|
لندن- خاص بالأهرام العربي كان يوم خميس كسابقه, زائرون من المسلمين وغير المسلمين داخلون وخارجون من المركز الإسلامي حيث يقع' المسجد الكبير', كما يسميه المسلمون في بريطانيا. طلب ريان دونيجان, رجل مسيحي كاثوليكي, لقاء إمام.. أي إمام. فأحيل إلي الشيخ محمد السلاموني. تحدث الزائر إلي الشيخ كثيرا عن ضيقه بالمسيحية وعدم ميله لليهودية, وطلب أن يحدثه الإمام عن الإسلام. أدي السلاموني واجبه وانتهي اللقاء وغادر الضيف بعد اتفاق علي أنه سيعود مرة أخري. متي؟ لم يتم الاتفاق. في اليوم التالي الجمعة العاشر من شهر أغسطس, صلي الشيخ السلاموني بالناس صلاة الفجر. كان كل شيء عاديا. وفي الساعة السابعة صباحا, رأي أحد الموظفين دونيجان في باحة المسجد. لم يسأله كيف دخل؟ ولو سئل فإنه لم يكن ليجيب. لأنه لم يدخل المسجد من بابه كما فعل من قبل, بل قفز من فوق السور. سجلت كاميرات المراقبة المشهد بتفاصيله وتابعته وهو يتجول داخل المكان بحرية. ومن حسن حظه, وسوء حظ الإمام المقصود, أن حارس الأمن المكلف بمراقبة الكاميرات لم يكن بالغرفة. فقد غادرها مبكرا تاركا غرفة المراقبة, إحدي أهم غرف المركز. طلب الموظف من دونيجان أن يغادر المركز لأنه يجب ألا يكون أحد بالمسجد في هذا الوقت من اليوم. فرد دونيجان بأنه يريد لقاء الشيخ السلاموني. فأخذه إليه في داخل المسجد حيث كان يقرأ القرآن. طلب الإمام من الموظف أن يترك ضيفه, فهو يعرفه. استأنف المضيف والضيف ما كان قد بدآه من قبل. ويروي السلاموني أنه سمع من دونيجان الذي كان هادئا وديعا أنه يتلقي رسائل من الله تطلب منه الإسلام, ويتخلي عن المسيحية. ثم خلع الصليب وألقي به علي الأرض, ثم وضع رأسه بين يديه ومال إلي الأرض باكيا. ومال عليه الشيخ مهدئا. وهنا,يقول السلاموني, تحول الرجل إلي كائن آخر. انقض علي فجأة وراح يكيل لي اللكمات بين عيني ثم برك علي غارسا أصابعه في عيني محاولا فقأهما. وكان يعرف أين يضرب بدقة حتي يتمكن من حرماني من البصر. حاول الشيخ, ذو الثمانية والخمسين ما استطاع التخلص من المعتدي,ذي الأربعين. كاميرات المسجد تسجل كل شيء. ولو كان حارس الأمن المكلف بمراقبة الكاميرات في نوبة عمله لتحرك وأنقذ الشيخ من براثن الضيف الشرس. فر الشيخ بصعوبة من قبضة دونيجان, فضغط علي زر هاتفه المحمول محاولا الاستثغاثة بأي شخص, فرن هاتف الحاج حمدي الصاوي, صاحب شركة الصاوي للسياحة, أحد معارف الشيخ..... كانت تلك بداية الانتباه لما يحدث للإمام المسكين داخل المسجد. استدعيت الشرطة في الساعة الثامنة والنصف صباحا. اعتدي دونيجان علي أحد ضباطها الذين لم يتمكنوا من القبض عليه إلا بعد نصف ساعة من الكر والفر. نقل الشيخ إلي مستشفي'ويسترن آي' للعيون التي تقع علي مسافة كيلومتر تقريبا من المسجد. ونقلت الشرطة المعتدي إلي أحد مراكزها للتحقيق. واستأذن المحققون القضاء فمدد حبسه لحين الانتهاء من محاكمته. التهمة, حسب تكييف محققي الشرطة, هي' الإضرار البالغ بالجسد'(جسد الشيخ السلاموني) والاعتداء علي رجل شرطة'. حدث كل هذا والإعلام مغيب