الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تقارير سياسية
3الاعتداء علي السلاموني يفتح ملف المسجد الكبير

فزع أئمة الأزهر في لندن

السبت 25 / 8 / 2007

لندن‏-‏ خاص بالأهرام العربي


كان يوم خميس كسابقه‏,‏ زائرون من المسلمين وغير المسلمين داخلون وخارجون من المركز الإسلامي حيث يقع‏'‏ المسجد الكبير‏',‏ كما يسميه المسلمون في بريطانيا‏.‏ طلب ريان دونيجان‏,‏ رجل مسيحي كاثوليكي‏,‏ لقاء إمام‏..‏ أي إمام‏.‏ فأحيل إلي الشيخ محمد السلاموني‏.‏ تحدث الزائر إلي الشيخ كثيرا عن ضيقه بالمسيحية وعدم ميله لليهودية‏,‏ وطلب أن يحدثه الإمام عن الإسلام‏.‏ أدي السلاموني واجبه وانتهي اللقاء وغادر الضيف بعد اتفاق علي أنه سيعود مرة أخري‏.‏ متي؟ لم يتم الاتفاق‏.‏
في اليوم التالي الجمعة العاشر من شهر أغسطس‏,‏ صلي الشيخ السلاموني بالناس صلاة الفجر‏.‏ كان كل شيء عاديا‏.‏
وفي الساعة السابعة صباحا‏,‏ رأي أحد الموظفين دونيجان في باحة المسجد‏.‏ لم يسأله كيف دخل؟ ولو سئل فإنه لم يكن ليجيب‏.‏ لأنه لم يدخل المسجد من بابه كما فعل من قبل‏,‏ بل قفز من فوق السور‏.‏ سجلت كاميرات المراقبة المشهد بتفاصيله وتابعته وهو يتجول داخل المكان بحرية‏.‏ ومن حسن حظه‏,‏ وسوء حظ الإمام المقصود‏,‏ أن حارس الأمن المكلف بمراقبة الكاميرات لم يكن بالغرفة‏.‏ فقد غادرها مبكرا تاركا غرفة المراقبة‏,‏ إحدي أهم غرف المركز‏.‏
طلب الموظف من دونيجان أن يغادر المركز لأنه يجب ألا يكون أحد بالمسجد في هذا الوقت من اليوم‏.‏ فرد دونيجان بأنه يريد لقاء الشيخ السلاموني‏.‏ فأخذه إليه في داخل المسجد حيث كان يقرأ القرآن‏.‏
طلب الإمام من الموظف أن يترك ضيفه‏,‏ فهو يعرفه‏.‏
استأنف المضيف والضيف ما كان قد بدآه من قبل‏.‏ ويروي السلاموني أنه سمع من دونيجان الذي كان هادئا وديعا أنه يتلقي رسائل من الله تطلب منه الإسلام‏,‏ ويتخلي عن المسيحية‏.‏ ثم خلع الصليب وألقي به علي الأرض‏,‏ ثم وضع رأسه بين يديه ومال إلي الأرض باكيا‏.‏ ومال عليه الشيخ مهدئا‏.‏ وهنا‏,‏يقول السلاموني‏,‏ تحول الرجل إلي كائن آخر‏.‏ انقض علي فجأة وراح يكيل لي اللكمات بين عيني ثم برك علي غارسا أصابعه في عيني محاولا فقأهما‏.‏ وكان يعرف أين يضرب بدقة حتي يتمكن من حرماني من البصر‏.‏
حاول الشيخ‏,‏ ذو الثمانية والخمسين ما استطاع التخلص من المعتدي‏,‏ذي الأربعين‏.‏
كاميرات المسجد تسجل كل شيء‏.‏ ولو كان حارس الأمن المكلف بمراقبة الكاميرات في نوبة عمله لتحرك وأنقذ الشيخ من براثن الضيف الشرس‏.‏
فر الشيخ بصعوبة من قبضة دونيجان‏,‏ فضغط علي زر هاتفه المحمول محاولا الاستثغاثة بأي شخص‏,‏ فرن هاتف الحاج حمدي الصاوي‏,‏ صاحب شركة الصاوي للسياحة‏,‏ أحد معارف الشيخ‏.....‏ كانت تلك بداية الانتباه لما يحدث للإمام المسكين داخل المسجد‏.‏
استدعيت الشرطة في الساعة الثامنة والنصف صباحا‏.‏ اعتدي دونيجان علي أحد ضباطها الذين لم يتمكنوا من القبض عليه إلا بعد نصف ساعة من الكر والفر‏.‏
نقل الشيخ إلي مستشفي‏'‏ويسترن آي‏'‏ للعيون التي تقع علي مسافة كيلومتر تقريبا من المسجد‏.‏ ونقلت الشرطة المعتدي إلي أحد مراكزها للتحقيق‏.‏ واستأذن المحققون القضاء فمدد حبسه لحين الانتهاء من محاكمته‏.‏
التهمة‏,‏ حسب تكييف محققي الشرطة‏,‏ هي‏'‏ الإضرار البالغ بالجسد‏'(‏جسد الشيخ السلاموني‏)‏ والاعتداء علي رجل شرطة‏'.‏
