|
تقرير: هاني بدر الدين بعد قرابة عامين علي توليه مقاليد الحكم في فلسطين, يقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس' أبو مازن' في خضم أزمة حقيقية, فالساحة الفلسطينية التي تسلم أبو مازن قيادتها كانت تنوء بحمل ثقيل بعد رحيل الرئيس السابق ياسر عرفات' أبو عمار' لكن ربما تكون الأوضاع اليوم أسوأ مما كانت عليه عند رحيل الختيار, مما يزيد من وقع الأزمة من حول أبو مازن والذي هدد مرارا وتكرارا بالاستقاله والابتعاد عن المسرح السياسي, فهل يفجر أبو مازن المفاجأة ويرحل عن مقعد الرئاسة, أم يستطيع مواجهة تلك التحديات وإحداث تغييرات دراماتيكية علي الساحة الفلسطينية التي باتت في مفترق طرق ؟ تركة ثقيلة ورثها أبو مازن من صديق دربه أبو عمار, فالمشهد الفلسطيني آنذاك كان مقطع الأوصال, فأوسلو التي كان عباس عرابها باتت حبرا علي ورق بعدما تجاوز قطار الزمن سقفها الزمني فيما يتعلق بالوصول لحل نهائي كما أن اتفاقاتها المرحلية باتت من الماضي بعدما دمرت جرافات إسرائيل ودباباتها معالم السلطة الفلسطينية في الضفة وقطاع غزة بعد اندلاع انتفاضة الأقصي والتي جاءت في أعقاب استباحة أرئيل شارون للحرم القدسي الشريف, والأهم من انهيار السلطة هو انهيار مشروع التسوية السياسية مع إسرائيل كطريق لتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف حتي علي حدود عام1967 وهو أقل حد يمكن أن يقبل به أي فلسطيني, الأمر الذي ساعد في اتجاه المزاج العام بالشارع الفلسطيني باتجاه خيار المقاومة والعمل المسلح ضد إسرائيل كطريق بديل قد يجدي نفعا في ظل فشل جهود التسوية, ونتيجة لذلك ضعفت حركة فتح وانصرف الناس عنها إلي حد ما خصوصا في ظل الخلافات داخل الحركة والتي كانت قد ظهرت في حياة أبو عمار حول العديد من الأمور السياسية وبخاصة استحداث منصب رئيس الوزراء والذي جاء بعد مطالبة أمريكا بقيادة بديلة لعرفات والذي شطبته واشنطن من أجندتها بعد رفضه الموافقة علي عرض الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد, وإذا كان عباس هو رفيق درب عرفات فإن الخلافات عرفت طريقها إلي الرجلين في هذه الأجواء وظهرت الخلافات داخل فتح مما جعل أبو مازن يأخذ موقفا ضد العديد ممن كانوا في صف عرفات آنذاك وبخاصة تجاه أعضاء اللجنة المركزية واستمر هذا الموقف بعد رحيل الختيار, حيث تعرضت اللجنة المركزية للتهميش في عهد عباس كما أنه لم يفعل المجلس الثوري للحركة وغض الطرف عن مساعي استحداث أطر حركية جديدة داخل الحركة ولا تحظي بالشكل القانوني كقيادات الساحات والطوارئ مما فاقم من المشاكل داخل الحركة والتي ظهرت الخلافات بها بشكل واضح في قائمة المستقبل التي قادها محمد دحلان وزاحمت قائمة فتح قبيل الانتخابات قبل نجاح جهود عباس توحيد القائمتين لكن بعد فوات الأوان. ولكن مثل هذه الأخطاء يمكن اعتبارها في الأمور التكتيكية وليست في القضايا الإستراتيجية حيث إن عباس مايزال يعد من الصقور فيما يتعلق بالثوابت الفلسطينية وعدم التنازل عنها وفق روايات عديدة تؤكد أنه كان من الرافضين للاقتراحات الأمريكية في كامب ديفيد. من ناحية أخري فإنه يحسب لعباس إجراء الانتخابات التشريعية وهو يعلم تمام العلم أن فتح ستخسرها ولكنه آثر الالتزام بالديمقراطية حتي وإن كلفته الخسارة ليس هذا فحسب بل إنه منع اقتراحات عدة من أطراف بعينها في داخل فتح بإفساد الانتخابات أثناء سيرها أو حتي أثناء عمليات الفرز. إصرار عباس علي الانتخابات وإن كان يحسب له فإن البعض يؤكد أن ذلك جاء بضغط أمريكي شديد علي الرئيس الفلسطيني حيث رفض الرئيس بوش طلبات أبو مازن بتأجيل الانتخابات حتي لمدة شهرين وإصرار بوش علي إجراء الانتخابات في موعدها مع العلم أن حماس كانت ستشارك بها ويبدو أنه كان فخا أمريكيا للتخلص من المسألة الفلسطينية من خلال إدخال حماس إلي العملية السياسية وبعدها رفض التعامل مع الكيان السياسي الفلسطيني باعتبار وجود حماس بداخله. ويبدو أن هذا السيناريو هو الأقرب للحقيقة كما يبدو أيضا أنه كان تم الترتيب له والتنسيق مع إسرائيل والتي قطعت تحويلات الأموال التي تجنيها وتحولها لاحقا للسلطة الفلسطينية وذلك فور إعلان نتائج الانتخابات وفوز حماس لتبدأ عملية حصار السلطة وحصار الشعب الفلسطيني لإجهاض أي حديث عن عملية السلام وكسب مزيد من الوقت لصالح إنهاء الجدار العازل وترسيخ الاستيطان وتثبيت الوضع الاحتلالي القائم علي الأرض. الغريب أنه منذ أن تولي أبو مازن رئاسة الوزراء في الحكومة التي شكلها إبان عهد الرئيس الراحل أبو مازن تلقي وعودا أمريكية وإسرائيلية بلا نهاية, ولكن أيا من تلك الوعود لم ير النور, فالأمريكيون وعدوه بتقديم المساعدات المادية وبالضغط علي إسرائيل للعودة لمائدة المفاوضات إلا أن واشنطن لم تف بهذه الالتزامات كما أن إسرائيل من جانبها والتي تهافت سياسيوها علي كيل المديح لأبو مازن تنكروا له ولم يقدموا له أية تسهيلات حقيقية علي الأرض ليستمر الحصار والعدوان والاعتقالات والاغتيالات ناهيك عن الاستيطان والجدار العازل, ومن هنا فشلت حكومة أبو مازن, وفي تكرار لنفس السيناريو ـ بعد وصول حماس للحكم وتشكيلها الحكومة ـ وعد الأمريكيون والإسرائيليون بتقديم مساعدات لأبو مازن باعتباره رمز التسوية والسلام من الجانب الفلسطيني مقابل حماس التي تمثل رمز المقاومة والعمل العسكري, إلا أن كل تلك الوعود أيضا لم تنفذ وظلت الأوضاع كما هي بشكل يعطي انطباعات واضحة بأن إسرائيل والولايات المتحدة لا ترغبان حقيقة في مساعدة أبو مازن. الذين عايشوا أبو مازن عبر سنوات عمره الذي بلغ الثانية والسبعين يعرفون سماته الشخصية جيدا, فالرجل لم يكن من قبل في موقع الرجل الأول ربما باستثناء أنه كان عراب أوسلو,ولذلك يمكن اعتباره من الذين يسهل خروجهم من الساحة إذا أحسوا بوجود عقبات أمامهم, فهناك أمثلة عديدة لابتعاد عباس عن مسرح الأحداث بسبب الخلافات وربما يكون آخرها استقالته من رئاسة الوزراء إبان عهد الرئيس الراحل أبو عمار. ومن الواضح أن عباس استمرت لديه هذه السمة حتي بعد توليه رئاسة السلطة وقيادة منظمة التحرير, ففي العديد من الاجتماعات ينقل عنه مسئولون فلسطينيون تهديده بالاستقالة والذهاب إلي المنزل وترك المنصب, وتزايدت تلك التهديدات بالاستقالة مع تفاقم الأزمات والخلافات الداخلية وبخاصة داخل حركة فتح وذلك قبل انقلاب حماس العسكري في غزة, ولكن عباس لم يلمح بنيته بعدها في الاستقالة مصمما علي مواجهة الأزمة الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون حاليا وهو من الأمور التي تحسب له. خضوع عباس للعديد من الضغوط جعله في موقف صعب داخل حركة فتح, فالعديد من قادة الصف الثاني داخل الحركة تعرضوا لتهميش, وذلك لصالح شخصيات فتحاوية أخري تولت زمام الأمور خلال الفترة الماضية وكانت تحيط به وتقدم له النصائح والمشورة. بعض القيادات الفتحاوية المتململة من سياسات عباس يعود غضبها أيضا إلي عدم الحراك الداخلي في الحركة والبطء في الإعداد لعقد المؤتمر العام السادس للحركة لحسم العديد من الأمور الخلافية فيما يتعلق ببرنامج الحركة وأطرها الحركية. مسئول فلسطيني بارز رفض الإفصاح عن هويته أكد أن أبو مازن تغيرت انطباعاته حاليا وبخاصة بعد الانقلاب العسكري الذي نفذته حماس في قطاع غزة, حيث تأكد عباس أن من كان يعتمد عليهم والذين كانوا يصورون قدرتهم علي هزيمة حماس باعتبارها نزوة ليسوا إلا أبطالا من ورق كما أنهم وضعوه في مأزق كبير بعد فشلهم في غزة. وأضاف المسئول أن عباس كان قد تعرض لضغوط كبيرة من أجل إطلاق يد شخصية فلسطينية بعينها وتعيينه علي رأس المؤسسة الأمنية وذلك كشرط من بعض الأطراف العربية لتقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية, حيث كان الهدف من تقديم تلك المساعدات وربطها بذلك الشخص هو مواجهه حماس وكسر شوكتها. وأوضح المسئول الفلسطيني أن عباس بعد فشل تلك القيادات في غزة بات مقتنعا بأنها لا يمكن الاعتماد عليها, ومن جانبه يتجه للاستعانة بالقيادات التاريخية في حركة فتح ومنظمة التحرير ومن هذا المنطلق أجري مصالحات مع العديد من قادة فتح أعضاء اللجنة المركزية وآخرها لقاؤه مع أبو ماهر غنيم مسئول التعبئة والتنظيم بالحركة والذي ما زال يقيم في تونس ولم يعد للأراضي الفلسطينية وسط أنباء عن أن عباس عرض عليه تولي منصب مسئول التعبئة والتنظيم وممارسة دوره من داخل الأراضي الفلسطينية. أبو ماهر غنيم يعتبر من المسئولين التاريخيين في فتح وهو رجل مشهود له بالسمعة الطيبة والالتزام والبعد عن الشللية وقد تكون علي رأس مهامه إذا عاد للضفة الغربية الإسراع بالإعداد لعقد المؤتمر العام السادس لحركة فتح, كما أنه قد يكون الساعد الأيمن لعباس والذي يبحث حاليا عن من يمكنه الاعتماد عليه خاصة في ظل استمرار رفض إسرائيل للإفراج عن مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية والذي يعد واحد من أهم كوادر فتح والذين يمكنهم العمل علي إعادة القوة والوحدة للحركة التي تعاني الانقسام. وسط هذه التطورات الجديدة لم يكن من المستغرب نشر موقع فلسطيني علي الانترنت معروف بانتمائه لتيار فتح المهزوم في غزة مايفهم منه السعي إلي تخريب جهود عباس بالمصالحة مع أعضاء اللجنة المركزية وذلك من خلال نشر أخبار عن سعي اللجنة المركزية لاختيار أبو ماهر ليكون مرشح فتح في الانتخابات الرئاسية المبكرة في حالة إجرائها كإسفين لنسف جهود المصالحة بين عباس وأعضاء اللجنة المركزية, وقد استغل ذلك التيار هذه الفرصة للترويج لقائده المهزوم باعتباره الأصلح لقيادة فتح وفلسطين!!
|