|
عادل ابوطالب وقعت شريحة كبيرة من المشاهدين في مجتمعاتنا العربية فريسة لبعض الفضائيات العربية, خصوصا تلك التي تستهدف الشباب والنساء البائسات اجتماعيا ونفسيا مستغلة في ذلك ظروفهم النفسية والاجتماعية الصعبة, والتي جعلت الكثير منهم لا هم له سوي الجلوس أمام ذلك الضيف الأسبوعي الذي يدعي أنه' حلال العقد والمشاكل' في حين أنه يتاجر بأحلام هؤلاء البائسين ويقدم لهم عبر الهاتف, تفسيرات لها من كتب, يفسر مؤلفوها الكسوف بأنه ابتلاع الحوت للقمر والزلازل بأنها نقل الأرض من قرن إلي آخر... وغيرها من' الخزعبلات التافهة', علي شاكلة تلك التي تري أشباحا فيفسر لها تلك الاضطرابات في النوم بأنها من عمل الشيطان بسبب الابتعاد عن اللـه وتلك التي تظهر لها والدتها من القبر فيطلب منها أن تتحجب, ويسترسل بعبارات مبهمة مجردة لا علاقة لها بواقع الاضطراب النفسي المعاش لدي الإنسان ويقدم ذلك علي أنه في ظاهره حكمة عظيمة بينما حقيقتها أو باطنها يقول رزق الهبل علي المجانين. ذلك المشهد الفضائي قابله مشهد آخر علي الأرض عكسه نقاش حاد دار أخيرا في الأوساط الإعلامية العربية وعبر العديد من الصحف المختلفة سبقته تسريبات إعلامية مفادها حول اتفاق عدد من الدول العربية علي تقديم مشروع بإدخال تعديلات علي القوانين المنظمة لعمل الفضائيات العربية في الاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام العرب الذي انعقد في مقر جامعة الدول العربية يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين وتتضمن وضع ضوابط جديدة تلتزم بها جميع المحطات الفضائية العربية, بحيث يتم التوقيع عليها باعتبارها ملحقا للعقد المبرم بين المحطة والدولة مانحة الترخيص مع إقرار عقوبات محددة في حالة مخالفة هذه الضوابط تبدأ بإنذار المحطة وتنتهي بإلغاء ترخيصها نهائيا. وكان الاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام العرب قد تزامن مع صخب إعلامي سبقه خلاف كبير بين الأوساط الإعلامية العربية حول حقيقه المغزي من وراء إقرار مشروع عربي خاص بضوابط البث الفضائي, وما إذا كان هذا سيشكل توجها جديدا من الحكومات العربية لتضييق الخناق علي الفضائيات أم لإصلاح المسار بشكل يجعل الأداء متناسبا مع مطالب المجتمعات العربية وقيمها وتقاليدها وليس فقط مع مطالب الحكومات العربية التي تتجاوز حدود الموضوعية في النقد إلي حد التجريح. وسادت في حينه تسريبات إعلامية أشارت إلي أن مشروع التعديلات القانونية يأتي علي خلفية الإجراءات التي اتخذتها مصر والسعودية أخيرا للتضييق علي بعض في المحطات الفضائية ومنها تعطيل بث قناة' الحياة المصرية'التي كان من المقرر بثها يوم18 يناير الماضي, في حين أن الحقيقة تقول غير ذلك- كما سيتضح لاحقا. وأوضحت التسريبات أن وزارة الإعلام المصرية أبلغت المسئولين بمدينة الإنتاج الإعلامي بعدم التصريح بالبث التجريبي للقناة, كما أوقفت الوزارة بث برنامج يومي علي قناة الساعة بعنوان ساعة بساعة كان مقررا أن يبدأ يوم3 فبراير الحالي. ووفقا لهذه التسريبات أيضا أوقفت المملكة العربية السعودية بث البرامج التي تذاع علي الهواء مباشرة في قناة الإخبارية بعد اتهامها بإثارة البلبلة, فيما يقول البعض إن السعودية تهدف من وراء المشروع الجديد إلي تخفيف وطأة الهجوم الذي تتعرض له في برامج قناة الجزيرة القطرية. وأشارت التسريبات إلي أن وزارة الإعلام المصرية استعانت بلجنة من الخبراء في وضع هذه الضوابط, بالتنسيق مع الجانب السعودي, مؤكدة أن الضوابط تركز علي المحاذير السياسية بهدف خفض سقف البرامج السياسية وبرامج التوك شو اليومية التي أثارت غضب بعض الحكومات العربية وخصوصا في مصر والسعودية خلال الفترة الأخيرة. وفي هذا الإطار سادت وجهة نظر تشير إلي أن وزراء الإعلام العرب استهدفوا تضييق الحريات وإعادة الإعلام العربي إلي مربع الصفر بعد الانتقادات التي وجهها عدد من الفضائيات العربية لبعض الدول علي خلفية عدة أحداث شهدتها المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية, وذلك من خلال مشروع تنظيم البث الفضائي في المنطقة العربية كبند رئيسي وحيد أعدته اللجنة الدائمة للإعلام العربي علي مدي ثلاثة أيام خلال دورتها الأخيرة التحضيرية للاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام. غير أن القاعدة التي انطلقت منها هذه التسريبات ووجهة النظر السابقة تتعارض مع الحقائق التالية: 1 ـ إن وضع آلية لعمل عربي مشترك تم الاتفاق عليه أثناء انعقاد مؤتمر وزراء الإعلام العرب في دورته العادية الأربعين, حيث اقترحت مصر في هذا الاجتماع وأيدتها في ذلك بالفعل السعودية طرح ورقة مباديء وضوابط لميثاق الشرف الإعلامي علي أن ينتهي إعدادها وصياغتها القانونية خلال ستة أشهر فقط, وتم تكليف اللجنة الدائمة للإعلام العربي بوضع مشروع تشريعات عربية للبث لاقي دعما قدمته المملكة العربية السعودية باستضافتها لأعمال اللجنة الدائمة بالرياض لإعداد المشروع بالكامل رفعه بعد إنجازه إلي مجلس وزراء الإعلام العرب تمهيدا لاعتماده. 2 ـ إن إقرار مجلس وزراء الإعلام العرب لوثيقة معايير البث التليفزيوني والإذاعي والفضائي والإعلام الإلكتروني خطوة استهدفت نقل العمل الإعلامي العربي المشترك إلي آفاق جديدة وليس إعادته إلي مربع الصفر كما ادعت بعض الأقلام الصحفية, وذلك من خلال تشريعات تحكم عمل الفضائيات في المنطقة العربية سعيا للنهوض بالعمل الإعلامي العربي في إطار تحكمه منظومة القيم والأخلاقيات والعادات والتقاليد التي يتمسك بها المجتمع العربي وفي ظل ثوابت ثقافية تحكم رؤيتنا لمستقبل الإعلام. 3ـ إن الحديث عن تضييق هامش الحريات في وثيقة مشروع معايير البث التليفزيوني والإذاعي والفضائي المقترحه تدحضه ثلاثة مباديء أساسية تؤكدها الوثيقه, في مقدمتها حرية التعبير كركيزة أساسية للعمل الإعلامي العربي في إطار من المسئولية حماية للمصالح العليا للأمة العربية واحتراما لحريات الآخرين وحقوقهم والحرص علي تمكين الإعلام العربي من الاطلاع علي الحقيقة من مصادرها, وثانيا التعامل الواعي مع قضايا العصر في ضوء المتغيرات الدولية والتقدم التقني المتسارع في مجالات الإعلام والاتصالات والمعلومات وظواهر العولمة, بما يؤكد دور الإعلام العربي في حماية الهوية العربية وإبراز الصورة الصحيحة