حدث كل هذا والإعلام مغيب حتي اليوم الثالث بعد الاعتداء‏.‏ المركز الإسلامي لم يتصل بأية وسيلة إعلامية‏.‏ والسفارة المصرية في لندن‏,‏ المسئولة عن شئون الأئمة المصريين في المسجد‏,‏ لم تبلغ أحدا‏.‏ أما الأئمة أنفسهم‏,‏ أدت بهم حساباتهم إلي السكوت خوفا من تسرب الخبر إلي أسرة الشيخ في مصر‏,‏ وحسابات أخري مرتبطة بالعلاقة المتوترة بينهم وبين إدارة المركز الإسلامي‏.‏ وقالت مصادر إنها‏'‏ نصيحة من السفارة المصرية بألا يتحدثوا مع الإعلام‏'.‏ ولم يكشف الحادث سوي بيان صادر عن مجلس مسلمي بريطانيا يتحدث عن الاعتداء علي أحد أئمة المركز الإسلامي في لندن‏.‏
واضطر الجميع للكلام‏.‏ وحتي الآن‏,‏ لم تتحدث الشرطة عن أية دوافع عنصرية أو دينية وراء الاعتداء‏.‏
بل إن أحد ضباط الشرطة قال‏,‏ كما كشف مصدر مطلع علي فحوي التحقيقات لـ‏'‏ الأهرام العربي‏',‏ إن‏'‏ العيادة الطبية التابع لها دونيجان قالت في تقرير لها إنه يعاني مشاكل عقلية‏'.‏
إلا أن الشيخ السلاموني‏,‏ الذي لم تأخذ الشرطة أقواله رسميا إلا بعد الحادث بخمسة أيام‏,‏ مقتنعا بخلاف ذلك‏.‏ وعلمت‏'‏ الأهرام العربي‏'‏ أنه قال للشرطة إن وراء حادث الاعتداء عليه جهة ما مخططة ومدبرة‏.‏ وأكد أن لقاءيه مع المعتدي يؤكدان أنه سوي ويعرف تماما ماذا يفعل‏.‏ وضرب مثالا بطريقته في ضربه وتركيزه علي عينينه‏.‏
تزامنت تسريبات‏'‏ سيناريو الاضطراب العقلي‏'‏ مع محاولات الخارجية البريطانية‏,‏ عبر مقرها وسفارتها بالقاهرة‏,‏ احتواء ما يمكن أن يتحول إلي أزمة‏.‏ فالاعتداء وقع في وقت تطلب فيه بريطانيا بإلحاح من الأزهر أن يرسل إليها أئمته لمقاومة التشدد الفكري ونشر الإسلام المعتدل في بريطانيا‏.‏
وكرر لورد براون‏,‏ وزير الدولة للشئون الخارجية‏,‏ كلام الشرطة ولكن بحذر‏.‏ فقال‏,‏ حسب بيان الخارجية المصرية‏,‏ خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري أحمدأبو الغيط إنه‏'‏ يبدو أن من قام بالواقعة ليس متزنا‏'.‏
أحد الأئمة وصف الاعتداء بأنه‏'‏ خطير وليس مجرد حادث‏'.‏ وتساءل بشعور القلق علي حياته‏:‏ كيف يمكن أن يكون الرجل مضطربا عقليا وعندما جاء المسجد لأول مرة سأل عن إمام‏,‏ وقالها بالعربية؟ وكيف لرجل مختل عقليا كما يحاولون تصويره‏,‏ أن يختار هذا التوقيت للقفز من فوق سور المسجد للوصول إلي هدفه؟‏.‏
لايبدو أن الأئمة المصريين‏(‏ وهم ثلاثة من الأزهر واثنان من وزارة الأوقاف‏)‏ غير راضين عن‏'‏ الاضطراب العقلي‏'‏ تفسيرا لما حدث لزميلهم الذي لم يمر علي وجوده في لندن سوي سبعة أشهر‏.‏ فتغيرت حياتهم‏.‏
ولم يعد باستطاعتهم الآن الذهاب باطمئنان‏,‏ كما قال كبير الأئمة الشيخ فتح الله لـ‏'‏ الأهرام العربي‏',‏ إلي عملهم‏.‏ ويشعرون الآن بأنهم محاصرون إما في بيوتهم أو المسجد‏.‏ فليس هناك ما يضمن ألا يتكرر ماحدث للسلاموني مع أي منهم‏.‏
يزيد من مخاوف الأئمة أن أيا لم يتحرك بعد إبلاغ إدارة المركز‏,‏ التي قالت إنها أبلغت الشرطة‏,‏ برسالة تهديد إلكترونية للأئمة قبل أيام من الاعتداء علي السلاموني‏.‏
إدارة المركز الإسلامي أخلت مسئوليتها عما حدث رغم اعترافها بالتقصير الأمني‏.‏ وعندما واجهت الأهرام العربي الدكتور أحمد بن محمد الدبيان‏,‏ مدير المركز حمل السلاموني المسئولية بشكل غير مباشر‏.‏ وقال إن هناك‏'‏ فجوات أمنية‏'‏ تحول دون تأمين كل أسوار المركز الإسلامي‏.‏ والسبب هو أنه‏'‏ ليس عندنا القدرة المالية لتغطية المركز كله أمنيا‏'.‏
وأوضح الدبيان أنه رغم ذلك فإنه عندما انتبه رجال الأمن لوجود دونيجان داخل ساحة المسجد طلبوا منه فورا المغادرة ولكن الشيخ السلاموني طلب منهم تركه‏.‏ وأشار مدير المركز إلي أن الشيخ اطمأن إلي دونيجان لأنه التقي به قبل الحادث بيوم واحد طالبا منه مساعدته علي شرح الإسلام واعتناقه‏.‏
و ليس معتادا‏,‏ يضيف الدبيان‏,‏ أن يبقي أحد أو الأئمة في المسجد بعد صلاة الفجر‏,‏ مشيرا إلي أن هناك فجوة أمنية لمدة ساعتين في بداية اليوم تحول دون تأمين المكان‏.‏
بعد سبعة أيام‏,‏ زار السفير السعودي الأمير محمد بن نواف‏,‏ الشيخ السلاموني في المستشفي‏,‏ ونقل له عرض العاهل السعودي الملك عبد الله أن يعالج في السعودية أو في لندن علي نفقة المملكة‏.‏ فرد الإمام شاكرا‏,‏ مفضلا أن يبقي في لندن‏,‏ حيث مقر عمله انتظارا لوصول زوجته وابنه‏.‏
انتشر الخبر‏.‏ وبعد يومين‏,‏ قرر رئيس الوزراء المصري علاج السلاموني علي نفقة مصر‏.‏ فابتهج الشيخ‏,‏ وارتفعت روحه المعنوية‏.‏
في قاعة استقبال المستشفي‏,‏ وضعت الإدارة بأوامر من الشرطة شرطا لا بد من احترامه حتي يمكن زيارة الشيخ‏...‏ تسجيل الاسم وساعة الزيارة التي لايجب ألا تزيد علي عشر دقائق علي ألا يدخل علي الشيخ أكثر من اثنين من المرة الواحدة‏.‏
أحاديث المسلمين الزائرين تكاد تنسي سبب الزيارة‏.‏ فلا كلام إلا عن‏:'‏ العلاقة السيئة بين إدارة المركز والأئمة‏'‏ و‏'‏حال الأئمة السئ في المسجد‏'.‏
اقترب منا رجل في الستين اسمه‏'‏ الحاج إسماعيل‏'‏ قائلا‏:'‏ ليست هناك مناسبة أفضل من ذلك لفتح ملف المركز الإسلامي في لندن‏'.‏
شائعات كثيرة تدور بين المسلمين هنا‏:‏ تراجع حجم التبرعات بسبب عدم الرضا عن أسلوب الإدارة‏...‏ الأسر المسلمة تواجه مشاكل في تهيئة المناخ المناسب لتعليم أبنائهم القرآن في المسجد كما كان الحال قبل سبع سنوات‏.‏
إلا أن المؤكد بعدما وقع للإمام السلاموني أن الأئمة ليس لهم وضع يسمح بأداء الدور المبعوثون من أجله في واحد من أهم وأكبر المراكز الإسلامية في العالم‏.‏
من قبل كان للائمة سكن داخل المركز‏.‏ ولكن السكن لايتوافر الآن إلا لاثنين منهم فقط‏!.‏ ويبرر الدكتور الدبيان ذلك بنقص القدرة المالية لدي المركز‏.‏ أما الرواتب‏,‏ التي تأتي من الأزهر‏,‏ فهي قليلة لا تكفي حتي لأن ترافق الإمام أسرته خلال فترة مهمته في لندن‏.‏
كان في السابق قد نشب خلاف بين الإدارة وكبير الأئمة جري علي إثره نزع لافتة‏'‏ نائب المدير‏'‏ من علي باب كبير الأئمة‏.‏ وقال أحد موظفي المركز‏'‏ إن الهدف كان التقليل من شأن الأئمة‏'.‏ ويرد الدبيان علي ذلك قائلا‏'‏ لقد كان خلافا وانتهي منذ فترة وجري الاتفاق علي صيغة إدارية ولم تعد هناك الآن خلافات بين الإدارة والأئمة‏'.‏
ولكن مواقف الجانبين تجزم بأن الخلافات لاتزال قائمة‏.‏ وجاء الاعتداء علي الشيخ السلاموني ليرفع الغطاء عنها‏,‏ ويضعه أمام الجهات المسئولة عن المركز لبحثه حفاظا علي صورة الإسلام والمسلمين‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 8 / 2007
رقم العـدد
544
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg