|
* د. خليل حسن لقد لفت نظري وأنا أتصفح صحف منطقتنا العربية, تصريحات لبعض المواطنين يدعون فيها لتشريعات تسمح بحمل السكاكين والعصي والأدوات الحادة في المسيرات, بينما يطالب البعض الآخر بتطبيق حد الحرابة علي بعض المتظاهرين الذين يقومون بعمليات الحرق والتخريب اقتداء بقوله تعالي:' إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم'. ومع الاحترام لجميع الآراء المختلفة والتقدير لجهودهم في التعامل مع التحديات التي تواجههم في تطوير التجارب الديمقراطية في بلدانهم, والإيمان بأنهم يؤدون واجبهم الوطني حسبما يمليه عليهم ضمير المسئولية, والتقدير الكبير لتخوفهم علي أوطانهم من انتشار التطرف والإرهاب الذي أرهق المنطقة اقتصاديا واجتماعيا, ولكن ليسمحوا لي بالسؤال: هل نجحت سياسة العين بالعين أم حولت الكون لعالم أعمي كما قال المهاتما غاندي؟ لقد التزم الإنسان بالديمقراطية بعد أن اكتشف أن العنف سلاح مدمر, وبأن من واجبه أن يتحاور في اختلافاته الاجتماعية والسياسية, وأن ينقل خلافاته من ساحات العنف والحرب إلي ساحات الحوار. ولذلك أنشأت الدول وزارات للوقاية من الجرائم الداخلية والاعتداءات الخارجية, فوزارة الدفاع مسئولة عن حماية الوطن ضد أي غزو خارجي, بينما تعمل وزارة الخارجية علي الوقاية من الاختلافات الدولية ومعالجتها ومنع حروبها. وكلما كان العمل الدبلوماسي ناجحا ازدادت العلاقات الدولية متانة وقلت الخلافات, بينما يؤدي فشل الدبلوماسية إلي الحرب وزيادة مسئوليات وزارة الدفاع. وتقوم وزارة الداخلية بحماية حرية وحقوق وممتلكات المواطنين ضد أي جرم داخلي, بينما يعمل البرلمان علي وقاية البلاد من العنف المجتمعي بحل الاختلافات المجتمعية بحوارات الحكمة, ووضع التشريعات اللازمة للوقاية من الاختلافات المتطرفة والمدمرة, والعمل المتناغم مع الحكومة لتسهيل تنفيذ الخطط المستقبلية لرخاء المواطنين والوقاية من انتشار التطرف بينهم. وكلما كان الحوار البرلماني ناجحا قل الاختلاف المجتمعي, وقلت معه الحاجة لتدخل وزارة الداخلية, وتفرغت هذه الوزارة للتخطيط للوقاية من الجريمة والعنف الداخلي والحفاظ علي الأمن والنظام والانضباط. وقد احترمت الدول الديمقراطية رجال الأمن الداخلي والخارجي, ووضعت القوانين الصارمة لمنع الاعتداء عليهم والمحافظة عل حقوقهم الإنسانية حتي في ظروف الحرب والأسر. ومن الضروري أن نلاحظ بأن أي عنف مجتمعي أو اعتداء علي أملاك الآخرين هو جريمة يحاسب عليها القانون بصرامة وبالأخص في المسيرات السلمية. لذلك اهتمت الدول الديمقراطية بنشر ثقافة الديمقراطية بتجنب العنف بين المواطنين ورجال الأمن, والعمل بصرامة وانضباط لإيقافه, وترك محاسبته لرجال القضاء. وكما يقال فإن الوقاية خير من العلاج, فحينما تنفلت الأمور الأمنية يجب أن تدرس أسبابها بحكمة بعيدا عن الانفعالات العاطفية, للعمل علي علاجها باتزان والوقاية من مسبباتها, قبل أن يستفحل العنف كأسلوب مجتمعي للتعامل مع الاختلافات وتحولها لخلافات مدمرة لاستقرار المجتمع واقتصاده. وليسمح لي القارئ بالاعتراف بأنني لست خبيرا لكي أعلق علي آية قرآنية كريمة من حيث وقائعها وزمن صدورها, ولا الغاية أو الحكمة منها, ولكني سأناقش هذه التصريحات لخوفي من كيفية استغلالها خطأ من خلال الإنترنت والإعلام العالمي. وقد يتساءل البعض هل ستستغلها الصهيونية لتؤكد اتهامها بأن الديمقراطية لا تصلح إلا لإسرائيل؟ أم سيحورها البعض الآخر ليقول بأن مواطني المنطقة يدعون لحمل السكاكين والعصي والأدوات الحادة في المسيرات والمظاهرات, وبالضرب بيد من حديد بالقتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل؟ كما قد يتساءل البعض الآخر ألم تنشأ البرلمانات لتحول معركة الاختلاف من ساحات القتال لساحات الحوار. ألم تنشئ الدول البرلمانات لتحل الصراعات المجتمعية سلميا, لتتفرغ وزارة الداخلية للتخطيط لوقاية البلاد من الجريمة والإرهاب؟ أليس من واجب البرلمان اكتشاف أسباب الاختلافات المجتمعية والوقاية منها بوضع التشريعات والقوانين اللازمة؟ وتخوفي الآخر بأن تعطي هذه التصريحات انطباعا خاطئا عن الدين ورسوله الكريم الذي وصفه الخالق جل شأنه بأنه' لعلي خلق عظيم', والذي نشر رسالته بالحكمة والموعظة وتعامل مع معارضيه بخلق إنسانية نبيلة بعيدة عن الحقد والتفرقة والانتقام.. والسؤال ما هو' الميكروشب'؟ وهل من المهم أن تستوعب حكوماتنا وبرلماناتنا وشعوبنا العربية خطورة هذا الاختراع؟' الميكروشب' هو الوحدة الصغيرة الأساسية في التركيبة الإلكترونية, وهو مكون من مجموعة حلقات كهربائية بنيت علي قطعة صغيرة من مادة السيليكون المصنوعة من رمال الصحراء. ويعتبر الميكروشب العقل الإلكتروني المشغل لجميع الاختراعات التكنولوجية الحديثة من الصواريخ العابرة للقارات وحتي الهاتف النقال. فجميع القوات الدفاعية المتطورة وتكنولوجيا الاتصالات والمواصلات تعتمد علي هذه التكنولوجيا. وقد وفر هذا الاختراع المعلومة من خلال الإنترنت, فاستطاع كل فرد في العالم أن يستقي المعلومة وينشرها. كما استطاع البعض شراء قطعة الميكروشب واستعمالها في صنع متفجرات ذكية مدمرة لضرب الجيوش الجبارة. وحولت بعض الدول حروب جيوشها الميدانية ضد الغزو إلي أفراد المقاومة لتنقلها للأزقة والحارات الصغيرة, لتقاوم بها جيوشا جبارة غازية ولتحولها لفيلة مترهلة وغير مؤثرة. ولذلك فقدت الدول العظمي هيبتها, كما ضعفت سيطرة الحكومات علي العنف. وأصبح من الحكمة التعامل مع مقاومة العنف بالحكمة والاتزان, لتؤكد مرة أخري الإستراتيجية العسكرية الصينية لصن تسو بأن' القوة العسكرية المؤثرة هي التي تصل لأهدافها بدون استعمال قوتها', وذلك بالاعتماد علي الدبلوماسية والحوار الديمقراطي وحل الاختلافات المحلية في قاعات البرلمانات والصراعات الدولية في قاعات الأمم المتحدة. ولذلك نلاحظ أن سياسة الغرب بدأت تأخذ منحي جديدا في التعامل مع معضلات إيران وفلسطين والعراق وأفغانستان, بعدما تعلمت الدرس بأن محاربة التطرف لن تنجح باستعمال قواها الجبارة, بل تحتاج لتفهم تاريخي لهذه المعضلات الدولية المعقدة وأسبابها, والتعامل معها بحكمة والعمل علي معالجتها والوقاية منها. ومن الضروري أيضا أن تستوعب تجربتنا العربية خطورة الميكروشب, ليس فقط في الإرهاب بل أيضا في الحروب الإعلامية. فقد تحول الإعلام المؤثر من الوزارات والشركات إلي يد أفراد متناثرين حول العالم, يتواصلون بأخبارهم عبر هواتفهم ويحورونها كما يشاءون حسب إبداعات مخيلتهم, لتنشر علي صفحات الإنترنت بطرقهم الخاصة. ولنتذكر بأن حكمة غاندي هي التي ستحول الهند متعددة الأديان واللغات لقوة عظمي, كما ستطور سماحة مانديلا جنوب إفريقيا لتكون مثلا للديمقراطية الإفريقية في الألفية الثالثة. ولأنهي الحديث بمقولة لبرنارد شو,' الرجل العاقل يتأقلم مع العالم, والرجل غير العاقل يصر أن يتأقلم العالم مع مزاجه, ولذلك يعتمد تطور العالم علي الرجل غير العاقل.' ألم تقتل رصاصة الرجل الغير العاقل رجالا عظاما كأبراهام لنكولن, والمهاتما غاندي؟ ألم تشعل رصاصة الرجل غير العاقل دمار الحرب العالمية الأولي؟ فمشكلة رجال السياسة أنهم يتعاملون مع الرجل غير العاقل, ولذلك نصحت الأستاذة مادلين أولبرايت في كتابها جبار الجبابرة بأن يكون لرجل السياسة' ضمير القسيس, وحكمة الفيلسوف, وروحانية الرسل'. والسؤال: هل ستستوعب برلماناتنا العربية التجربة الغربية في محاربة الإرهاب؟ وهل ستؤمن بأن الوقاية من الإرهاب خير من علاجه؟ وهل ستدرس التشريعات اللازمة لفلسفة تعليم تقي الشباب من الإرهاب وتهيئهم لبناء مستقبل بلدانهم ؟ ولنا لقاء.
|