الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 تحقيقات
3د‏.‏ أحمد البحيري أستاذ الأمراض النفسية والعصبية‏:‏

الحب ضال في زمن العولمة‏!!‏

السبت 16 / 2 / 2008

أجرت الحوار ـ أمنية عادل


في رحلة الحياة نمد الخطي حثيثا نحو كل ما هو مادي عديم القيمة‏,‏ وفي سبيل هذا نطوي بداخلنا كثيرا من القيم والمعاني الإنسانية النبيلة التي فطرنا الله عليها‏,‏ لما فيها من خلاص للبشرية وكأننا في غيبوبة من أمرنا نفيق منها علي واقع قاس لنجد أنفسنا وقد فقدنا المعني الحقيقي للحياة‏,‏ وهو الحب في أسمي أشكاله ومعانيه خصوصا حبنا لأنفسنا وللآخرين ولأسرنا وأوطاننا وما يسمو فوق هذا جميعا وهو الحب الإلهي‏,‏ حتي أصبحنا في حاجة إلي فرض الإحساس بهذه المشاعر بمنطق السلطة الجبرية وتخصيص يوم للتذكرة بها وهو يوم عيد الحب‏,‏ الذي يتحول هو الآخر إلي صورة من صور التعبير المادي المرفوض‏,‏ والسؤال الآن هو كيف نعثر علي هذا المعني الضائع؟ ليجيب عنه الدكتور أحمد البحيري استشاري الأمراض النفسية والعصبية بطب عين شمس من خلال هذا الحوار‏.‏
‏*‏ لماذا تقلصت مشاعر الحب والمودة في نظام اليوم الواحد كاحتفالية إجبارية لاستجلاب المعني المفقود؟
إن الاتجاه نحو تخصيص يوم يدعو الجميع للحب والتراحم واستباق مشاعر الود والتواصل الإنساني هو بلاشك شعور طيب‏,‏ ولكنه يعكس الوجه الآخر من الحقيقة القاسية وهي نقص هذه المشاعر لدي الناس وافتقارهم القدرة والمهارة علي تجسيد هذه المعاني الروحانية السامية التي ضلت طريقها في زمن العولمة‏,‏ والذي فرض رداءه المادي البغيض علي كل ما حولنا فأصبح الصراع بين الإنسان والمادة صراعا أبدياوكان لزاما علينا تخصيص أيام مماثلة لجميع المعاني النقية التي هي ميزان الحياة البشرية كالصداقة والوفاء والأمانة وبر الوالدين وغيرها‏.‏
‏*‏ وهل لهذا الزحف المادي السطوة القادرة علي تفريغ مشاعر الحب والمودة من معانيها السامية؟
مع الأسف لم يبق من هذه المشاعر النبيلة سوي الرمز فقط بمعني أنها كادت تتلاشي من حياتنا اليومية وأصبحنا في رحلة بحث شاقة عنها يتساقط فيها كثير من النفوس الضعيفة التي لا تحتمل حروب المادة المفروضة علينا‏,‏ ويظهر ذلك في صورة الإصابة بالعديد من الأمراض النفسية‏,‏ بدءا من التوتر والقلق وأرق النوم وصولا إلي الاكتئاب في مراحله المتأخرة‏.‏
‏*‏ يبرر البعض انحسار هذه المعاني الإنسانية الراقية تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية فما تعليقك؟
هذا غير صحيح ومخالف للطبائع الإنسانية وسمو الروح التي دبها الله سبحانه وتعالي في نفوسنا‏,‏ فمنذ بدء الخليقة وحتي قيام الساعة سيظل الإنسان في كبد هذه الضغوط‏,‏ فكل يسعي في عالمه الخاص‏,‏ لا يري سوي نفسه فقط فتضخمت الأنا بداخلنا وبالتالي اختلت نظم الحياة القائمة علي التفاعل والتكيف مع أنفسنا ومع الآخرين‏,‏ فدبت مشاعر الغربة داخل كل منا في أقسي صورها وهي غربة النفس لا المكان‏,‏ فداخل الأسرة الواحدة تتزايد الحدود والحواجز يوما بعد آخر بين الزوجين وبين الأبناء والآباء بين الأخوة والأخوات وتمتد ظلال هذه العلاقات المرتبكة علي جميع مناحي الحياة لتفرز العديد من السلوكيات الشاذة والمرفوضة في الشارع و العمل و جميع المؤسسات المجتمعية
‏*‏ ألست معي أن تحديد يوم يطلق فيه عيد للحب أو للأم أو ما غير ذلك هو نوع من تجريد هذه الأحاسيس السامية من معانيها الأصيلة؟
الحقيقة أن عجزنا عن الحفاظ علي أصالة هذه المعاني وطباعها بداخلنا في رحلة السعي وراء المادة هو الذي جعلنا نتجه إلي هذا التفكير كمحاولة ضعيفة لاستجلابها وإيقاظها‏,‏ لكنني ضد الإبقاء علي هذه المعاني بسياسة الأمر المباشر فليس معني أن هناك عيدا للحب أن أفرض علي الناس الإحساس بهذا المعني في هذا اليوم‏,‏ فإن لم تكن النفس في حالة تصالح معها ومع الآخرين لن تثمر هذه الأحاسيس والدليل علي ذلك أننا نلجأ إلي ما يسمي بالتعويض المادي لها من خلال اللهث وراء الهدايا وسبل التعبير المادي المختلفة التي هي إضافة لأعباء جديدة قد تسهم سلبا في تقييد حرية الإحساس والتعبير عن القيم المعنوية للحب‏,‏
‏*‏ وكيف نعثر علي المعني المفقود في ظل تحديات المادة؟
ليس الأمر صعبا كما يبدو للبعض فعلينا أن نبدأ بحوار داخلي نتصالح فيه أولا مع أنفسنا ونعترف بأخطائنا وعيوبنا في محاولات جادة للتقويم‏,‏ هذا يؤهلنا لقبول الآخر بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات والتعامل معه من منطلق الحاجة إلي التكيف والتوفيق فيما بيننا وليس المحاربة والتصارع‏,‏ وأن يكون إثبات الذات علي أساس إعلاء هذه القيم والمشاعر النبيلة بعيدا عما نعيشه اليوم من حروب نفسية أصابتنا بهزال جعلنا عاجزين عن العطاء‏,‏ فالحياة لا تدار بمنطق الغالب والمغلوب ولكن القدرة الخالصة علي العطاء‏,‏ وهنا يبرز المعني المجرد للحب بعيدا عن الماديات يجب أن ننحي أنفسنا عن تجسيم أخطاء وعيوب الآخرين ولكن نحاول التكيف معها بهدف إصلاحها وتقويمها وإزالة الغبار عنها بحثا عن المعني الأصيل وعلينا التمسك بالشرائع السماوية والطريق إلي الخلاص الذي هدانا الله إليه بأعمال المودة والرحمة بين الناس وبهذا تستقيم الحياة‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 16 / 2 / 2008
رقم العـدد
569
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg