|
قصة ـ محمد حلمي السلاب Mhsallab65@yahoo.com مازالت تشكو صداعا مزمنا لا يفارقها, أسندت ظهرها إلي كرسي مكتبها الوثير, أغمضت عينيها.. فعملها يتطلب منها تركيزا ويقظة وإلا ارتبك كل شيء من حولها.. كانت دائما تسأل نفسها لماذا لا تكتمل دائرة النجاح في حياتها؟ لماذا تبدو حياتها مشرقة براقة في جانب ومظلمة في جانبها الآخر؟ ومع إحساسها الدفين بأن عمرها يفر منها وهي لا تستطيع أن تفعل شيئا.. بمعني أدق يسرق منها الفرح في حياتها ومنذ زواجها بالتحديد كان مجرد احتمالات, هكذا كانت تري مشهدا من حياتها..خيال.. سراب.. كانت تشبه نفسها بأرض زراعية يكاد زرعها يموت عطشا.. لا ينقص حياتها أي شيء إلا ماء الحياة الذي يرويها. أعطت لأعصاب عينيها المزيد من القدرة لمزيد من الإغلاق لكي تمعن في النسيان.. ولكن هيهات.. إن نجاحها في عملها بدرجة أبهرت الجميع, حتي أولئك الذين تمنوا لها درجات من الفشل... لا يساوي عندها أي شيء.. هي تشعر بدمار داخلي لا تجد له سببا إلا روتين حياتها المنزلية وكونها زوجة لرجل لا يقدر هذا الدور الحياتي كما ينبغي... هي تعترف بأن زوجها كريم معها( ماديا) وبخيل( عاطفيا) لا توجد به أي عيوب ظاهرية, قد يلاحظها الآخرون. ولكن كل هذا لا يليق بامرأة غير عادية مشكلتها أن كلها( جسمها وكيانها) رومانسي إلي درجة لا تحتمل, تتفنن في أمور السعادة الزوجية مثلما تتفنن بعض النساء في إعداد الأطباق والأكلات المثيرة... وزوجها ذو المركز المرموق لا يقدر كل هذه المواهب... تقول عنه إنه ينسي كل ما يتعلق بشئون المرأة... بالأمس القريب كان عيد ميلادها الخامس والثلاثين, سنون حياتها تمضي وتضيع وحتما سينهار بناؤها الحياتي وتمضي زهرة شبابها علي سرير فخم في حجرة مكيفة وتليفزيون يذيع أحد الأفلام الرومانسية في أحد المستشفيات الاستثمارية.. تؤكد أن كليهما يعيش تحت سقف واحد مثل أي أخوين سعيدين بهذه الأخوة.. بالرغم أنهما رزقا بولدين رائعين... ولكنها ترفض أن يضيع عمرها بهذه الطريقة لأنها تعيش مرة واحدة فقط والسنون تجري بها, وهي لا تريد أن تعيش مثل المسنين( بدري قوي علي قعدتي دي خصوصا أنني من طينة بركانية). حتي إن الآخرين كانوا يلاحظون دموعا تسيل علي خديها.. كانت الدموع علي ما فات من عمرها.. شيء ما بداخلها يرفض أن يقودها إلي إتيان أفعال تعويضية أقل ما توصف به أنها( حرام) زوجها لا يعترف ببركان أحاسيسها. كل ما يهمه جمع المال وأن يأكل ويشرب ثم ينام فورا دون أدني إحساس.. صرخت( أفضل أن أعيش وحدي, أرحم من أن يرتج بجانبي ويتجاهلني هكذا) كانت تصرخ وكأنها تتحدث لكل من تلمحه عيناها.. لا يستطيع أي إنسان أن يعيش بدون مشاعر( صدقوني حاولت معه كثيرا.. شغلت نفسي بحفظ القرآن ورعاية الأولاد.. ألا ترون نجاحي في عملي.. هذا النجاح يقابله فشل.. أحد عشر عاما..ضاعت.. سرقت كانت أمنية حياتي أن أغيره.. صدقوني حياتي متجمدة) ولكن يبدو أن أحدا لم يسمع حديثها.. كان كل من حولها يمضي في طريقه وكأنهم لا يسمعون نبرات أحاسيسها المنفعلة.. هي حقا لا تتكلم ولكن يفترض أن يشعر بها أحد. كان حديث عينيها لا يتوقف فهي لا تريد أن تبدد عشر سنوات أخري قد تكون فيها من أسعد الناس وقد تسعد شخصا آخر يبحث مثلها عن هذه السعادة.. كيانها ينطق( عندي كل شيء.. أنا فنانة في أمور السعادة) حياتها المريحة في شقتها الفخمة الضخمة والتي تطل علي نهر النيل لا تعنيها في شيء.. هي تبحث عن خيمة قد تكون في صحراء قاحلة موحشة ولكن بجوار شخص يحبها..( أكون من أسعد الناس).. أحلامها أن تحمل ورودا.. وتجد بجانبها إنسانا حيا تبعث فيه رائحة الورود شيئا ما.. أقلها أن يقبلها فرحا.. هي تبحث عن قبيلة السعادة التي تحتويها هي وحبيبها.. صار هدفها الوحيد في الحياة أن تبحث عن استمارة عضوية لهذه القبيلة تكتب بياناتها ببعض من دمائها. وفجأة سمعت صوت إحدي زميلاتها في العمل يناديها( هل مازلت تجلسين؟ حان وقت الانصراف من العمل) فنهضت مسرعة وهي تحدث زميلتها..( زوجي علي وصول والأولاد.. لم أعد لهم شيئا يأكلوه.. سأتصل به لكي يتصل بأحد مطاعم الديليفري) ليس عندي وقت لأي شيء الفكر يلتهمني.
|