|
هالة عيد في عصر طغت فيه الماديات بشكل أفقدنا القدرة علي تعاطي الحياة ذاتها وأنسانا أن هناك وراء جدران هذا الجسد الثلجي الذي بالكاد يتحملنا أو نتحمله قلبا يحتاج الدفء كي يستطيع مواصلة النبض.. روحا منسية تهفو إلي لحظات عشق تنتشلها من همومها وأوجاعها.. مشاعر دفينة تصرخ تحت ضغوط ضروريات باتت تقصم الظهر.. أحاسيس قاتمة ملقاة علي حافة الإدراك تحلم بفرشاة من طراز فريد تلونها.. وسط كل هذه المتاهات والدوامات التي تتقاذف أحلامنا وآمالنا وتعصر بين رحاها أعمارنا ورغم حكايات الصديقات الخالية من كل ألوان الفرح والأمان ورغم التجارب الفاشلة والمؤلمة التي ربما كان لها نصيب منها مازالت صديقتي تؤمن بالحب وتفلسفه علي طريقتها... مرحة صديقتي الأفلاطونية كثيرا.. منطلقة كالعصفور.. تحمل حلما أخضر بسيطا بين جوانحها.. تطير إلي عالم الملائكة.. تقلب ناظريها في سماء خالية من الضباب تنقب عن فارس أحلامها القادم علي الحصان الأبيض... خيال جميل تؤمن به وتقدسه منذ سنوات الطفولة.. علي يقين هي بأن جدتها حين حكت لها تلك الحكايات الدافئة في ليالي الشتاء عن ست الحسن والشاطر حسن كانت صادقة.. لم تخدعها هي تعرف هذا جيدا وتثق بجدتها ولن تتنازل عن إيمانها مهما حدث.. حتي وإن ظلوا يتهمونها بالعبط علي الدوام.. حتي وإن دأبوا علي ترديد تلك العبارات التي جعلتها تهرب بطفوليتها التي لا تستطيع التخلي عنها وتنعزل تماما عن البشر.. حتي وإن استغل مرضي القلوب والنفوس أو معدومو الإحساس والضمير ذلك فيها وجرؤوا علي خداعها وجرحها... قالت لي ذات يوم: أنصاف نحن البشر لم نكتمل بعد ولابد لكل منا من مكمل يتوحد معه وفيه ليصبح واحدا صحيحا وما بالكون من إحساس بمقدوره تحقيق هذا الاكتمال والتوحد بين النصفين سوي الحب والحب وحده.. ما أروع أن يتلاقي النصفان فيكتملان بعد طول شتات وضياع وما أقسي أن يجبر النصف علي التفاعل مع آخر ليس من نفس الذرة التي انشطرت منها روحه منذ بدء الخليقة.. وما أشقاه إن كان ينتمي لنوعية معقدة الصفات والتكوين مثلي تأبي الحياة علي عكس ما تريد وتتنافر معها... قالت لي أيضا: الحب نسمة صيف تمربالعمر.. الحب طيف وردي يسكن الفكر.. الحب دفء يملأ القلب.. الحب هو الوصفة السحرية لتحمل أوجاع الحياة والتكيف مع أناسها وصعوبات الأيام ورغم كل السخافات التي ترتكب باسمه ورغم كل العذابات التي يخلفها أحيانا بل غالبا أو حتي دائما فالحب بمعناه الحقيقي أسمي ما في الوجود ومن لم يصادفه في حياته فهو لم يعش قطعا ومن صادفه وجاوزه تحت أي ضغوط أو ظروف فهو لن يعيش قطعا اللهم إلا نادما محترق القلب والحشا فالحب الذي يولد مع الإنسان علي الفطرة ويظل في حالة سكون وصمت إلي أن يأتي من يثيره ويحركه ويجذبه تجاهه- وهذا لا يحدث في العمر سوي مرة- بغض النظر عن التقيد بسن أو بمرحلة معينة فربما يحدث هذا في مرحلة مبكرة أو حتي مرحلة الشيخوخة غبي من يضيعه وبائس من يفقده مهما كانت الأسباب!! ماتت جدتها وهي نبت أخضر لم تزل.. ماتت وهي علي ضلالها القديم الواهي.. ماتت مبكرا قبل أن تخبرها بأن أقاصيصها ما هي إلا حواديت ساذجة منسوجة بعناية لمداعبة خواطرالملائكة الصغار... سنوات طويلة تمضي وصديقتي الأفلاطونية تحترف المرح والانتظار ولا تدري أو تعترف بأنها تطوي العمر في انتظار ما لايجيء أبدا... شئ بداخلها يجبرها علي الانتظار والمرح.. هاتف يزلزل أعماقها بأنها ستعبر بسلام كل هذه الأقنعة الزائفة التي تلوح لعينيها المترقبتين المرهقتين بين الحين والآخر وأن' الشاطر حسن' آت لا محالة فقط عليها بمزيد من الانتظار فقد يأتي متدثرا بصدفة في إحدي أمسيات أعياد الحب وربما في غيرها ليصبح يوم لقائه عيد حب جديد تحتفل به الدنيا معها ذات يوم!!
|