|
محمد هلال الحب هو خبز الحياة اليومي, هو الهواء النقي والغذاء النظيف الخالي من الهرمونات والمبيدات والهندسة الوراثية التي تقلب الذكر إلي أنثي والعكس, فتتبلد المشاعر وينعدم الإحساس وتكثر الجريمة تري هل أثر التلوث فينا إلي هذا الحد؟! فثقب طبقة الأوزون التي تحمي كوكبنا من الأذي, وثقب قلوبنا فتلوث كل شيء وامتلأت صفحات الحوادث بالجرائم التي يذكر فيها وعليها اسم الحب؟!! وأصبح ما نسميه حبا طعم جديد مثل الفاكهة التي يبهرنا منظرها ولكن بلا طعم ولا رائحة والخيار الجديد الذي لا هو خيار ولا هو قرع.. ربما جنس ثالث أو سمك البلطي المخنث بعدما لعبت به التغذية الجديدة لعبها ليصبح كبير الحجم فاقد الطعم يصيب من يناوله بالأمراض. أفسدنا خبز الحياة اليومي, هندسناه وراثيا, وأضفنا إليه الهرمونات القاتلة فأصبح مثل الجنين المشوه أو خبز وزارة التضامن المليء بالمسامير والإضافات الغريبة التي تمتليء بسببها المستشفيات. وأصبح الحبيب سابقا المزة حاليا متاحا طوال الوقت وكانت مجرد النظرة تفعل فعلها ولنسمع للشاعر العذري يقول:إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لا يحيين قتلانا, والحور هو اتساع العين مع شدة في البياض والسواد أو الذي قال: أري ريقها ماء الحياة تيقنا علي أنها لم تبق لي في الهوي حشا. وكان العشاق والمحبون يبتدعون الحيل للتواصل فتمضع الحبيبة السواك وتهديه مع رسول لعاشقها. أما مزز اليوم فمثل عربة الحانوتي مكتوب عليها تحت الطلب ولكل طلب سعره وتكاليفه. وقد حاولت أن أخرج من تلك النظرة الكئيبة للواقع حولنا ربما جاوزني الصواب فقلت في نفسي لأسأل الأصدقاء وخصوصا الشعراء والمبدعين منهم عن ماهية الحب عندهم وبدأت بالزميل الشاعر عزمي عبد الوهاب فقال من فوره الحب عندي هو الجنس فقلت له اكتب هذا.. فابتسم ساخرا وقال: أنت مجنون؟! سيهدر دمنا أدعياء الفضيلة فزادني إحباطا من لون آخر.. وهو أننا وتلك حالة عامة نخبيء ما نؤمن خشية الاتهام بأشياء نراها نقائص ثم سألت الزميل المبدع أسامة الدليل فضم شفتيه وأشار بيده في دلالة جنسية ثم قال وهل الحب غير ذلك العالم كله يا محترم يمارس الحب في فنون الجنس. فقلت له اكتب ذلك فقال أنا فعلا كتبت ذلك في هذا الملف تحت عنوان سبوبة الحب العذري. وأنهيت سريعا جولة الأسئلة وعدت إلي وصف واقعنا المرير. فحين تتجمد المشاعر وتتحجر القلوب وتطغي المادة.. يضيع منا الحب ويتغير لون الحياة إلي الأسوء أو الأسود إن أردت الدقة. ولا يبقي أمامنا إلا الاحتفال بالذكري السنوية لفردوس الحب المفقود أو المقتول إن شئت الحقيقة. ولأن العرب ـ أهل الحب سابقا ـ خلو من بهجته الرائعة الآن استوردوا الفرحة الزائفة بذكراه مثلما يستوردون لعب الأطفال والملابس المستعملة وأجهزة الكمبيوتر القديمة ويسمونها استعمال خارج أيضا استوردنا فرح الحب ولكن استعمال خارج!! احتفال لمجرد الذكري ـ تأبين يعني ـ كما نحتفل بذكري الموتي كل عام فلم يكن لدي أجدادنا عيد للحب لأنهم كانوا يعيشون الحب في أنفاس صدورهم ودقات قلوبهم. فقد قال النبي الكريم:حبب إلي من دنياكم ثلاث.. الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ولكن لطغيان المادة ومعاك قرش تساوي قرش لم نعد نعرف للطيب رائحة طيبه أو نعطي النساء حقها فقد كان الغزل في المحبوب قوت القلوب اليومي حتي أصبحت الحياة لحظات حب رائعة ولنسمع للإمام علي كرم