حتي اليوم الثالث بعد الاعتداء. المركز الإسلامي لم يتصل بأية وسيلة إعلامية. والسفارة المصرية في لندن, المسئولة عن شئون الأئمة المصريين في المسجد, لم تبلغ أحدا. أما الأئمة أنفسهم, أدت بهم حساباتهم إلي السكوت خوفا من تسرب الخبر إلي أسرة الشيخ في مصر, وحسابات أخري مرتبطة بالعلاقة المتوترة بينهم وبين إدارة المركز الإسلامي. وقالت مصادر إنها' نصيحة من السفارة المصرية بألا يتحدثوا مع الإعلام'. ولم يكشف الحادث سوي بيان صادر عن مجلس مسلمي بريطانيا يتحدث عن الاعتداء علي أحد أئمة المركز الإسلامي في لندن. واضطر الجميع للكلام. وحتي الآن, لم تتحدث الشرطة عن أية دوافع عنصرية أو دينية وراء الاعتداء. بل إن أحد ضباط الشرطة قال, كما كشف مصدر مطلع علي فحوي التحقيقات لـ' الأهرام العربي', إن' العيادة الطبية التابع لها دونيجان قالت في تقرير لها إنه يعاني مشاكل عقلية'. إلا أن الشيخ السلاموني, الذي لم تأخذ الشرطة أقواله رسميا إلا بعد الحادث بخمسة أيام, مقتنعا بخلاف ذلك. وعلمت' الأهرام العربي' أنه قال للشرطة إن وراء حادث الاعتداء عليه جهة ما مخططة ومدبرة. وأكد أن لقاءيه مع المعتدي يؤكدان أنه سوي ويعرف تماما ماذا يفعل. وضرب مثالا بطريقته في ضربه وتركيزه علي عينينه. تزامنت تسريبات' سيناريو الاضطراب العقلي' مع محاولات الخارجية البريطانية, عبر مقرها وسفارتها بالقاهرة, احتواء ما يمكن أن يتحول إلي أزمة. فالاعتداء وقع في وقت تطلب فيه بريطانيا بإلحاح من الأزهر أن يرسل إليها أئمته لمقاومة التشدد الفكري ونشر الإسلام المعتدل في بريطانيا. وكرر لورد براون, وزير الدولة للشئون الخارجية, كلام الشرطة ولكن بحذر. فقال, حسب بيان الخارجية المصرية, خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية المصري أحمدأبو الغيط إنه' يبدو أن من قام بالواقعة ليس متزنا'. أحد الأئمة وصف الاعتداء بأنه' خطير وليس مجرد حادث'. وتساءل بشعور القلق علي حياته: كيف يمكن أن يكون الرجل مضطربا عقليا وعندما جاء المسجد لأول مرة سأل عن إمام, وقالها بالعربية؟ وكيف لرجل مختل عقليا كما يحاولون تصويره, أن يختار هذا التوقيت للقفز من فوق سور المسجد للوصول إلي هدفه؟. لايبدو أن الأئمة المصريين( وهم ثلاثة من الأزهر واثنان من وزارة الأوقاف) غير راضين عن' الاضطراب العقلي' تفسيرا لما حدث لزميلهم الذي لم يمر علي وجوده في لندن سوي سبعة أشهر. فتغيرت حياتهم. ولم يعد باستطاعتهم الآن الذهاب باطمئنان, كما قال كبير الأئمة الشيخ فتح الله لـ' الأهرام العربي', إلي عملهم. ويشعرون الآن بأنهم محاصرون إما في بيوتهم أو المسجد. فليس هناك ما يضمن ألا يتكرر ماحدث للسلاموني مع أي منهم. يزيد من مخاوف الأئمة أن أيا لم يتحرك بعد إبلاغ إدارة المركز, التي قالت إنها أبلغت الشرطة, برسالة تهديد إلكترونية للأئمة قبل أيام من الاعتداء علي السلاموني. إدارة المركز الإسلامي أخلت مسئوليتها عما حدث رغم اعترافها بالتقصير الأمني. وعندما واجهت الأهرام العربي الدكتور أحمد بن محمد الدبيان, مدير المركز