|
عزمي عبدالوهاب برحيل رجاء النقاش نودع رمزا كبيرا من رموز بناة النهضة العربية, الذين اغتنت بهم حياتنا علي مدي النصف الأخير من القرن العشرين, برحيل هذا الناقد الكبير نودع عصرا من الفروسية, كان النقاش أحد أعلامه البارزين, إذ كان ـ إضافة إلي علمه ـ من أولئك الذين ألقي الله محبتهم في القلوب, يدل علي ذلك ما جري قبل رحيله بأيام في احتفالية حزب التجمع بنقابة الصحفيين, من إجماع مصري وعربي علي محبته, فقد حرص كبار مثقفي مصر علي حضور هذه الاحتفالية, برغم برودة وأمطار القاهرة آنذاك. كانت مجلة الهلال العريقة قد سبقت الجميع بتكريم الناقد الكبير حين أصدرت عددا خاصا عنه بتاريخ فبراير2007 قبل أن يدخل النقاش في متاهة المرض, لتأتي بعد ذلك احتفالية المجلس الأعلي للثقافة, التي غاب عنها ناقدنا الكبير, فبدت باهتة علي نحو لا يليق بقامة النقاش. وإذا تحدثنا عن أيادي النقاش البيضاء علي الثقافة العربية, بتقديمه أربعة وجوه من وجوه ثقافتنا العربية الناصعة( حجازي ـ الطيب صالح ـ محمود درويش ـ سميح القاسم) فإننا نعيد ونزيد فيما يكرره الآخرون, لكننا نتوقف عند اللبنة الأولي في أسرة النقاش التي جاءت لنا فيما بعد بوحيد( اختطفه الموت مبكرا) وفكري وفريدة وأمينة النقاش, وكلهم كانت صناعتهم القلم, كان الأب عبدالمؤمن النقاش الشاعر والأديب هو الرائد والموجه الأول لكتيبة النقاش, ففي قرية منية سمنود بالدقهلية, عندما رأي الأب ابنه( رجاء) يقرأ القرآن, منحه الدرس الأول: عليك أن تفهم أولا, قبل أن تحفظ, ولابد أن تعرف معاني الألفاظ الصعبة, ثم عليك أن تقرأ قراءة صحيحة من حيث التشكيل. من هنا استفاد رجاء النقاش من القراءة المتأنية الحريصة علي فهم كل كلمة, وكل آية, الكثير من المعرفة باللغة العربية, هكذا قال النقاش في حواره مع مجدي الدقاق ـ رئيس تحرير الهلال ـ لتبدأ بعد ذلك الرحلة الصعبة حين عمل بالصحافة, بعد اختيار زكريا الحجاوي له ليعمل في جريدة الجمهورية جريدة الثورة, وكانت تحت الإنشاء, كان الحجاوي سكرتيرا للتحرير, وكان أنور السادات مديرا عاما للجريدة. كان النقاش آنذاك طالبا في الجامعة, وقد اختاره الحجاوي ليعمل مصححا بالجريدة الناشئة وقتها, وقبل أن يصدر العدد الأول من الجمهورية تعرض النقاش لصدمة كبيرة هي الأولي في حياته, إذ أصدر السادات قرارا بإيقاف زكريا الحجاوي عن العمل, ومنعه من دخول الجريدة, برغم وقوفه بجانب السادات في أزماته المتعددة, عندما كان مطاردا قبل الثورة. فقد النقاش حمايته الأولي والوحيدة في الصحيفة الوليدة, بعد طرد الحجاوي منها, ولم تمض سوي فترة قصيرة, حتي تعرض هو الآخر للفصل, إلي أن رشحه الناقد الكبير أنور المعداوي للعمل في مجلة الإذاعة الأسبوعية, مراجعا للمادة التي تنشر, وهناك شغل غرفة واحدة مع الشاعر صلاح جاهين, الذي كان مسئولا عن إخراج المجلة..عمل النقاش بعد ذلك في مجلة البوليس التي كان يحررها آنذاك سعدالدين وهبة, وبعد سنتين من العمل في تلك المجلة, خاض تجربة أخري ـ وصفها بالعجيبة ـ حين عمل أيام الوحدة المصرية ـ السورية في جريدة الجماهير وكان يترأس تحريرها جمال الأتاسي, وكانت التقارير السرية, أيام الوحدة, لا تنتهي ضده, لذلك توقفت الجماهير عن الصدور في سبتمبر.1959 عاد النقاش إلي مصر ليعمل في كل المؤسسات الصحفية, وكانت البداية في روز اليوسف التي انتقل منها عام1961 إلي أخبار اليوم, وبعد عام من العمل في الجمهورية استدعاه أحمد بهاء الدين, للعمل معه في دار الهلال, ليتولي رئاسة تحرير الكواكب وبعد سنوات حاولت أمينة السعيد أن تصدر قرارا برئاسته تحرير مجلة الهلال إذ كان مشرفا فعليا عليها, لكنها فوجئت بالسادات يستدعيها, ويقول لها: لا تصدري قرارا بتعيين رجاء النقاش رئيسا لتحرير الهلال لأن يوسف السباعي جاءني وقال لي إذا حدث ذلك فسوف أستقيل من كل مناصبي كان السباعي يري أن النقاش منحاز لنجيب محفوظ ضده, وأدرك الناقد الكبير أنه سيدخل في مرحلة طويلة من الحصار والمطاردة حتي يختفي من مصر. وفي العام1979 تلقي عروضا للعمل في بعض البلدان العربية, فاختار قطر التي سافر إليها, ليؤسس جريدة الراية ليكون أول مدير لتحريرها, وبعد عامين انتقل إلي العمل رئيسا لتحرير مجلة الدوحة بدءا من العام1981, حتي توقفت تماما عن الصدور عام1986, ليعود بعد ذلك إلي العمل بدار الهلال, حتي انتقل إلي الأهرام كاتبا متفرغا بها حتي وفاته يوم الجمعة8 فبراير.2008 طوال أكثر من نصف قرن كان النقاش المعروف بغزارة إنتاجه الأدبي( توفي عن73 عاما) فارسا من فرسان الكلمة, التي خاض من أجلها معارك أدبية هادئة, تختلف كثيرا عن المعارك التي شهدتها مجلة الرسالة التي تناثرت علي صفحاتها الشتائم وجرائم السب والقذف, كان النقاش هادئا, يناقش الفكرة التي يعترض عليها, دون أن يجرح, وأشهر هذه المعارك, معركته مع الشاعر السوري أدونيس التي دارت حول شعره وأفكاره, التي تنتمي إلي الحزب القومي السوري الاجتماعي آنذاك كان أدونيس مدعوا لمصر, فكتب النقاش: أيها الشاعر الكبير.. إني أرفضك ويأبي النقاش إلا أن يمنحنا درسا في الموضوعية والنزاهة, حين يتراجع عن رأيه في أدونيس.. ذلك كان آخر مواقفه, أما الموقف الأول, فحين كان منشغلا بالكتابة ضد أدونيس, وكان الشاعر محمد عفيفي مطر, قد قال في حوار أجري معه آنذاك: لقد قرأت مصطفي صادق الرافعي وهناك قصيدة كاملة عند أدونيس منقولة من مصطفي صادق الرافعي كانت الموضوعية تقتضي من النقاش, وهو يجمع مقالاته في كتابه ثلاثون عاما مع الشعر والشعراء أن يكتب في الهامش: عندما كنت أعد هذا الكتاب للطبع في أوائل1992, لم يكن الشاعر عفيفي مطر قد كشف عن حقيقة التهمة التي وجهها إلي أدونيس, مما يجعل هذه التهمة غير ذات موضوع حتي يتم تقديم الدليل القاطع عليها. هذا هو رجاء النقاش, ولم يكن هذا هو موقفه الأول من أدونيس فلنترك د. جابر عصفور يروي هذه الواقعة, يقول: عندما قمت بدعوة أدونيس إلي أمسية خاصة, يلقي فيها شعره بالمجلس الأعلي للثقافة, وقام البعض بشن حملة تخوينية تكفيرية علي أدونيس, في الأهرام, وتوجه البعض إلي فاروق حسني وزير الثقافة, لعله يأمرني بمنع أدونيس من إقامة الأمسية, وكانت المفاجأة أن اتصل رجاء النقاش بي مؤكدا تأييده لدعوة أدونيس, موضحا أن الاختلاف لا يعني الحجر والعداء, وأن احترامه لأدونيس لا يمكن أن يتخلي عنه, وهو الذي يدفعه لاستمراري في إقامة الأمسية, وقد عرفت أنه خاطب فاروق حسني في ذلك, داعما حضور أدونيس إلي القاهرة, وإقامة أمسيته في المجلس الأعلي للثقافة. وكانت معركة النبل الثانية ـ دون ترتيب زمني ـ خاصة بالشاعر الراحل أمل دنقل, الذي كان يرقد في حجرة بمعهد الأورام, دون أن تسهم الدولة في علاجه, فتراكمت الديون عليه, ما جعله مهددا بالطرد من المعهد, وكتب النقاش مقاله: لماذا نقتل الشعراء؟ وكانت النتيجة حملة واسعة لمساندة أمل دنقل, كتب النقاش عن دنقل دون أن تكون بينهما صداقة أو شبه صداقة, بل علي العكس, كما يقول هو: إنني لم أنجح في يوم من الأيام في إقامة جسور للصداقة الحقيقية بيني وبين هذا الشاعر, فهو من أصعب الشخصيات التي عرفتها في الجيل الأدبي المعاصر, وأعصاها علي إقامة أي نوع من الألفة الحميمة معه, ولكن صداقتي مع أدبه قائمة وممتدة منذ اليوم الأول الذي استمعت فيه إلي قصائده..وامتدادا لهذه الروح والأخلاقيات واصل النقاش معاركه في الأدب والحياة, فحين كتب: ليس بالقلب وحده مات صلاح عبدالصبور ويرد عليه أحد الصحفيين, كتب مقاله الثاني, بالعنوان ذاته, مذيلا إياه بملاحظة تقول: لم أذكر اسم الرسام ولا اسم الكاتب الصحفي لأنني أريد للقضية أن تخرج من إطارها الشخصي إلي إطار الموضوعات العامة التي أرجو أن ينتفع منها واقعنا الثقافي, فتتخلص أساليب الحوار بيننا جميعا من العنف والاتهامات الجارحة, التي لا تقوم علي أساس ثابت من العلم والحقيقة. كتب رجاء النقاش هذا برغم أن الجميع يعرف أن الرسام المقصود هو الفنان بهجت عثمان, وهو المنهج ذاته الذي كتب به عن طه حسين في كتابه أدباء معاصرون لقد أدان النقاش عميد الأدب العربي في مواقفه لكنه قبل الإدانة حاول أن يفهم ويعرف الحقيقة, ولم يسمح لنفسه بأن يتهم طه حسين في أخلاقه أو وطنيته, ربما كانت اللحظة العنيفة التي عاشها النقاش أو كتبها ردا علي صالح جودت, هي لحظة العنف الوحيدة, التي لم نعتدها في كتاباته, وسبب ذلك أن جودت كان عنيفا في حملته علي نزار قباني وقصيدته عن النكسة. كان نزار قباني قد كتب قصيدته هوامش علي دفتر النكسة ونشرتها الآداب البيروتية ومنع العدد من دخول مصر, فتبادلتها الأيدي كمنشور سري, وكتب صالح جودت مقاله امنعوا أغاني نزار قباني ونشره النقاش نفسه في مجلة الكواكب حين كان رئيسا لتحريرها وتابع جودت مقالاته تحت عنوان فضيحة نزار قباني وكان أن سارع بعض موظفي الإذاعة والتليفزيون إلي اتخاذ قرار بمنع إذاعة أغاني نزار, ومنع اسمه نهائيا من أجهزة الإعلام, ثم أشيع أنه ممنوع من دخول مصر. وانبثقت الفكرة من ذهن النقاش لينقلها إلي نزار قباني, بعد أن كتب مقالا يرد علي جودت, نشرته المصور آنذاك كانت فكرة النقاش أن يكتب نزار رسالة إلي عبدالناصر يشرح فيها موقفه ويطالب بعلاج الأمر, وأخذ النقاش الرسالة لتصل إلي عبدالناصر عن طريق أحمد بهاء الدين, ولم يمض أسبوع حتي استدعي محمد فائق وزير الإعلام النقاش, ليطلعه علي رسالة نزار قباني ومعها تعليق بخط يد الرئيس عبدالناصر: يلغي قرار المصادرة بالنسبة للقصيدة, ويرفع أي خطر علي اسم نزار أو أي قرار بمنعه من دخول مصر. هكذا كان رجاء النقاش, وهكذا كان عبدالناصر, فما الذي تغير؟! هل نفتقد النقاش في الوجوه, التي تتهافت علي الموائد, من أجل مقال هنا وآخر هناك, أوعضوية لجنة تحكيم في الجوائز التي تكاثرت حولنا؟ هكذا كان رجاء النقاش فارسا في عصر خلا من الوسامة, كما قال صلاح عبدالصبور*
|