|
منذ بداية شهر فبراير والمحطات التليفزيونية والإذاعية لا شاغل لها إلا الاحتفال بعيد الحب( الفالنتين) وبث البرامج والمسابقات التي يتم الإعلان فيها عن جوائز كبيرة بدءا من خواتم الألماس حتي دعوة عشاء رومانسي لفردين كما تتنافس المعارض علي عرض أجمل الهدايا والدباديب وقد ملأت محلات الزهور الشوارع من حولها باللون الأحمر ويتسابق الشباب والفتيات علي شراء الأجمل والأغلي. ونظل نسمع ونري الأغاني الرومانسية التي تعبر عن الولع والهيام بالحبيب وتطل علينا سعاد حسني بأغنية الحياة بقي لونها بامبي ويتم عرض فيلم( حبيبي دائما) حتي تصبح الحياة مصبوغة بالرومانسية. ولكن علي الجانب الآخر من مظاهر الحب والرومانسية نجد ناسا لا تعلم شيئا عما يحدث حولها ويكفيها ما تعانيه من مشاكل الحياة والفقر والبؤس ولا تتمتع بأي مظهر من مظاهر الرفاهية لأنهم ببساطة لا يملكون ضرورات الحياة, إنهم سكان المقابر في قاهرة المعز الممتدة من مقابر البساتين والمقطم والدراسة والخفير والمجاورين وباب النصر وحتي باب الوزير, حالهم واحد من الصباح إلي المساء يسعون إلي لقمة العيش ودون مبالغة فهم لا يأكلوا سوي العيش وليس لديهم أي شكل من أشكال المتعة والسعادة سوي القليل عندما يجتمعون علي أكلة أو يرقصون ويغنون في فرح واحد منهم. ذهبنا لننقل حياة هؤلاء البؤساء في ظل ما يسمي باحتفالات عيد الحب, وسط المدافن والتي تحولت إلي منازل لأعداد هائلة من الأسر المعدومة والشوارع تمتلئ بالأطفال حفاة الأقدام ممزقي الملابس المتسخة ورغم ذلك يلعبون بمنتهي السعادة ـ أقصد السعادة المتاحة لهم ـ تزاحموا علينا بسبب مظهرنا الذي يدل علي أننا غرباء, قليل منهم من رحبوا بوجودنا والأكثر رفض التحدث معنا خوفا من الصحافة وما يمكن أن تقوله عنهم وعن حياتهم البائسة فيأتي المسئولون ليهدموا حتي هذه الحياة تحت أي سبب. لفت نظرنا سيدة عجوز أنهكها المرض تجلس علي كرسي قديم متهالك ترتدي ملابس سوداء قديمة ومتسخة وتمسك عصا خشبية غليظة اسمها الست أم رمضان, تعيش في مقابر الخفير منذ65 عاما تعيش وحدها داخل إحدي المقابر لا تملك من الدنيا شيئا ولا يعينها علي الحياة سوي رضا الله كما تقول و70 جنيها شهريا قيمة المعاش الحكومي لديها أربعة أولاد ولكنهم نسوها تماما وهي لا تلجأ إلا لأبناء جيرانها إذا احتاجت لشيء, حتي العلاج علي نفقة الدولة لا تستطيع أن تحصل عليه لأنها لا تجد من ينجزه وهي بهذا العمر والضعف والفقر. وبينما تحكي الست أم رمضان عن مشاكلها ومشاكل جيرانها ساكني القبور من قلة المياه وعدم وجود صرف صحي وقلة الرزق الذي لا يكفي, سألتها عن عيد الحب فاستنكرت ودهشت ولم تفهم السؤال وعلقت بمنتهي الصراحة حب إيه ده هو إحنا لاقيين نأكل عشان نحب وهدايا إيه وبدل ما الناس تجيب لبعض هدايا غالية يتصدقوا للغلابة أحسن أو يخلوا الحكومة تعمل مساكن للأهالي بدل النوم بجوار الأموات. كان أهم طلب تتمناه أم رمضان هو أن يساعدها الناس في العلاج حتي تستطيع خدمة نفسها. وفي نفس الوقت الذي كنا نتكلم فيه مع أم رمضان نشأت معركة حامية بين أكثر من سيدة علي باب المقبرة ارتفعت فيها الأصوات والسباب واشتبكت فيها الأيدي واتضح في نهاية الأمر أن هذه المعركة نشبت بسببنا اعتقادا منهم أننا نوزع صدقات أو معونات وتقاتلوا حتي يصلوا لهذه الصدقات قبل الآخرين. وضحك شباب المقابر عند سؤالهم عن عيد الحب ضحكا ساخرا وقالوا: الحب الحقيقي هو أن تحب الحكومة الناس بدلا من كلام التليفزيون الكاذب, وطوابير رغيف العيش. خرجنا من هذه المنطقة يغلفنا الألم والأسي لحال هؤلاء المعدومين المنسيين من خرائط التنمية ورغيف العيش.
|