|
داود الفرحان أعرف الزعيم الكردي جلال الطالباني منذ أن كان رئيسا لتحرير جريدة' النور' اليومية في بغداد في أواخر الستينيات من القرن الماضي. كنت في ذلك الوقت محررا في مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط في بغداد الذي كان يديره باقتدار الصحفي المصري الأستاذ سمير العجوز الذي ارتبط بصداقة شخصية مع الطالباني وكانت له علاقات واسعة مع السياسيين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم كان لها صداها في انفراد الوكالة المصرية بأبرز أخبار بغداد السياسية. كان الطالباني يزور مكتب الوكالة باستمرار لتناول القهوة أو شرب شاي الصباح, وهو بالإضافة إلي علاقة الصداقة التي ربطته مع الأستاذ سمير العجوز كان معجبا بتجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وثورة23 يوليو برغم نكسة5 يونيو.1967 كانت جريدة' النور' لسان الحزب الديمقراطي الكردستاني المنشق عن حزب بنفس الاسم كان يتزعمه الملا مصطفي البرزاني والد السيد مسعود البرزاني رئيس ما يسمي بإقليم كردستان حاليا. فقد رفض الطالباني, العروبي الهوي, الاشتراكي الاتجاه, المثقف المستنير, المفاهيم والممارسات التي كانت تطبع سياسة حزب البرزاني الأب, رحمه الله, الذي كان يمثل التوجه الإقطاعي والديني والعرقي المغلق والذي كان يقود تمردا مسلحا في الجبال منذ العهد الملكي الذي سقط في ثورة14 يوليو1958 إلي العهد الجمهوري وحتي وفاته في مستشفي جورج تاون في الولايات المتحدة الأمريكية في عام.1979 كانت علاقتي بالسيد الطالباني محدودة جدا ولا تزيد علي المجاملات بحكم زمالة المهنة في نقابة الصحفيين العراقيين. وكان الرجل يرتبط بعلاقة وثيقة مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وأركان النظام وفي مقدمتهم السيدين برزان التكريتي الذي أعدم قبل شهور وطارق عزيز المعتقل لدي الأمريكيين. إلا أن اتفاق11 مارس1970 لحل المشكلة الكردية وإعلان الحكم الذاتي للأكراد الذي توصل إليه صدام حسين والملا مصطفي البرزاني أدي إلي إغلاق الحزب الديمقراطي الكردستاني المنشق الذي كان يتزعمه الطالباني وإغلاق صحيفة' النور' وإعادة إصدار صحيفة' التآخي' الناطقة بلسان حزب البرزاني. ومن هنا بدأ الافتراق والاختلاف بين الطالباني والنظام العراقي السابق. فالمسألة لم تكن اختلافا في وجهات النظر بين صدام حسين والطالباني حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة وتعدد الأحزاب والحكم الذاتي الكردي الذي تطور بعد الاحتلال الأمريكي إلي انفصال شبه رسمي عن الدولة العراقية. وغادر بعدها الطالباني إلي الخارج ثم عاد إلي شمالي العراق بعد استئناف التمرد الكردي ليعقد هدنة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة البرزاني الأب, ثم ليؤسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي مازال يقوده حتي اليوم. إلا أن هذه الهدنة لم تعمر طويلا بسبب المنافسة الحزبية والعشائرية والقيادية والاختلاف الأكبر علي اقتسام الواردات المالية من الترانزيت والتهريب بين أربيل معقل البرزاني والسليمانية معقل الطالباني, وقامت بين الطرفين حرب دامية ذهب ضحيتها آلاف الأكراد وكاد الطالباني أن ينهي إلي الأبد أسطورة البرزاني لولا استنجاد مسعود بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين في عام1996 الذي أرسل قوات كبيرة من الجيش إلي أربيل للدفاع عنها برغم الحظر الجوي الأمريكي- البريطاني- الفرنسي وألحق هزيمة ساحقة بقوات الطالباني. إلا أن الاثنين عادا إلي التحالف مرة أخري عشية الإعداد للحرب الأمريكية علي العراق وفتحا أراضي الشمال أمام قوات العدوان لتحتل العراق وتطيح بالنظام السابق. وقد وجدا في ظرف الاحتلال وحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وانهيار الدولة وغياب القانون وتخبط الإدارة الأمريكية وانتهازية السياسيين العراقيين الذين عادوا إلي بغداد مع دبابات المحتلين فرصة ذهبية لا تعوض لابتزاز أكبر حصة من المكاسب العرقية والشخصية تحت لافتة' حقوق الأكراد' وهي لافتة حق يراد بها باطل. اليوم أصبح البرزاني رئيسا لإقليم كردستان, والطالباني رئيسا لجمهورية المنطقة الخضراء بينما السياسيون المشاركون في العملية السياسية القيصرية, الباقون والمنسحبون, يتبادلون الاتهامات ثم يتضاحكون أمام عدسات التليفزيون في المآدب التي يقيمها الطالباني وتتصدرها جثة العراق.
|