الله وجهه يقول لزوجة السيدة فاطمة الزهراء حين رأها تضع عود الآراك( السواك) في فمها:هنيئا لك يا عود الآراك بثغرها.. أما خفت يا عود الأراك أراك؟! وربما انتقلت الحالة إلي الكائنات والحيوانات حولهم ولننظر قول الشاعر: أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري, وها هو الإمام الفقيه ابن حزم الأندلسي يقول: لولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر والجنة دار جزاء وأمان لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه وكمال الأماني ومنتهي الأراجي, ويلخص الشاعر العربي العباس بن الأحنف فلسفة الحب والإنسانية قائلا: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي.. لا خير فيمن لا يحب ويعشق. ومعني ما سبق أن أجدادنا كانوا بشرا حقا فهناك حديث نبوي يقول:من أحب واعف ومات فهو شهيد. تري هل هناك مقام أرقي من مقام الشهيد لمن لازم العفاف والطهر مع من أحب.. ولم يستبدل وصف الحبيب بالمزة ومعناها الأنثي رائعة الجسد وليس الروح حتي أصبحت العين التي هي بوابة الروح بوابة للحمي الجسدية والنزوات الحسية وما يلزمها من إنفاق مادي بلغة العصر( الشيء لزوم الشيء) واحتل المطرب العصري بعرور مكان العندليب واحتلت التي تغني بجسدها ـ وهن كثيرـ مكان أم كلثوم وفيروز, كما أزاحت أغنيات مثل بحبك يا حمار أغنيات رق الحبيب وولد الهدي وسلو كؤوس الطلا. حتي أصبحت القلوب مجرد مضخات للدم فامتلأت صفحات الحوادث بالجرائم التي يشيب لهولها الغراب, زوجة تقطع زوجها.. زوج ـ ولا مؤاخدة ـ يعمل قوادا علي أهل بيته من أجل المال.. ووالد يعتدي علي بناته.. غيبوبة طويلة عن الحب الذي تفلت منا.. فضاعت منا لذة العيش واحتلت نفوسنا الأشياء التافهة وأصبح الدبدوب الأحمر والقلوب الدموية اللون المستوردة رمزا للحب, وكلما كبر حجم الدبدوب كان علامة علي كبر القلب والحب, وامتلاء الجيب بالنقود!! كما احتلت نفوسنا الأمراض النفسية والبدنية ولا عجب إذا عرفنا أن العلم الحديث أثبت صحة ما نادي به الأجداد فقد أكدت الدراسات أن المخ يهيمن علي أعضاء الجسم فإذا حصل علي ما يحتاج إليه من حب وحنان انتظمت أجهزة الجسم كلها.. أما إذا عاني من فقر في العواطف فإنه يضطرب وتضطرب معه أجهزة الجسم. الحب إذن هو العلاج لأزماتنا فإذا أحبت الحكومات شعوبها وتنازلت بعض الشيء عن البذخ والوجاهة التي يعيش فيها أفرادها وتلاشت الواسطة والمحسوبية وذهبت عمليات تسهيل نهب أموال البنوك والاستيلاء علي الأراضي بغير حق إلي الجحيم لاختفت طوابير رغيف الخبز التي تذكرنا بأجواء الحرب والمجاعة ووجدت البطالة حلا وابتعد الخلق عن سكني القبور وعذاب بطاقات التموين الذكية. وما عادت الإحصائيات تقول إن هناك مطلقة كل ست دقائق يعني بيت يتهدم وأطفال تتشرد وشيطان يرقص طربا لمستقبل مظلم, كما لم تعد الصلاة قرة للعيون وإنما الدولارات الأمريكية واليورو الأوروبية مهما كانت التنازلات. ولأن خبير الإنسانية الأول في روعة الحب وفنونه قال:تهادوا تحابوا.. ولأننا قتلنا الحب قتلنا معه الأمر النبوي.. وأصبحت الهدية هما لا يطاق.. فبينما كان المحبوب يطير بجناحي الفرحة لكلمة طيبة حالمة.. ويهيم طربا ونشوة لأبيات من الشعر أو وردة بسيطة وفسحة بريئة أصبحت القيمة المادية للهدية معيارا علي ما نطلق عليه الحب. حياة خالية الدسم أو قل جحيم أرضي أو مقبرة للروح نقف أمامها لنقدم قرابين