حمل السلاموني المسئولية بشكل غير مباشر. وقال إن هناك' فجوات أمنية' تحول دون تأمين كل أسوار المركز الإسلامي. والسبب هو أنه' ليس عندنا القدرة المالية لتغطية المركز كله أمنيا'. وأوضح الدبيان أنه رغم ذلك فإنه عندما انتبه رجال الأمن لوجود دونيجان داخل ساحة المسجد طلبوا منه فورا المغادرة ولكن الشيخ السلاموني طلب منهم تركه. وأشار مدير المركز إلي أن الشيخ اطمأن إلي دونيجان لأنه التقي به قبل الحادث بيوم واحد طالبا منه مساعدته علي شرح الإسلام واعتناقه. و ليس معتادا, يضيف الدبيان, أن يبقي أحد أو الأئمة في المسجد بعد صلاة الفجر, مشيرا إلي أن هناك فجوة أمنية لمدة ساعتين في بداية اليوم تحول دون تأمين المكان. بعد سبعة أيام, زار السفير السعودي الأمير محمد بن نواف, الشيخ السلاموني في المستشفي, ونقل له عرض العاهل السعودي الملك عبد الله أن يعالج في السعودية أو في لندن علي نفقة المملكة. فرد الإمام شاكرا, مفضلا أن يبقي في لندن, حيث مقر عمله انتظارا لوصول زوجته وابنه. انتشر الخبر. وبعد يومين, قرر رئيس الوزراء المصري علاج السلاموني علي نفقة مصر. فابتهج الشيخ, وارتفعت روحه المعنوية. في قاعة استقبال المستشفي, وضعت الإدارة بأوامر من الشرطة شرطا لا بد من احترامه حتي يمكن زيارة الشيخ... تسجيل الاسم وساعة الزيارة التي لايجب ألا تزيد علي عشر دقائق علي ألا يدخل علي الشيخ أكثر من اثنين من المرة الواحدة. أحاديث المسلمين الزائرين تكاد تنسي سبب الزيارة. فلا كلام إلا عن:' العلاقة السيئة بين إدارة المركز والأئمة' و'حال الأئمة السئ في المسجد'. اقترب منا رجل في الستين اسمه' الحاج إسماعيل' قائلا:' ليست هناك مناسبة أفضل من ذلك لفتح ملف المركز الإسلامي في لندن'. شائعات كثيرة تدور بين المسلمين هنا: تراجع حجم التبرعات بسبب عدم الرضا عن أسلوب الإدارة... الأسر المسلمة تواجه مشاكل في تهيئة المناخ المناسب لتعليم أبنائهم القرآن في المسجد كما كان الحال قبل سبع سنوات. إلا أن المؤكد بعدما وقع للإمام السلاموني أن الأئمة ليس لهم وضع يسمح بأداء الدور المبعوثون من أجله في واحد من أهم وأكبر المراكز الإسلامية في العالم. من قبل كان للائمة سكن داخل المركز. ولكن السكن لايتوافر الآن إلا لاثنين منهم فقط!. ويبرر الدكتور الدبيان ذلك بنقص القدرة المالية لدي المركز. أما الرواتب, التي تأتي من الأزهر, فهي قليلة لا تكفي حتي لأن ترافق الإمام أسرته خلال فترة مهمته في لندن. كان في السابق قد نشب خلاف بين الإدارة وكبير الأئمة جري علي إثره نزع لافتة' نائب المدير' من علي باب كبير الأئمة. وقال أحد موظفي المركز' إن الهدف كان التقليل من شأن الأئمة'. ويرد الدبيان علي ذلك قائلا' لقد كان خلافا وانتهي منذ فترة وجري الاتفاق علي صيغة إدارية ولم تعد هناك الآن خلافات بين الإدارة والأئمة'. ولكن مواقف الجانبين تجزم بأن الخلافات لاتزال قائمة. وجاء الاعتداء علي الشيخ السلاموني ليرفع الغطاء عنها, ويضعه أمام الجهات المسئولة عن المركز لبحثه حفاظا علي صورة الإسلام والمسلمين.
|