الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 المحطة الاخيرة
3

‏..‏ حين توضع المباديء علي الرف‏!‏

السبت 25 / 8 / 2007

صلاح عيسي


بمناسبة الانتخابات التي يجريها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم‏,‏ لإعادة بناء تشكيلاته القيادية‏,‏ حذر د‏.‏ علي الدين هلال ـ أمين الإعلام بالحزب ـ من اختراق جماعة الإخوان المسلمين‏,‏ لتشكيلات حزب الأغلبية‏,‏ وهو ما دهش له كثيرون‏,‏ لم يتصوروا أن ينضم أعضاء من الإخوان إلي الحزب الحاكم مع ما بين الحزبين من اختلاف في الروي وتباين في المواقف‏,‏ وحملات تشهير متبادلة‏,‏ أو أن تسمح لهم أخلاقهم ـ وهم قوم يفترض أنهم بتوع ربنا ـ باللجوء إلي هذا الأسلوب غير الأخلاقي‏,‏ فيكذبون ويخدعون ويتجسسون ويتحسسون‏,‏ وغيرها من أنماط السلوك‏,‏ التي لا تليق إلا بالعلمانيين الذين يستغل الإخوان جهل العوام بالمصطلحات السياسية والفكرية‏,‏ فيشيعون أنهم ملاحده‏,‏ لا يؤمنون بدين ولا يعرفون للأخلاق معني‏!‏
والحقيقة أن الموضوع أبسط‏,‏ وأعقد‏,‏ من ذلك‏,‏ فالبشر سواء كانوا إخوانا أم لم يكونوا يتعاملون مع الواقع بمنطقه‏,‏ ويحاولون قدر ما يطيقون‏,‏ وبحسب درجة إيمانهم بمبادئهم‏,‏ أن يوازنوا بين تمسكهم بها وبين ضرورات هذا الواقع‏,‏ ففي التجارة والاقتصاد‏,‏ يطبق المستثمرون والتجار والمقاولون من الإخوان المسلمين‏,‏ قوانين السوق‏,‏ فيحددون للعمال أجورا لا تزيد علي ما هو سائد في هذه السوق‏,‏ بصرف النظر عن عدالة ذلك أو عدم عدالته‏,‏ وقد يؤجل بعضهم دفعها‏,‏ علي الرغم من أن الحديث النبوي الشريف يوصي المسلم بأن يدفع للأجير أجره قبل أن يجف عرقه‏,‏ وهم يبيعون ما ينتجونه من سلع‏,‏ طبقا لأسعار هذه السوق‏,‏ بهدف أن يحصلوا علي أقصي ربح‏,‏ بصرف النظر عما إذا كان ربحا حلالا أم لم يكن‏..‏
وذلك ما يفعله أيضا‏,‏ خصومهم من الماركسيين الذين يدخلون سوق الاستثمار‏,‏ فلا يسألون أنفسهم عما إذا كان الأجر الذي يدفعونه‏,‏ لمن يعملون في مشروعاتهم الاستثمارية‏,‏ هو ثمن القيمة المضافة التي حققها هؤلاء العمال‏,‏ أم أنهم ـ حال كونهم مستثمرين أو منظمين ـ قد استولوا علي فائض قيمة عمل هؤلاء البروليتاريين‏,‏ كما تقول بذلك النظرية الماركسية‏!‏
وهذا الخضوع لضرورات الواقع يشترك فيه بدرجات متفاوتة كل أصحاب المباديء‏,‏ وفي كل أو معظم مناحي الحياة‏..‏ سواء تعلق الأمر بقوانين السوق‏,‏ أم بأساليب التعامل مع أبنائهم وزوجاتهم ورؤسائهم ومرؤسيهم وجيرانهم‏,‏ التي لا تخلو ـ في الأغلب الأعم ـ من آفات خلقية من الكذب والقسوة والخداع‏,‏ إلي الغيبة والنميمة وأكل أموال اليتامي ظلما‏,‏ وهي كلها شرور يجاهد المخلصون من أصحاب المباديء أنفسهم حتي لا يقعون فيها‏,‏ وقد يبحثون ـ في محاولة منهم للتوازن أمام أنفسهم ـ عن مبررات لعجزهم عن ذلك‏,‏ فالالتزام الصارم بالمباديء يتطلب أن يلتزم بها المجتمع كله أولا حتي لا يضار صاحبها من التزامه بها‏,‏ وقد يبحثون في المبدأ نفسه عن الرخص التي تبيح لهم التحلل من بعض هذه المباديء‏,‏ وقد يرتكبونها وهم يدعون الله أن يتوب عليهم منها‏,‏ فإذا تعلق الأمر بالسياسة‏,‏ فهناك ألف ذريعة وذريعة مبدأية‏,‏ تبيح لكل من يريد أن يتحلل من قيود المبدأ‏,‏ أن يفعل‏,‏ لا تبدأ بأن الحرب خدعه‏,‏ وأن الضرورات تبيح المحظورات‏,‏ ولا تنتهي بأن السياسة لا أخلاق لها‏,‏ وبأن الغاية تبرر الوسيلة‏!‏
وربما لهذا السبب‏,‏ لم أدهش لما قاله أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم‏,‏ ولم أستبعد صحته‏,‏ لأن اختراق الإخوان المسلمين للأحزاب المنافسة‏,‏ ليس حدثا نادر الوقوع في تاريخهم‏,‏ ومحاضر التحقيقات في المحاكمات التي أجريت لهم تحفل بالكثير من وقائعه‏,‏ وهو ليس من السلوكيات التي تقف مبادئهم عقبة أمامها‏,‏ انطلاقا من أنها تدخل في باب الرأي والمكيدة‏,‏ وهو لا يتناقض مع كونها جماعة لا تضم في صفوفها إلا الناس بتوع ربنا‏,‏ وإلا‏,‏ ما حرص شهود مثل هذه الوقائع علي روايتها في مذكراتهم‏,‏ علي سبيل الفخر بذكائهم السياسي‏,‏ والسخرية بخصومهم السياسيين‏!‏
