|
صلاح عيسي بمناسبة الانتخابات التي يجريها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم, لإعادة بناء تشكيلاته القيادية, حذر د. علي الدين هلال ـ أمين الإعلام بالحزب ـ من اختراق جماعة الإخوان المسلمين, لتشكيلات حزب الأغلبية, وهو ما دهش له كثيرون, لم يتصوروا أن ينضم أعضاء من الإخوان إلي الحزب الحاكم مع ما بين الحزبين من اختلاف في الروي وتباين في المواقف, وحملات تشهير متبادلة, أو أن تسمح لهم أخلاقهم ـ وهم قوم يفترض أنهم بتوع ربنا ـ باللجوء إلي هذا الأسلوب غير الأخلاقي, فيكذبون ويخدعون ويتجسسون ويتحسسون, وغيرها من أنماط السلوك, التي لا تليق إلا بالعلمانيين الذين يستغل الإخوان جهل العوام بالمصطلحات السياسية والفكرية, فيشيعون أنهم ملاحده, لا يؤمنون بدين ولا يعرفون للأخلاق معني! والحقيقة أن الموضوع أبسط, وأعقد, من ذلك, فالبشر سواء كانوا إخوانا أم لم يكونوا يتعاملون مع الواقع بمنطقه, ويحاولون قدر ما يطيقون, وبحسب درجة إيمانهم بمبادئهم, أن يوازنوا بين تمسكهم بها وبين ضرورات هذا الواقع, ففي التجارة والاقتصاد, يطبق المستثمرون والتجار والمقاولون من الإخوان المسلمين, قوانين السوق, فيحددون للعمال أجورا لا تزيد علي ما هو سائد في هذه السوق, بصرف النظر عن عدالة ذلك أو عدم عدالته, وقد يؤجل بعضهم دفعها, علي الرغم من أن الحديث النبوي الشريف يوصي المسلم بأن يدفع للأجير أجره قبل أن يجف عرقه, وهم يبيعون ما ينتجونه من سلع, طبقا لأسعار هذه السوق, بهدف أن يحصلوا علي أقصي ربح, بصرف النظر عما إذا كان ربحا حلالا أم لم يكن.. وذلك ما يفعله أيضا, خصومهم من الماركسيين الذين يدخلون سوق الاستثمار, فلا يسألون أنفسهم عما إذا كان الأجر الذي يدفعونه, لمن يعملون في مشروعاتهم الاستثمارية, هو ثمن القيمة المضافة التي حققها هؤلاء العمال, أم أنهم ـ حال كونهم مستثمرين أو منظمين ـ قد استولوا علي فائض قيمة عمل هؤلاء البروليتاريين, كما تقول بذلك النظرية الماركسية! وهذا الخضوع لضرورات الواقع يشترك فيه بدرجات متفاوتة كل أصحاب المباديء, وفي كل أو معظم مناحي الحياة.. سواء تعلق الأمر بقوانين السوق, أم بأساليب التعامل مع أبنائهم وزوجاتهم ورؤسائهم ومرؤسيهم وجيرانهم, التي لا تخلو ـ في الأغلب الأعم ـ من آفات خلقية من الكذب والقسوة والخداع, إلي الغيبة والنميمة وأكل أموال اليتامي ظلما, وهي كلها شرور يجاهد المخلصون من أصحاب المباديء أنفسهم حتي لا يقعون فيها, وقد يبحثون ـ في محاولة منهم للتوازن أمام أنفسهم ـ عن مبررات لعجزهم عن ذلك, فالالتزام الصارم بالمباديء يتطلب أن يلتزم بها المجتمع كله أولا حتي لا يضار صاحبها من التزامه بها, وقد يبحثون في المبدأ نفسه عن الرخص التي تبيح لهم التحلل من بعض هذه المباديء, وقد يرتكبونها وهم يدعون الله أن يتوب عليهم منها, فإذا تعلق الأمر بالسياسة, فهناك ألف ذريعة وذريعة مبدأية, تبيح لكل من يريد أن يتحلل من قيود المبدأ, أن يفعل, لا تبدأ بأن الحرب خدعه, وأن الضرورات تبيح المحظورات, ولا تنتهي بأن السياسة لا أخلاق لها, وبأن الغاية تبرر الوسيلة! وربما لهذا السبب, لم أدهش لما قاله أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم, ولم أستبعد صحته, لأن اختراق الإخوان المسلمين للأحزاب المنافسة, ليس حدثا نادر الوقوع في تاريخهم, ومحاضر التحقيقات في المحاكمات التي أجريت لهم تحفل بالكثير من وقائعه, وهو ليس من السلوكيات التي تقف مبادئهم عقبة أمامها, انطلاقا من أنها تدخل في باب الرأي والمكيدة, وهو لا يتناقض مع