الفلانتين ونغني للحب المستورد وكنا نغني للحب الحقيقي.. مثلما كنا نغني للقمح الذي نزرعه وأصبحنا نستورد الحب والقمح ولا ننتجهما فأين نحن؟! ولأن طغيان المادة أفسد الكثير فقد أصبحت كلمة الحب معادلا ماديا للجنس, ونقول كما يقول من استوردنا منهم الفرحة يمارس الحب وليس يعيش الحب كما علمنا الأجداد. وقد رأيت في سنوات عمري الأولي وسمعت دراويش الطرق الصوفية يميلون طربا وهيمانا وذكرا لله علي أغنيات أم كلثوم يا أحلي من أحلامي يا أغلي من أيامي.. خذني لحنانك خذني عن الوجود وأبعدني ويفسرون ذلك بأنه مناجاة للحبيب الأعظم الذي هو الخالق العظيم.. وهذا تصرف رائع ولطيف. وأذكر أن حفلة أم كلثوم في أول خميس من كل شهر كانت بمثابة ليلة عيد في القرية ينتظرها الناس انتظارا للحبيب الغائب يعدون لاستقبالها الأطعمة الطيبة وعلي رأسها الظفر يعني الطيور من البط والأوز أو المحشي والفطير المشلتت فالمحشي والفطير في القرية كاان من علامات الفرح ولذا كانا يحرمان في حالة وفاة أحد أفراد العائلة لعدة أشهر!! كان من يمتلك الراديو الخشبي كبير الحجم الملحق به بطارية ضخمة يضعه في الشباك ويجلس الناس علي المصاطب التي في الشوارع يستمتعون بلذة لا حدود لوصفها والعجيب ورغم الأمية التي كانت تسود الريف المصري يتفاعلون مع القصائد الشعرية الرصينة مثل:ريم علي القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم والتي تغيب معانيها عن كثير جدا من حملة المؤهلات العليا الآن. كانت أمية في اللفظ ولكن كان فقه القلب يترجم هذه الأحاسيس إلي نشوة تحلق بصاحبها إلي فضاءات المتعة. ويذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الفريد الأغاني أن الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة وحفيد رسول الله كان شفيعا للمحبين ومن تلك الشفاعات ما حدث مع قيس بن ذريح الذي عشق لبني وعرف باسمها قيس لنبي كان ذلك في زمن معاوية بن أبي سفيان ـ فلم يجد قيس من يعطف عليه ويرق لحاله إلا الإمام الحسين ـ أخيه من الرضاع ـ وتدخل الإمام لدي القبيلتين وتمت النهاية السعيدة بزواج قيس من لبني وكان رفض هذا الحب من جانب ذريح العريض الثراء.. لزواج ولده من لبني بنت الحباب البسيط الحال هو العلة التي أذابها الإمام الحسين. ولكن في عصر الطوفان المادي لا مكان للحسين.. ولا مكان للعلاج الذي يقول: أدين بدين الحب فالحب ديني وإيماني. ولعل آخر عظماء الحب قد تركنا ورحل وهو من قال:أقمت حياتي علي الحب.. حب العمل حب الناس وأخيرا حب الموت إنه عميد الرواية العربية نجيب محفوظ. خلت الدنيا من الحب الحقيقي وجاء حب العولمة وعصر السرعة والإنترنت وحجرات الشات المغلقة والكاميرات الإباحية. وينعي شاعرنا صلاح عبد الصبور ما أصبحنا فيه وأمسينا قائلا:الحب كان في سالف العصر والأوان نظرة فابتسامة فكلام فسلام فموعد فلقاء, اليوم يا عجائب الزمان قد يلتقي في الحب عاشقان من قبل أن يبتسما. لا وقت لإنسانية الإنسان الذي تطحنه المجتمعات المادية التي تري الأنثي جسدا فقط فيبدأ من الخطوة الأخيرة لينهار بعد ذلك الحب وتضيع القيم. أضعنا الحب.. فضاعت بهجة الحياة وأصبح من يحزن لمقتل الحب موضة قديمة أو بلغة العصر أولد فاشون تري هل ندرك ما تبقي من إنسانيتنا في غرفة الإنعاش وننتزع عنه أجهزة التنفس الصناعي.. ليتمكن من تنفس الحياة الطبيعية أم نتركه يلفظ أنفاسه وأنفاسنا الأخيرة.*
|