|
حمدي الجمل الأزمة العقارية في مصر ليست وليدة اللحظة بل لها جذور تاريخية تمتد لعشرات السنين, فقد تراكمت معطيات عدة علي مر السنوات السابقة لتجسد معضلة يصعب حلها الآن أو التكهن بنتائجها مستقبلا علي مجمل أوضاع الشعب المصري الاقتصادية والاجتماعية والقيمية... إن تداعيات المشكلة السكانية خلقت نتائج كارثية وأزمات متعددة علي عدة أصعدة, أبرزها أنها حولت حياة الناس الباحثين عن الاستقرار إلي سلسلة من المنغصات اليومية وارتفعت نسبة العنوسة بين الشباب في ظل انعدام الأمل في الحصول علي شقة لتأثيث عش الزوجية مما يهدد استقرار المجتمع كله. والشاهد أن السياسات التي تأخذ بمعطي واحد دائما وتتجاهل العديد من أبعاد أي قضية هي التي قادت إلي ظاهرة الفقاعة العقارية في مصر حاليا.. ويتجلي ذلك في أن ارتفاع أسعار الوحدات والشقق السكنية له أسباب عدة, ففي فترة الستينيات والسبعينيات كان للتشريع الحكومي الخاص بقانون الإيجارات الأثر المباشر في الأزمة السكنية وفي فترة التسعينيات كان للاتجاه نحو الإسكان الفاخر الأثر اللافت للنظر في زيادة الأسعار وبسبب تحرير سعر الصرف في يناير2003 وما خلفته سياسة الخصخصة من احتكار لسلعتي الحديد والأسمنت ارتفعت كلفة الوحدة. وفي تقدير بعض الخبراء والمعنيين بسوق العقارات أن ارتفاع الأسعار مجددا سببه سياسة وزارة الإسكان التي تجلت في بيع الأراضي الصحراوية في المزاد العلني وبأسعار مبالغ فيها وصلت إلي50% من كلفة الوحدة السكنية, إضافة إلي بيع مساحات شاسعة في المدن الجديدة وعلي جانبي الطرق السريعة إلي مستثمرين عرب والذين بدورهم رفعوا سعر الفدان إلي أكثر من9 ملايين جنيه, وتلفت هذه المصادر النظر إلي أن وزارة الإسكان تكرس سياسة احتكار الأراضي سواء من خلال سياسة التخصيص السابقة أم البيع بالمزاد حاليا لبعض السماسرة أم للشركات العربية, إضافة إلي أن تداعيات الحرب الأمريكية علي العراق, وكذلك الحرب الإسرائيلية علي لبنان الصيف الماضي دفعت العديد من الإخوة العرب إلي الاتجاه نحو مصر وأدي ارتفاع الطلب علي العرض إلي ارتفاع أسعار الشقق والوحدات السكنية بأكثر من400% في بعض المناطق, إضافة إلي تحويل المدن الجديدة إلي أحياء للصفوة, وتراجع الاستثمار الحكومي في الإسكان المتوسط لمحدودي الدخل وعدم رغبة القطاع الخاص في الاستثمار في المجمعات السكنية والنزوح إلي المنتجعات السياحية.. في ضوء كل ذلك تفاقمت الأزمة وأصبح هناك أكثر من13 مليون مصري يبحثون عن مأوي لهم كما أن63% من السكان يعيشون في وحدات سكنية مشتركة والباقي يعيشون في نحو1176 منطقة عشوائية. وللخروج من مأزق الانفجار العقاري لابد من وضع رؤية إستراتيجية طويلة المدي تراعي عدة اعتبارات قومية واجتماعية توازن بين المفهوم الاقتصادي الذي يهدف إلي الربح بأي شكل حتي لو كان الاحتكار سبيل ذلك وبين مفهوم الأمن الاجتماعي. وهذا يستوجب إعادة النظر في كل السياسات الحكومية التي أوصلتنا إلي ما نحن فيه الآن, إذ إن خطورة الأمر تستوجب وقف بيع الأرض للمستثمرين العرب أو علي الأقل تحديد نسبة لا تزيد علي عدد معين من الأمتار لكل مستثمر, لكن أن تشتري إحدي الشركات العربية ملايين الأمتار في قلب القاهرة, أو علي ساحل البحر, فإن هذا يمثل احتكارا ويعد بابا واسعا لارتفاع الأسعار لحرمان المصريين من حقهم في سكن آمن. ومن جهة أخري يتعين سرعة تدخل الدولة في صناعة مدخلات الإنتاج العقاري من خلال إقامة مصانع للحديد والأسمنت حتي تصل حصة الدولة في هذه الصناعات إلي50% علي الأقل لضمان ضبط الأسعار, إضافة إلي اشتراط آلية السهم الذهبي في كل عقود الشركات العقارية حتي يكون للدولة الحق في الاعتراض وتصويب السوق. وكذلك البحث عن صيغ وآليات أخري لحل المشكلة غير قانون الرهن العقاري لأن الهدف الأساسي منه هو حل مشاكل البنوك ورجال الأعمال قبل الإسهام في حل مشكة الأزمة السكانية, كما أن ما يحدث في أمريكا الآن من انهيار البورصة نتيجة لقانون الرهن العقاري يجعلنا لا نعول كثيرا علي شركات التمويل العقاري لأن انهيارها يعني انهيارا اقتصاديا كاملا. كما يتعين سرعة إصدار تشريع لقانون الإيجارات القديم الذي خلق الأزمة السكانية والقانون الجديد الذي عمقها, حيث أن سوق العقارات في مصر مكبل بأكثر من56 قانونا ونحو30 قرارا وزاريا وأوامر للحاكم العسكري*
|