كونها جماعة لا تضم في صفوفها إلا الناس بتوع ربنا, وإلا, ما حرص شهود مثل هذه الوقائع علي روايتها في مذكراتهم, علي سبيل الفخر بذكائهم السياسي, والسخرية بخصومهم السياسيين! حدث في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي, أن تجدد الصراع القديم بين حزب مصر الفتاة وبين الإخوان المسلمين, وكان الاثنان ـ منذ نشأتهما ـ يتنافسان علي اجتذاب طلاب الجامعات وصغار الموظفين والتجار وبقية شرائح الطبقة الوسطي الصغيرة, التي كانت تستظل ـ منذ ثورة1919 ـ بعباءة حزب الوفد الفضفاضة, ووصل الصراع في تلك المرحلة إلي درجة من الحدة, أخذت أشكالا متنوعة, لا تبدأ بالاشتباك العضلي بين أنصار كل منهما, مع استخدام العصي والشوم, ولا تنتهي بالمقالب الصغيرة التي يقوم بها كل منهما لإفساد المؤتمرات الجماهيرية للآخر, سواء بدس جماعة من أعضائه داخل سرادق المؤتمر, تفاجيء الجميع بإطلاق شعارات حزبها, أم تهتف باسم زعيمه في معقل الخصم السياسي وبين جماهيره.. أم تقوم في غفلة من الجميع بإلقاء عدد من الثعابين غير السامة علي أرض السرادق, ثم تصرخ لتنبيه الجميع إليها, فيسرعون وفي مقدمتهم زعماء الحزب بالهروب, وبذلك تضرب كرسيا في كلوب المؤتمر.. وتحوله من تظاهرة تتفجر بالحماسة إلي مسخرة, تكشف عن جبن المنافسين. وكان النظام الخاص للإخون ـ الذي يشكل الجناح العسكري السري لهم ـ قد شكل قسما للمخابرات, مهمته أن يجمع كل مايهمهم من معلومات سياسية, بما في ذلك المعلومات السرية التي تتعلق بأوضاع الأحزاب السياسية الأخري, سواء كانت حليفة لهم, أم كانت تتخذ منهم موقف المنافسة والعداء, وتنفيذا لذلك كلف عدد من أعضاء الجهاز بالانضمام إلي هذه الأحزاب, والانخراط في نشاطها بحماسة, مما يمهد أمام كل منهم الطريق للصعود في مراتبها التنظيمية, ويمكنه من اختراق الدائرة الضيقة التي ترسم سياساتها وتضع خطط تحركاتها.. ومن بين هؤلاء كلف الجهاز الأخ أسعد السيد أحمد بالانضمام إلي حزب مصر الفتاة. وخلال شهور كان قد لفت الأنظار بحما لزعيم الحزب أحمد حسين المحامي, الذي سانده, حتي أصبح عضوا في الحلقة الضيقة التي تحيط به, وبذلك أصبحت كل خطط مصر الفتاة لمواجهة الإخوان تصلهم أولا بأول, مما مكنهم من إجهاضها, كان من بينها أن مصر الفتاة وضع خطة لإفساد أحد مؤتمرات الإخوان الجماهيرية, فأرسل عددا من أعضائه إليه, ومعهم زجاجات بها غاز كريه الرائحة, لإطلاقه في قاعة الاجتماع أثناء إلقاء مرشد الإخوان لخطابه.. وما كادوا يدخلون السرادق, حتي أحاط بهم عدد من الإخوان, قادوهم إلي مكان أمين, حتي انتهي المؤتمر, فاتصل المرشد العام بزعيم مصر الفتاة ليقول له: لديك عندنا أمانة أرجو أن تحضر لاستلامها.. ولم يعرف أحمد حسين سر قبض الإخوان علي رجاله, إلا بعد ذلك التاريخ بحوالي عامين حين القت الشرطة القبض علي أسعد السيد أحمد في إحدي قضايا الإخوان, فتطوع للدفاع عنه, باعتباره عضوا في مصر الفتاة تسعي أجهزة الأمن لإقحامه في قضية إخوانية علي سبيل الكيد له.. وظل يعتقد ذلك, حتي تسلم ملفات القضية, ليجد من بين أدلة الاتهام التي عثرت عليها الشرطة ضمن مضبوطات الجهاز السري تقارير ضافية بكل ما كان يقوله ويفعله, كتبها أسعد من بينها تقرير عن خطة إطلاق الغازات كريهة الرائحة في فضاء المؤتمر.. ساعتها فقط تنبه أحمد حسين إلي أن الإخوان الذين كان يظنهم ناس بتوع ربنا لا يتجسسون ولا يتحسسون يضعون المباديء علي الرف حين يشتغلون بالسياسة, ولديهم العذر, فالضرورات تبيح المحظورات.. والسياسة لا أخلاق لها, والغاية تبرر الوسيلة!
|