم عناصر الدولة, فهم يعمرون إقليمها, ويحرسون حدودها, وتستهدفهم قرارتهم السيادية, وهم علي وجه الإجمال مصدر قوتها, إلي أن يشوب علاقتهم بمواردهم الاقتصادية, في غالبية دول العالم خلل ظاهر فيتحولوا من جرائه إلي أحد أعبائه. إلا أن المسألة السكانية في دول الخليج, تتخذ ملمحا وأبعادا أخري, فإنه إذا كان قلة عدد السكان ينثل تقليديا وفقا لمعادلات حسابات قوة الدولة عنصر ضعف إستراتيجي, فإن تزايد نسبة الوافدين مقارنة بالمواطنين يشير إلي أن الصغر في الحالة الخليجية خطر, يهدد السلم والأمن بالمفهوم الشامل. والمشكلة الرئيسية في الخليج تكمن في' الاختلال' بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة لصالح' الوافدين' وليس' المواطنون' وهو ما يمثل استثناء للقاعدة القائمة في أغلب الدول, فالمعادلة السكانية في بعض دول الخليج تشير إلي أن الأوضاع الشاذة صارت' حالات طبيعية' وهو ما ينجم عنه تأثيرات مختلفة علي حالة الأمن في دول مجلس التعاون بدرجات مختلفة. فالاختلال يمثل واحدا من أهم مصادر التهديد التي تواجه دول الخليج خصوصا أن معظمها دول صغيرة من حيث المساحة وخفيفة من حيث التركيبة السكانية ومتنوعة من حيث التركيبة المذهبية والطائفية وتقع في الوقت نفسه في كتل سكانية ضخمة فقد يشعر المواطن أنه يقع في بيئة آمنة إذا توافر له مسكن يأويه وطعام يكفيه ومال يغنيه وسلاح يحميه, لكن توافر تلك الوسائل المادية قد لا يكون وحده كافيا لتحقيق الأمن للمواطن الخليجي في بعض الدول الذي أصبح مصابا بوسواس أمني بسبب الوضع السكاني المختل لصالح الوافدين إلي درجة أن المواطنين أصبحوا أقلية في بلادهم.. وعن مؤشرات الاختلال يضيف قائلا: عدم التوازن السكاني بين دول الخليج وبعضها, لدرجة أن عدد سكان السعودية يتجاوز عدد سكان بقية الدول مجتمعة. عدم التوازن بين السكان المواطنين والسكان الوافدين لصالح الفئة الأخيرة.. وعلي سبيل المثال فإن العمالة الوافدة ارتفعت من1,1 مليون عامل في سنة1975 إلي14 مليون عامل في2006 من إجمالي السكان البالغ عددهم32 مليون نسمة. عدم التوازن بين العمالة الأجنبية' الآسيوية' تحديدا وبين العمالة العربية بما يصب في صالح الأولي, عدم التوازن بين العمالة الهندية ونظيرتها الآسيوية مما يشير إلي توحش الأولي, وهو ما يفسر التحذيرات المتصاعدة من فكرة' تهنيد' الخليج عدم التجانس الاجتماعي والثقافي الداخلي, فالتركيبة السكانية مكتظة بشتي أنواع البشر الذين يختلفون من حيث القيم والعادات والتقاليد والطقوس الشائعة,حيث إن كل جالية تنتمي إلي وطنها وتتفاعل مع مجتمعها الأصلي أكثرمن تفاعلها مع المجتمع الذي تقيم فيه من أجل العمل.. لذلك يفقر المجتمع الذي يتحول إلي ما يشبه معسكرات العمل- يفتقر إلي مقوماته وإلي الوحدة الداخلية والنسق الاجتماعي الذي يرفعه إلي مستوي المجتمع بالمعني العلمي.. أو يجعله قادرا علي أداء وظائف المجتمع المتعارف عليها.. هناك من يشير إلي أن دبي مثلا بها أكثرمن200 جنسية مختلفة وفي ذلك مخاوف من نشوء احتكاكات وبروز صراعات تهدد استقرارها.. عدم التوازن بين المواطنين والوافدين في التمتع بحقوق المواطنة وبنفس القدر عدم التوازن بين العمالة الوطنية من الذكور مقارنة بالإناث.. المشكلة أيضا تكمن في أن المصدر الرئيسي لتزايد السكان لا يرجع إلي التزاوج والتناسل إنما إلي الهجرة, وعلي ذلك فإنه لا يربط بين البشر وهم المكون الأول للمجتمع, أي تاريخ من المعيشة المشتركة والإحساس بالمصير الواحد.. وعلي كل ذلك يمكن القول, إن حال المجتمع في بعض دول مجلس التعاون هو أنها مجتمعات' علي مفترق طرق' أكثرمن كونها مجتمعات في' حالة انتقال'. بعد ذلك يتحدث الباحث محمد عز العرب عن تأثيرات الاختلال بين المواطنين والوافدين فيقول: إن المشكلة تتعاظم في تزايد وجودها في المؤسسات الأمنية والعسكرية, فعدد سكان دول الخليج يتسم بالمحدودية وهي مسألة تطرح في مجملها تأثيرات الدفاع عن الدولة خارجيا وداخليا, خاصة مع وجود العمالة الوافدة في بعض المواقع الأمنية المهمة والحساسة,ومازال الدرس الكويتي حاضرا في الأذهان حيث ترك أغلب الوافدين الذين يعملون في الجيش أسلحتهم وهربوا مع بداية الغزو.. كما أن العمالة الوافدة تفرض تحديات أمنية علي الداخل, حيث إن إحساس بعض الجاليات والجماعات بأنها تعيش في مناطق نائية أو شبه معزولة قد يؤدي إلي تشجيعها علي هز استقرار الأمن الداخلي.. وهو ما يتزايد في ظل اتجاه شركات العمالة الآسيوية إلي جلب العمالة وتوفير سبل الإعاشة لها في معسكرات عمل شبه معزولة عن السكان الأصليين, كما يظهر في مناطق مثل' الجبيل' في السعودية' أم سعيد' في قطر و'جبل علي في دبي و'الرويس' في الكويت.. مثل هذه التجمعات أفرزت العديد من المشاكل الأمنية التي هددت الاستقرار بهدف الضغط علي الدول لتحقيق مطالبهم مثل إضراب العمال الكوريين في' الجبيل'عام1977 أو إضراب العمال الأجانب في قطر في أغسطس2005, كما قام نحو250 عامل بناء آسيويا في عجمان في مايو2006 بمظاهرة تحولوا فيها إلي القيام ببعض الأعمال التخريبية.. كما شهدت الإمارات احتجاجات عمالية في فبراير الماضي احتجاجا علي تأخر الرواتب.. أما المشكلة الأكبر فهي أنه يتم استخدام العمالة الوافدة كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية وهو ما حدث كمثال في عام2003 حين أرسلت مؤسسة' هيومان رايتس ووتش' بيانات إلي دول مجلس التعاون تطالبهم فيها بالتصديق علي معاهدات العمل الدولية التي تحمي حقوق العمال الأجانب.. كما أن هناك ما يشير إلي قضايا العمالة الوافدة تتعرض للتسييس.. يضيف: أن القضية الأخطر أيضا تكمن في وجود دراسات تؤكد علي وجود علاقة طردية بين أفراد العمالة الآسيوية وبين عصابات الجريمة المنظمة حيث برزت في السنوات الماضية ظواهر الاتجار في المخدرات وتزييف العملة وتهريب المجوهرات وسرقة المساكن وجرائم القتل والاغتصاب, وهناك بعض المقولات الدالة في الشارع الخليجي علي ذلك حيث يقولون:' إن الهنود يتاجرون ويتعاطون الخمر أما الباكستانيون فيتاجرون ويتعاطون الحشيش'. كما أن هناك دراسة لباحث إماراتي عن توزيع مرتكبي الجرائم حسب الجنسيات تصدرتها الجنسيات الآسيوية بنسبه9,51 في المائة مقابل المواطنين بنسبة14 في المائة. إضافة إلي ذلك فإن هذه العمالة أصبحت خطرا علي التنشئة والثقافة السياسية للدولة خاصة عبر انتشار ظاهرة الخادمات التي تشكل خطرا داهما علي تنشئة الأطفال وهويتهم الوطنية. أما الأشد خطورة فهو أن هذه العمالة استقدمت معها أمراضا معدية كثيرة ونشرتها معها في دول الخليج, رغم عمليات الفحص السابقة علي الدخول ومن أبرز هذه الأمراض التي أتت من آسيا أمراض الملاريا والسل والجدري والكوليرا وأنفلونزا الطيور ووباء سارس علاوة علي انتشار الإيدز*
|