|
جابر القرموطي المتابع بدقة وجدية للأحداث في مصر يمكنه القول إن هذا البلد دائما علي موعد مع ملفات جديدة ومثيرة, فلا يكاد ملف يغلق أو علي وشك الإغلاق حتي يظهر ملف آخرأكثر سخونة وجدلا فبالأمس القريب طوي النائب العام صفحة ظلت لوقت طويل مثيرة للجدل والنقاش وهي قضية احتكار الأسمنت بإحالته إلي القضاء, ثم ظهر أخيرا ملف آخر أكثر سخونة وهو ملف زيادة الأجور الذي يمكن وصفه بأنه ملف جديد قديم فهو محل اهتمام منذ سنوات عدة تقارب الـ20 عاما, ومع الأسف لم يتم التوصل إلي حل له حتي الآن. زادت التوقعات بأن يكون الحل قائما لهذا الملف بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة واعتباره بندا رئيسيا في برنامج الرئيس مبارك الانتخابي, ولكن مع ذلك تضاربت آراء المسئولين في الدولة حول كيفية تنفيذ هذا البند الذي بمقتضاه أصبحت الدولة مطالبة بتوفير مبلغ لا يقل عن60 مليار جنيه لتحقيق توازن بين الأجور والأسعار, وخطت الدولة خطوات عدة لتقليل الفجوة بين الأجور والأسعار, ومن بينها أن المجلس القومي للأجور بصدد بحث نتيجة دراسة هي الأولي من نوعها انتهت الحكومة من إعدادها حول تحديد الحد الأدني للأجور للعامل, ويفترض الإعلان عنها في غضون أيام, وكشفت مصادر عن أن الحد الأدني المقترح لأجر العامل بالدولة جري تحديده بناء علي عدة معايير أهمها مراعاة معدل التضخم الحالي.. ومتوسط أسعار الأجور الحالية.. ومدي ملاءمتها لارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية, وأكدت المصادر أن الاتجاه المتفق عليه مبدئيا داخل المجلس القومي للأجور هو زيادة المرتبات الخاصة بالعاملين.. في إشارة إلي عدة بدائل للزيادة تجري المفاضلة بينها خلال العام الحالي, وأشارت المصادر إلي رفع تقرير بتوصيات المجلس إلي الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء لتحديد البديل الأمثل لزيادة المرتبات بما يتناسب ومعدلات الارتفاع بالأسعار التي تشهد زيادات متتالية علي المستويين المحلي والعالمي, كشفت المصادر عن أن الزيادة بالأجور المتوقع إقرارها من جانب مجلس الوزراء سيتم تطبيقها عن راتب يوليو المقبل, بداية العمل بالعام المالي الجديد2008/2009 مع دراسة تعديلها سنويا بما يتناسب مع المتغيرات العالمية والمحلية والاحتفاظ بحد أدني للأجور ملائم لكل عامل. ومن جانبه أيد المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة مبدأ زيادة الأجور واعتبرها الحل الأمثل للمعضلة التي تواجهها وزارته وهي ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش رغم ثبات معدل الدخل منذ سنوات طويلة حتي أصبح لا يتناسب مع معدلات الغلاء في وقت فقد'الدخل' قوته الشرائية نتيجة فقدان الجنيه المصري لأكثر من30% من قيمته خلال السنوات الماضية, مما أدي إلي ارتفاع معدل التضخم بنسبة كبيرة, وكان رشيد أعلن أن الحكومة تبحث كيفية زيادة الأجور, وتعتبر ذلك بمثابة المعركة الحقيقة كي يرتفع مستوي المواطن المصري ويستطيع التغلب علي ارتفاع أسعار السلع التي تزيد في العالم كله بمعدلات وصلت إلي أكثر من140% لبعض السلع. وأن مصر سوف تستفيد من تجارب الدول القريبة منها مثل اليونان التي ارتفع فيها دخل المواطن من3 آلاف دولار في العام إلي28 ألف دولار الآن, وكذلك عدد آخر من دول المنطقة بحيث تستطيع تلك الدخول مواجهة ارتفاعات الأسعار, خصوصا أن مصر أصبحت تتأثر بشكل كبير بالأسعار التي تتحرك في العالم بشكل سريع. وأشار إلي أن زيادة الأجور لابد أن تتجاوز نسبة معدلات ارتفاع التضخم حتي يستفيد المواطن منها, بعد أن وصلت نسبة التضخم حسب المصادر الحكومية إلي حوالي7.5% إن لم تكن حسب مراقبين أكثر من ذلك, وأن هذا لن يحدث إلا بزيادة معدلات الإنتاج في كل القطاعات وتخفيض نسبة الإيرادات, معتبرا أن الحل الوحيد لأزمة الغلاء وارتفاع الأسعار في مصر, هو رفع رواتب الموظفين وأن الحكومة في الفترة الحالية تتبني خطة لرفع رواتب موظفي الجهاز الإداري في الدولة. وذكر الوزير أن الاتجاه إلي معالجة ارتفاع الأسعار بزيادة دعم السلع الغذائية بمبالغ أكبر من الحالية, سيكون علي حساب قطاعات أخري مثل التعليم والصحة وغيرهما من الخدمات الاجتماعية. وبدوره أكد الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية أن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام الجديد2007/2008 سيتضمن زيادة الأجور وتعويضات العاملين لتصل إلي59.5 مليار جنيه, بزيادة15% علي العام الماضي, إضافة إلي رصد مبالغ أخري لتعويض العاملين المتضررين من برنامج الخصخصة. وإذا كان كل من رشيد وغالي تحمسا لاتجاه الدولة لزيادة الأجور إلا أن البعض سواء من أعضاء الحكومة نفسها أم من خارجها عارض اتجاه الدولة لمعالجة ارتفاع الأسعار بزيادة الأجور وكان لكل منهم مبرره ومن بينهم:الدكتور أحمد درويش وزير الدولة للتنمية الإدارية والذي علل رفضه لهذا الاتجاه بأن الدولة لا تملك موارد كافية لتحقيق ذلك, وأوضح درويش أنه ليس ضد زيادة الرواتب في حد ذاتها ولكن الحالة المالية للدولة الآن لا تتحمل زيادة في الأعباء قد تؤثر علي الخدمات الأخري التي تقدم للمواطنين..خبراء الاقتصاد من جانبهم اعترضوا صراحة وفي ندوات عدة وموائد مستديرة خلال الشهرين الماضيين, علي زيادة الأجور أيضا لرؤيتهم أن تصريحات الحكومة بزيادة الأجور هي تصريحات نظرية لا تصلح للتطبيق علي أرض الواقع, لأن الحكومة لا تمتلك تمويلا لتحقيق ذلك في الوقت الحالي في ظل ارتفاع عجز الموازنة الذي وصل إلي75 مليار دولار, كما أن القطاع الخاص لن يقوم بمثل هذه الخطوة, لأن هذا سيؤثر علي ربحه وأن هذا لو حدث فسوف يدفع القطاع الخاص إلي زيادة تكلفة خدماته مما يزيد العبء علي المواطن في نهاية المطاف. وتساءل بعضهم من أين ستأتي الحكومة بالموارد اللازمة لرفع المرتبات والأجور؟ هل سيتم طبع نقود لتغطية تكليف ميزانية هذه المرتبات؟ في ظل تاكيدات أن طبع أي نقود سيكون له العديد من الآثار السلبية علي الوطن بأسره, لأنه سيؤدي إلي ارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية للنقود, وهو ما سيؤدي إلي انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار. وأوضح الخبراء أن الحل يكمن في رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد بصورة حقيقية, حيث إن الطاقة الإنتاجية الحالية لا تتعدي نسبة4% من نسبة التشغيل الإجمالية, وفي تشديد الرقابة علي الأسواق, وزيادة الصادرات, وتحجيم الواردات, وتوسيع نطاق الاستثمار, وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين في المدن الجديدة. ورغم الاعتراضات من البعض والتحمس من البعض الآخر فإن الملف لن يحسم إلا بعد أن تعلن نتيجة دراسة المجلس القومي للأجور لتحديد الحد الأدني المقترح لأجور العاملين في الدولة ثم عرضها علي الرئيس مبارك ومجلس الشعب لإقرارها في ظل توقعات بأن يحظي هذا الملف بجدل حاد عند طرح رؤية الدولة والخبراء المؤيدين والمعارضين لتلك الرؤية*
|