|
أســامــة الدليـل ككل ضحايا العولمة, نحن نستهلك الحب ولا ننتجه, تماما مثلما نستهلك التكنولوجيا والمخبوزات والاتصالات والترفيه والفضائيات والمياه الغازية والملبوسات الرقيعة طول الوقت, ونعتقد يقينا أن مكانتنا بين الناس ترتقي كلما زاد استهلاكنا لكل شيء لا إنتاجنا لأي شيء, ولأن الحب لا يقع في الفراغ ويحتاج دائما إلي طرف آخر, فنحن علي استعداد دائم لدفع أكبر عمولة لأي سمسار يصلنا بهذا الآخر, حتي لو كان السمسار بحجم غفلة القديس فالنتاين الذي تنعقد باسمه في14 فبراير من كل عام سوق كبيرة لمقايضة المشاعر بالهدايا في كل أرجاء العالم, ويتم في هذا السوق تداول مئات المليارات من الدولارات, لتشتعل بورصة المشاعر المصبوغة باللون الأحمر فيزداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا, دون أن يكون هناك أي وجود لبضاعة الحب, وهكذا يتم سنويا إهدار ثروات هي ليست حتي صدقات نغدق بها علي التجار لتطهرنا وتزكينا, وإنما هي ثمن مباشر لشهواتنا المغلفة بورق سوليفان النفاق ندفعه قربانا لآلهة السوق!! ومع ازدياد سطوة العولمة في كل مفردات حياتنا في مصر والعالم العربي يقوي إيماننا بثقافة الاستهلاك ويزداد إلحادنا بثقافة الصعود الاجتماعي من خلال الإنتاج, وتزداد مع الاثنين عبوديتنا ورضوخنا لتسليع كل شيء, حتي المشاعر, وبالذات سلعة صورة الحب المستورد من الغرب, وهي صورة تقوم علي تغذيتها يوميا وكالات الإعلانات وشركات العلاقات العامة وشاشات الفضائيات وإعلانات الصحف ولافتات الطرق والفيديو كليب والبنوك التي تبيع بطاقات الائتمان, وفي واحد من أضخم ميادين العاصمة المصرية ينتصب إعلان ضخم باللون البرتقالي عليه عبارة( بحبك.. كلمة بسيطة معناها كبير) هو في النهاية إعلان لشركة اتصالات, وعلي بعد دقائق منها وعلي طريق المحور الذي يصل مدينة6 أكتوبر بالقاهرة توجد لافتة ضخمة لصورة طبق مكرونة سباجيتي وشوكة طعام فضية تخوزق شريحة بطاطس من ماركة تجارية شهيرة وعبارة واحدة: الحب الحقيقي!! وهكذا في كل مرة يتبادل فيها الناس المشاعر الملتهبة, تنشط السوق, فتتسع دائرة السماسرة وتزدهر تجارة مستلزمات التعبير عن الرغبة واللوعة والعذاب والضني, من الورد الأحمر إلي أجهزة المحمول مرورا بالوجبات الجاهزة وألعاب الأطفال المستوردة وأصناف الشوكولاتة والعطور والملابس النسائية ومستحضرات التجميل والمشغولات الذهبية حتي حبوب منع الحمل. ومع كل كلمة( أحبك) تزداد بقرة سبوبة الحب سمنة ووفرة في الحليب, وتنتفخ حسابات التجار في البنوك, ويوما بعد يوم تتسع سوق سلع المشاعر التي يقف فيها الناس بالملايين أمام فاترينات المحلات علي استعداد لإفراغ المليارات من جيوبهم طواعية بحثا عن صورة الحب في المنتجات الاستهلاكية, ومع عيد الحب بالذات يتحد الأصل مع الصورة, فالحب هو رسالة علي المحمول ثمنها30 قرشا أو رنة موبايل لمطرب شاب ثمنها2 جنيه أو دمية علي شكل دب صغير بـ5 جنيهات أو وسادة خالية تناسب أحضان البنات بـ4.5 جنيه, أو شوكولاتة علي شكل قلب ثمن الواحدة3 جنيهات أو شهادة منقوشة باللغة الإنجليزية علي لوح خشبي يتعهد فيه المحب بأن يظل وفيا لمحبوبته فقط بـ12 جنيها أو ألبوم غنائي علي أسطوانة مدمجة ثمنها20 جنيها.. أما العشاق الأكثر عذابا واحتراقا فعلي قدر ثرائهم ينفقون مئات الجنيهات وربما الآلاف في شراء أي شيء وكل شيء لونه أحمر وعلي شكل قلب أو يمكن وضعه في حقيبة مرسوم عليها قلب أحمر و من تحتها كلمة فالنتاين سعيد أو( أحبك) بأي لغة, إلا اللغة العربية التي باتت- كاليابانية والكورية والصينية والعبرية والفارسية والأوردية- لغة بائرة في سوق ثقافة العولمة التي لا تتعامل إلا بالحرف اللاتيني!! كم ثمن النفاق؟ وفقا لأفضل الدراسات الاقتصادية المكتوبة بحرف العولمة اللاتيني, فالحب في حد ذاته سوق, نتبادل فيه قيم المنفعة العاطفية, ولكي تتم المقايضة بشكل عادل, لابد من أن يتدخل جهاز السعر لتثمين المشاعر وفقا لمدي نفعها الحسي, أبحث تحت مادة اقتصاد الحب أوLoveEconomics في كل الموسوعات والأبحاث الاقتصادية وستذهل من الطريقة التي يتم بها التسليع وحسابات التكاليف وسياسات التسعير وإدارة الاستثمارات العاطفية. لكن المثير, أنه في دراسة للباحث الاقتصادي الكبير ديفيد فريدمان بشأن نظرية السعر في الاقتصاد العالمي يوجد فصل كامل لاقتصاد الحب تمكن فيه من رصد سعر لكل شيء, من الحب الرومانسي للزواج سواء التقليدي أم المتعدد الأزواج والطلاق والعلاقات المحرمة والخيانة بأنواعها ومدي إسهام الجمال والمال والأغاني وحتي الزنا في الناتج المحلي في النظريات المقارنة!!. وفي سياق دراسته لأسواق الحب, تلك التي نتبادل فيها المشاعر بدون لافتة سعر محددة, يقول فريدمان إن الثروات الفردية داخل السوق العادية هي عناصر حاسمة في تقرير ما يتوجب أن يحصل عليه كل فرد بحسب ما يملك, والأكثر ثراء يحصل علي كل شيء, ورغم ذلك فالذي يملك ثمن سيارة أو ملابس أو كتب قد يحصل منها علي أكثر مما يحصل عليه منافسه الأكثر ثراء وأقل ذوقا, وفي عالم اقتصاد الحب لا يحدد الثراء المالي من الذي يحصل علي كل شيء, فقدرتك علي التنافس قي الجاذبية الجنسية لا تعني حصة عادلة في المحبوبة تساوي الثلث لتشاركها مع غريمك الذي يفوقك جاذبية بمقدار الضعف, فالمرء يحصل في هذا السوق إما علي كل شيء, أو لا شيء كون الحب مرتبطا بالجنس بشكل مباشر, والجنس في الجينات!! لكن الأكثر إثارة أنه تحدث بإسهاب عن سوق الحب التي نقايض فيها الهدايا بالمشاعر, وتساءل لماذا لا نعطي المحبوب النقود بشكل مباشر وننزع لشراء الهدايا ومنحها له؟ الإجابة: إننا في المجتمعات الرأسمالية نميل لفرض وصايتنا علي من نحب بفلوسنا, فبصرف النظر عن احتياجاته الحقيقية ومدي إلحاحها عليه وحاجته إليها, نميل وبشكل ديكتاتوري لفرض إرادتنا عليه ومنحها له في صورة سلعة, وهذا السلوك هو سبب ونتيجة لكراهية المال في أكمل صورها, وهو سلوك قد يحول الحب إلي دعارة إذا ما ارتبط النفع منه بإجبار الطرف الآخر علي الرضوخ بقبول تبعات ما يترتب علي هدية غالية الثمن, ويضيف المؤلف أن علماء الاجتماع البيولوجي هم الأقدر علي تفسير ظاهرة منح الهدايا عوضا عن منح المال ذاته, كون هذا السلوك غير الاقتصادي مرتبطا بجينات الأنانية, وهي نتيجة يستند فيها إلي كتاب عالم الجينات الأمريكي الكبير ريتشارد داوكينز بعنوان( جين الأنانية) الصادر عن جامعة أوكسفورد سنة.1976 سبوبة الحب إذن تتعامل بأموال الكراهية, وتزدهر بكراهية المال, والصور التي تدفعنا للاستهلاك باسم الحب هي في المحصلة الأخيرة تقهر اختياراتنا بدلا من تعزيز حريتنا في الاختيار, وهي صور تكلمنا عن الحب المجرد وتدفعنا لما هو حسي وجنسي, وبينما تعظم من قيم الأنانية تحرمنا من استهلاك ما ينبغي علينا استهلاكه لحاجتنا إليه تحت زيف( الهدية) وهي تدفعنا لكراهية المال باسم الحب الذي نخرج أموالنا بدافع منه, وبينما تحرضنا علي العيش بحرية تفرض علينا الديكتاتورية, إذن هي سوق تخدعنا وتجردنا من المال لمجرد تسليمه للتجار بدلا من إدارته علي النحو الاقتصادي, هي في النهاية تخلق سوقا تعطي النفاق ثمنا بالمليارات, يجعله السلعة الحقيقية الأكثر رواجا في سبوبة الحب!! العذرية وسوق الجنس إن اتحاد الأصل والصورة في سوق المشاعر هو أخطر مثال علي الخداع, فالحب وفقا لأفضل التعريفات العلمية في موسوعة ويكيبيديا هو استجابة عاطفية عمدية للآخر بغرض دعم الوجود الإنساني, علي حد ما ذهب إليه العالم الأمريكي توماس جاي أورد, واختزال هذه الاستجابة المقصودة التي تتسم بالوعي والإدراك, لمجرد سلعة تكون هي الفعل ورد الفعل ولغة التفاعل والوسيلة والغاية هي جريمة نصب واحتيال, فكيف نجحت الرأسمالية في إقناعنا بأن الحب يمكن أن يتحول إلي سلعة وإلي سوق وإلي مقايضات وصفقات؟ إن أهم ما في دراسات الاقتصاديين نزوعهم لاعتبار الجنس هو المنفعة الوحيدة من الحب, ومن هنا تتركز أهم السلع في سوق الحب حول كل ما هو حسي, ومن المثير أن علماء البيولوجيا يشاركون الاقتصاديين هذا النزوع, فوفقا لهيلين فيشر أشهر الباحثات في مجال الهرمونات نجد أن الحب محض كيمياء تتعلق بتفاعلات هرمونية في الجسد, وطالما هو كيمياء, فلا داعي لبقاء الحب في سماوات الفلسفة وعشق الروح, لأن هذه الصورة لا صلة لها بأي واقع إنساني, وهكذا تتداعي نظرية الوجاهة الاجتماعية التي يكتسبها العشاق من الرومانسية الزائفة التي تدفعهم لتمثيل دور الفرسان الرومانسيين.. فلا يوجد ما هو عذري في الحب و لا يوجد حب في ظل أي عذرية, ومن العجيب أن الثقافة العربية ملتبسة بشأن الحب العذري, هل هو الحب المجرد من أي غرض جنسي, وبالتالي فهو مرض نفسي لا صلة له بالحب, أم أنه الحب علي طريقة أهل قبيلة( بني عذرة) التي استوطنت اليمن منذ مئات السنين وكان رجالها إذا عشقوا أصيبوا بحالة اكتئاب حاد تدفعهم للإضراب عن الطعام والشراب حتي الموت, عقابا لشهواتهم الجنسية؟!! إن الالتباس ذاته سنجده في صورة السلعة الأشهر علي الإطلاق في أسواق عيد الحب في مصر والعالم العربي.. وهي( الدبدوب) أو الدمية الحمراء علي شكل دب صغير.. إن هذا الرمز لا جذور له في الثقافة العربية و لا الفارسية ولا حتي الهندية أو الصينية- التي تقوم بتصنيعه وتصديرة للأسواق العربية, فلا يوجد حيوان علي الإطلاق في كل هذه الثقافات له صلة بالحب, باستثناء الحصان ذي اللون الأبيض الذي يمتطيه فارس الأحلام الوهمي في خيالات الفتيات المراهقات!! وفي دراسة لأسواق الحب كتبها العالم البريطاني أندرو أوزوالد أستاذ الاقتصاد بجامعة وارفيك في مايو2003, كان هناك رصد لأخطر تجليات هذه الكيمياء في سوق إعلانات الصحافة البريطانية ونشوء سوق موازية للتوفيق بين العشاق وترتيب ارتباطهم علي أساس هذه الكيمياء, وقد انتهي الباحث إلي ثبوت إنفاق البريطانيين لملايين الجنيهات الاسترلينية في إعلانات لطلب علاقات الحب والزواج سنويا منذ2001 فيما اعتبره ارتباطا وثيق الصلة بين المال والجنس في سوق الحب وانتهي لإقرار بأن بيزنس وكالات التوفيق بين العشاق علي الإنترنت وغيره ستكون التجارة الأعظم ربحا في القرن الحادي والعشرين هذه سوق يبحث فيها العشاق عن نصفهم الآخر, والسبوبة هنا تكمن في السمسرة, ومن المثير أن القرن الذي شهد أخطر ثورة للاتصالات في التاريخ بما جعل العالم قرية صغيرة, يبحث فيه الناس عن بعضهم البعض وكأنهم في صحراء,ويطلبون السماسرة لتعريفهم ببعضهم وكأنهم من كواكب مختلفة, فهل كانت سوق الاتصالات- وهي السوق الأضخم في العالم حاليا- تجمعنا أم تباعد بيننا لحساب السماسرة!! إن أخطر ما في سوق المشاعر المغلفة بالنفاق أنه لا شيء مجاني, حتي العذاب والشهوة والكذب والنفاق التي كانت كلها من المفردات المجانية لخلوها من أي قيمة نفعية إلي وقت قريب, إذ تحولت إلي قيم لترويج السلع وعملات للمقايضة وسلع في حد ذاتها, وليس أدل علي الطريقة التي أفضت إلي ذلك من تحول الدين ذاته- وهو أسمي درجات الحب- إلي أسواق كراهية تباع فيها الكتب المقدسة إلي جوار البخور والمسابح والعباءات وأشرطة التطرف الديني والسواك والجلاليب البيضاء وأقراص مدمجة للمناظرات المستفزة بين الطوائف الدينية وكتب علامات القيامة وأهوال الساعة وتفسير الأحلام وتحضير الجان وهي تجارة بالمليارات كل رأسمالها.. صورة زائفة تتحد مع أصل خربه اقتصاد السوق!!*
|