حدث في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي‏,‏ أن تجدد الصراع القديم بين حزب مصر الفتاة وبين الإخوان المسلمين‏,‏ وكان الاثنان ـ منذ نشأتهما ـ يتنافسان علي اجتذاب طلاب الجامعات وصغار الموظفين والتجار وبقية شرائح الطبقة الوسطي الصغيرة‏,‏ التي كانت تستظل ـ منذ ثورة‏1919‏ ـ بعباءة حزب الوفد الفضفاضة‏,‏ ووصل الصراع في تلك المرحلة إلي درجة من الحدة‏,‏ أخذت أشكالا متنوعة‏,‏ لا تبدأ بالاشتباك العضلي بين أنصار كل منهما‏,‏ مع استخدام العصي والشوم‏,‏ ولا تنتهي بالمقالب الصغيرة التي يقوم بها كل منهما لإفساد المؤتمرات الجماهيرية للآخر‏,‏ سواء بدس جماعة من أعضائه داخل سرادق المؤتمر‏,‏ تفاجيء الجميع بإطلاق شعارات حزبها‏,‏ أم تهتف باسم زعيمه في معقل الخصم السياسي وبين جماهيره‏..‏ أم تقوم في غفلة من الجميع بإلقاء عدد من الثعابين غير السامة علي أرض السرادق‏,‏ ثم تصرخ لتنبيه الجميع إليها‏,‏ فيسرعون وفي مقدمتهم زعماء الحزب بالهروب‏,‏ وبذلك تضرب كرسيا في كلوب المؤتمر‏..‏ وتحوله من تظاهرة تتفجر بالحماسة إلي مسخرة‏,‏ تكشف عن جبن المنافسين‏.‏
وكان النظام الخاص للإخون ـ الذي يشكل الجناح العسكري السري لهم ـ قد شكل قسما للمخابرات‏,‏ مهمته أن يجمع كل مايهمهم من معلومات سياسية‏,‏ بما في ذلك المعلومات السرية التي تتعلق بأوضاع الأحزاب السياسية الأخري‏,‏ سواء كانت حليفة لهم‏,‏ أم كانت تتخذ منهم موقف المنافسة والعداء‏,‏ وتنفيذا لذلك كلف عدد من أعضاء الجهاز بالانضمام إلي هذه الأحزاب‏,‏ والانخراط في نشاطها بحماسة‏,‏ مما يمهد أمام كل منهم الطريق للصعود في مراتبها التنظيمية‏,‏ ويمكنه من اختراق الدائرة الضيقة التي ترسم سياساتها وتضع خطط تحركاتها‏..‏
ومن بين هؤلاء كلف الجهاز الأخ أسعد السيد أحمد بالانضمام إلي حزب مصر الفتاة‏.‏ وخلال شهور كان قد لفت الأنظار بحما لزعيم الحزب أحمد حسين المحامي‏,‏ الذي سانده‏,‏ حتي أصبح عضوا في الحلقة الضيقة التي تحيط به‏,‏ وبذلك أصبحت كل خطط مصر الفتاة لمواجهة الإخوان تصلهم أولا بأول‏,‏ مما مكنهم من إجهاضها‏,‏ كان من بينها أن مصر الفتاة وضع خطة لإفساد أحد مؤتمرات الإخوان الجماهيرية‏,‏ فأرسل عددا من أعضائه إليه‏,‏ ومعهم زجاجات بها غاز كريه الرائحة‏,‏ لإطلاقه في قاعة الاجتماع أثناء إلقاء مرشد الإخوان لخطابه‏..‏ وما كادوا يدخلون السرادق‏,‏ حتي أحاط بهم عدد من الإخوان‏,‏ قادوهم إلي مكان أمين‏,‏ حتي انتهي المؤتمر‏,‏ فاتصل المرشد العام بزعيم مصر الفتاة ليقول له‏:‏ لديك عندنا أمانة أرجو أن تحضر لاستلامها‏..‏
ولم يعرف أحمد حسين سر قبض الإخوان علي رجاله‏,‏ إلا بعد ذلك التاريخ بحوالي عامين حين القت الشرطة القبض علي أسعد السيد أحمد في إحدي قضايا الإخوان‏,‏ فتطوع للدفاع عنه‏,‏ باعتباره عضوا في مصر الفتاة تسعي أجهزة الأمن لإقحامه في قضية إخوانية علي سبيل الكيد له‏..‏ وظل يعتقد ذلك‏,‏ حتي تسلم ملفات القضية‏,‏ ليجد من بين أدلة الاتهام التي عثرت عليها الشرطة ضمن مضبوطات الجهاز السري تقارير ضافية بكل ما كان يقوله ويفعله‏,‏ كتبها أسعد من بينها تقرير عن خطة إطلاق الغازات كريهة الرائحة في فضاء المؤتمر‏..‏ ساعتها فقط تنبه أحمد حسين إلي أن الإخوان الذين كان يظنهم ناس بتوع ربنا لا يتجسسون ولا يتحسسون يضعون المباديء علي الرف حين يشتغلون بالسياسة‏,‏ ولديهم العذر‏,‏ فالضرورات تبيح المحظورات‏..‏ والسياسة لا أخلاق لها‏,‏ والغاية تبرر الوسيلة‏!‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 25 / 8 / 2007
رقم العـدد
544
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg