|
* كتب ـ عزمي عبد الوهاب بعد أن أصدر الكاتب يوسف الشريف كتابه السودان وأهل السودان ها هو كتابه اليمن وأهل اليمن يأتي إلينا عبر دار الشروق, ليشكل حصيلة أربعين زيارة قام بها الشريف إلي اليمن, التقي خلالها مثقفين وسياسيين, وانطبعت في ذهنه ذاكرة مكانية للبلد الذي أحبه, وكانت المحصلة ـ كما يذكر هو ـ ألف حكاية, بتقديم السياسي اليمني محسن العيني, الذي تولي عدة مناصب قيادية مهمة في بلاده. وقبل الدخول إلي عالم الكتاب الرحب, ينبغي أن نشير إلي أن يوسف الشريف تتلمذ في مدرسة روز اليوسف, وعايش كبار المثقفين والفنانين الذين شكلوا أعمدة هذه المدرسة والوطن, وقد غطي بأعماله الصحفية أغلب الحروب العربية, ابتداء من حرب اليمن وحربي1967 و1973, وليس انتهاء بالحرب الصومالية ـ الأثيوبية, بل إنه انضم في فترة من حياته إلي منظمة فتح ودخل الأراضي المحتلة مع المقاومة الفلسطينية, وكان أحد مؤسسي صحيفة فتح التي صدرت في عمان تحت رئاسة الشهيد ماجد أبو شرار. بدأت علاقة الشريف باليمن قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر1962, مع طلائع الأحرار اليمنيين في القاهرة, وهو لا يكتفي في كتابه بالوقوف علي أبواب اليمن الحديث, بل إنه يعود بنا إلي التاريخ القديم, متحدثا عن آثار وتماثيل وشواهد, تدل علي الصلة القائمة بين الحضارة المصرية الفرعونية وحضارة اليمن, ليبرز بعد ذلك دور مصر واهتمامها بالعلاقات مع اليمن, وصولا إلي ثورة23 يوليو وانفتاحها علي الساحة العربية, ثم القرار الجريء الذي اتخذه الزعيم جمال عبدالناصر, بالوقوف مع الثورة اليمنية, ودعمه لحركة التحرير في الجنوب, عندما أعلن من تعز: علي الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل. وكان هذا الشعار مقرونا بإقامة معسكرات التدريب, والإمداد بالسلاح, ودعم إذاعة صوت العرب للثوار, وخلال ذلك كان الشريف حريصا علي إبراز تضحيات الجنود المجهولين وما قدموه من أجل البلدين مصر واليمن وكما يقول محسن في مقدمته: لا يكاد يترك الكتاب موضوعا إلا طرقه, تحدث عن صنعاء وأسواقها ومبانيها, وكوكبان وتعز وعدن وشيبام وحضرموت, عن بازرعة وباكثير في القاهرة, عن المرأة اليمنية ودورها, والأزياء والفل والفضة, عن المغتربين, عن المذهبين الشيعي والحوثي, عن القبائل والقات والسلاح, حاور البردوني وعبدالفتاح إسماعيل وعلي عبدالله صالح وعلي سالم البيض وكثيرين غيرهم, سياسيين وأدباء وفنانين, لم يترك صغيرة أو كبيرة من حياة اليمن شمالا وجنوبا إلا وتحدث عنها, حديث المحب العاشق. وبالنظر إلي أهمية العلاقات المصرية ـ اليمنية, فإننا نشير إلي ما أقدمت عليه مصر بإغلاق باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية إبان حرب أكتوبر1973, من دون التشاور مع السلطات اليمنية لدواعي المفاجأة الإستراتيجية, وهذا يؤدي إلي نتيجة تؤكد بعد نظر عبدالناصر حين أرسل الجيش المصري إلي اليمن لدعم ومساندة الثورة هناك, إيمانا منه بالأهمية الإستراتيجية لهذا البلد, وهو ما استفاد منه السادات فيما بعد حين أغلق باب المندب..اعتمد يوسف الشريف في كتابه هذا علي تجربته ورؤيته الشخصية للتطورات والوقائع التي عايشها, واختار لذلك أسلوبا بسيطا في الكتابة, يؤكد مصداقية ما يحكيه, ثم العبور سريعا علي المعلومات المتداولة عن اليمن, والولوج إلي ما وراء الكواليس من أسرار. ومن المفارقات التي يرصدها الشريف في كتابه ما أشيع عن دعم اليهود للحوثيين, حيث التقي الشريف أحد زعامات اليهود وسأله: لماذا لم تهاجر إلي إسرائيل مثل غيرك من آلاف اليهود اليمنيين؟ فقال: أنا ولدت في اليمن, وسوف أموت وأدفن في اليمن, مثل أبي وجدودي. من يقرأ كتاب الشريف يدرك أنه لم يترك حجرا في اليمن إلا وقلبه, ليري ما وراءه.
|