الرئيسية  - البحث  - اتصل بنا  - أسرة التحرير
3 مقالات
3

البقية في حياة المصريين

السبت 16 / 2 / 2008

داوود الفرحان


أدهشني أن أجد معظم رموز العمل السياسي والثقافي المصري من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار يمشون خلف نعشي الأديب الضمير رجاء النقاش والصحفي اللامع مجدي مهنا اللذين فقدتهما مصر والعروبة في ليلة واحدة‏,‏ وربما في ساعة واحدة‏,‏ في مصادفة حزينة لا تتكرر‏.‏
لم يكن أي من الراحلين الكريمين من رجال السلطة والنظام الحاكم‏,‏ ولم يكونا أيضا من رجال المعارضة والجماعات المعادية‏.‏ ولكنهما كانا وإلي آخر نفس من رجال مصر المخلصين الذين يحترمهم القصر والشارع‏,‏ ومن الرجال الذين يضعون حب مصر ووطنهم العربي الكبير تحت أهداب عيونهم‏,‏ وظلا حتي الكلمة الأخيرة أوفياء لثورة‏23‏ يوليو التي وضعت النقاط علي عروبة مصر وقدرها القومي والتاريخي والنضالي حتي استحقت أرض الكنانة لقبها البليغ‏:‏ بيت العرب‏.‏
لقد انضم إلي موكب التشييع المهيب مئات المصريين والعرب ممن لم يلتقوا رجاء النقاش أو مجدي مهنا في حياتهم‏,‏ وبعضهم لم يقرأ لهما شيئا‏,‏ وسار خلف النعش شباب ومسنون مجهولون يرتدون بدلات عمل وجلاليب وطاقيات وعمائم‏,‏ جنبا إلي جنب مع كبار رجال الدولة والمجتمع والإعلام والسياسة والأحزاب والمنظمات‏.‏ فشعب مصر يحترم مفكريه وأعلامه ورموزه الثقافية والفنية ويضعها في منزلة رفيعة لأنه شعب حضارة عريقة‏.‏ هل ننسي وداع مصر كلها لأم كلثوم؟ بل هل ننسي بكاء الأمة العربية كلها عندما ماتت أم كلثوم في المسلسل التليفزيوني الذي روي قصة حياتها؟
كنت في اجتماع مع وزير عراقي بارز خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية ضم مجموعة محدودة من الإعلاميين والأدباء العراقيين‏,‏ وبدأ الوزير يشتم الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي لأنه نشر قصيدة اعتبرها الوزير معادية‏.‏ ثم قال موجها كلامه إلي الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان حاضرا في الاجتماع‏:‏ حين سيموت البياتي لن يجد له قبرا في العراق‏..‏ ولكننا سنقيم أكبر قبر لعبد الرزاق عبد الواحد بعد وفاته‏!‏
وجحظت عينا شاعرنا الكبير ثم قال للوزير بعد دقيقة صمت‏:‏ دخل الله ودخلك سيادة الوزير‏..‏ ألم تجد تكريما لي غير القبر؟‏!‏ وضجت القاعة بالضحك‏..‏ ولكنه كان ضحكا كالبكاء وفعلا توفي البياتي بعد ذلك ودفن في مقبرة الغرباء في دمشق‏.‏
توفي شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في الغربة صدر قرار بمنع إقامة أي مجلس عزاء له في العراق برغم أن الجواهري يستحق نجمة في علم العراق مثلما يستحق عبد الرزاق عبد الواحد نجمة أخري‏,‏ لأن العراق لم يشتهر في تاريخه كله إلا بنخله وشعرائه وشريعة حمورابي ومذابحه من قابيل وهابيل إلي الاحتلال الأمريكي الإيراني‏.‏
حتي النظام الحاكم في المنطقة الخضراء في بغداد لم يفكر في إعادة رفات البياتي والجواهري وبلند الحيدري ونازك الملائكة ومئات المبدعين العراقيين الذين عاشوا في الغربة وماتوا فيها ودفنوا في مقابرها‏.‏ ومنذ إبريل‏2003‏ وحتي اليوم توفي خارج العراق فنانون وأدباء وإعلاميون وأساتذة وعلماء كبار ودفنوا في مقابر مجهولة لا يزورها أحد‏.‏ بل إن ميليشيات هذا النظام العميل تطارد المثقفين العراقيين في الخارج وتطالب برءوسهم في قوائم إعدام منشورة في الصحف العراقية‏,‏ واغتالت فعلا مئات العلماء والأطباء والصحفيين والإعلاميين والفنانين في الداخل‏.‏
لقد بكيت رجاء النقاش ومجدي مهنا وألوف المبدعين العراقيين الذين كان رجاء النقاش ومجدي مهنا يدافعان عنهما ويستنكران احتلال وطنهم‏.‏
رحمهما الله‏..‏ ورحمنا معهما‏.‏

 

 

طباعة المقالــة إرسال لصديق
 
السبت 16 / 2 / 2008
رقم العـدد
569
الأهرام العربي
الأرشيــــــــف
  للاتصال بنا : arabi@ahram.org.rg