للأمة العربية وحضارتها وقضاياها الجوهرية للرأي العام الدولي ودعم قدرتها في الإسهام المتكافيء في حوار الحضارات والثقافات. أما المبدأ الثالث فيؤكد حرية البث والاستقبال في المنطقة العربية للبرامج والخدمات التي تحترم9 معايير حددتها الوثيقة. وكان أنس الفقي وزير الإعلام المصري عبر عن حقيقة المستهدف من وراء هذه الوثيقة في كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية للاجتماع, وفي تأكيده أن وزراء الإعلام العرب مطالبون أمام شعوبهم بأن تكون لهم وقفة جادة أمام ما يشهده الإعلام العربي الفضائي من تحولات خطيرة. وكذلك إشارته إلي أن بعض القنوات الفضائية خرجت عن مسارها الصحيح وعلينا أن نعترف بأن هناك تجاوزات حدثت وتحدث علي مدار الساعة تستوجب أن تكون لنا وقفة جادة نتحمل فيها مسئوليتنا أمام شعوبنا ونتأكد من أن صناعة الإعلام في عالمنا العربي قادرة علي النمو والازدهار وتحقيق اقتصاديات متوازنة دون المزايدة علي قيم ومثل المجتمع العربي أو الخروج عن أعرافه وتقاليده, كما جاء تأكيدة أيضا بأننا مع حرية التعبير وسنظل ندافع عنها ونعززها بمزيد من الحرية ولكن في إطار من المسئولية الأخلاقية والمجتمعية بمثابة رد واضح علي من أشاع بأن الاجتماع يستهدف وأد حرية الإعلام العربي. وقال نحن مع حرية النقد والاختلاف, وسنعمل علي الحفاظ عليها كحق لكل إعلامي عربي شريف ولكن في إطار موضوعي يرفض توظيف الإعلام وأدواته لتكون سيفا في يد من لا ضمير له أو من يبتغي تحقيق أغراضه الشخصية. كما أن المعايير التي نصت عليها الوثيقة تتضمن احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الآخرين والحياة الخاصة للفرد وحقه في الاختلاف والامتناع عن التحريض علي الكراهية والعنف والإرهاب والتمييز علي أساس العرق أو الأصل أو الدين أو النوع أو الإعاقة البدنية أو العمر أو المهنة مع احترام الأديان والقيم الروحية والأخلاقية ومراعاة البنية الأسرية للمجتمعات وترابطها الاجتماعي. كما أن هذه المعايير تضمنت أيضا ضرورة الامتناع عن بث محتويات تتضمن المظاهر الجنسية التي تتناقض مع أخلاقيات المجتمع وحماية الأطفال والنشء من كل ما يمكن أن يؤثر بالسلب علي النمو البدني والذهني والأخلاقي مع عدم الخلط بين المواد الإعلامية والإعلانية, بالإضافة إلي احترام حقوق الملكية الفكرية وإيجاد تشريعات علي مستوي كل دولة تحدد قائمة الأحداث الرياضية الإقليمية والدولية, بحيث تكون حقا عاما للجماهير العربية للدولة المشاركة وبحيث لا تدخل في نطاق الاحتكارات وإتاحتها مفتوحة وغير مشفرة. ويقول أمين بسيوني رئيس اللجنة الدائمة للإعلام العربي إن المشروع يتعلق بمعايير ومبادئ لتنظيم عملية البث والاستقبال الإذاعي والتليفزيوني تضع المنطقة العربية علي قدم المساواة مع أقاليم العالم الأخري مثل أوروبا التي حددت معايير للإعلام الفضائي منذ أكثر من عشر سنوات, موضحا أن اللجنة استعرضت مقترحات وأفكارا أعدها خبراء دوليون وفريق خبراء من وزارات الإعلام العربية حول معايير البث والاستقبال الإذاعي والتليفزيوني عبر الفضاء. فيما أوضحت دوائر رسمية مصرية أن ما تردد حول أن الإعلام المصري بسبيله إلي إغلاق المحطات الفضائية العاملة في مصر سواء تلك العاملة الآن أم التي بسبيلها إلي بدء نشاطها بعد حصولها علي الموافقات المطلوبة من الجهات المختصة يرجع إلي ما بعد الانتهاء من وضع ضوابط وقواعد لميثاق الشرف الإعلامي سيكون الهدف منها رفع أي وصاية علي الفضائيات من أي جهة رسمية. ولعل في ذلك ردا حول التسريبات الإعلامية التي ترددت أخيرا بشأن حقيقة الموقف المصري من قناة الحياة. ويقول مصدر مهم في جامعة الدول العربية تحدث لـالأهرام العربي إن الأطر والمبادئ التي أقرها وزراء الإعلام العرب في ختام اجتماعم الاستئنائي قد حرصت علي التأكيد علي ضرورة أن- وكما نص البيان الختامي- تلتزم الفضائيات العربية التزاما ليس بـ'المعني القانوني' وإنما' الأدبي' الذي فسرته كلمة أو عبارة' مراعاة والأخذ في الاعتبار' الحفاظ علي القيم والتقاليد العربية والتي تجعل قنوات من قبيل تلك التي تختص بنشر' الدجل والشعوذة والسحر' والتي وصفها المصدر بـ'خفافيش الجهل' أو' طيور الظلام' أو تلك التي ترفع شعارات مذهبية وصفها المصدر ذاته' بدعاة الفتنة الطائفية'. الأمر أيضا لم يخل من تناول للأمور المتعلقة بالقضايا السياسية- ومازال الحديث للمصدر السابق- ولكن ليس في حدود تشديد الإجراءات والقيود التي تضيق مساحة الحرية أو تخفض سقفها, ولكن بما يكفل حفاظها علي عدم تجاوز حدود الحرية بشكل يحولها إلي فوضي مرفوضة, وخصوصا فيما يتعلق باحترام سيادة الدول. ويؤكد المصدر أن الأمر في هذا الصدد لم يتحدث عن خطوط حمراء أو خلافه, وإنما نص صراحة علي ضرورة مراعاة مبدأ الموضوعية في تناول الأمور السياسية بعيدا عن المهاترات وتصفية الحسابات وهو ما تناوله الاجتماع فيما نص عليه من ضرورة مراعاة الموضوعية في توجية النقد. كذلك وفي الإطارذاته فإن النقاش انتهي إلي ضرورة وضع' أطر ومبادئ' وليس'تشريعات قانونية' ملزمة لكنها لم تغفل أن توجه الدول العربية إلي ضرورة العمل علي مراعاة تلك المبادئ في تشريعاتها الداخلية هذا من ناحية, ووضع الأمر في فترة اختبار لمدة ستة أشهر للنظر فيه بعد ذلك من ناحية أخري, وذلك في إطار قد يستدعي دراسة الأمر من جديد وما إذا كان يمكن أن تتم صياغتها في شكل أكثر إلزاما من الأطر والمبادئ. ويكشف مصدر دبلوماسي مهم في جامعة الدول العربية شارك في الاجتماعات لـالأهرام العربي أن المناقشات التي تركزت حول قضية صياغة تلك القواعد في شكل أطر ومبادئ أو تشريعات ملزمة شهدت معارضة شديده من جانب عدد من الدول العربية وعلي رأسها' قطر' التي أعربت صراحة عن خشيتها من أي التزامات قانونية, في حين كانت هناك دول أخري تريد وضع تشريعات وليس أطرا ومبادئ بيد أن حل الستة أشهر كان حلا وسطا ومنطقيا, خصوصا أن الأمر يحتاج إلي تجربة وفترة اختبار علي خلفية أنها تجربة جديدة, فضلا عن أن الوزراء راعوا في هذا الصدد التجربة الأوروبية, من حيث الشكل والمضمون والتي تحكمها أيضا وحتي الآن أطر ومبادئ وليس تشريعات مع الوضع في الاعتبار أن هناك حقيقة يسلم بها الكل وهي أن العالم في ظل عصر السماوات المفتوحة أصبح قرية صغيرة ولذلك كانت رسالة وزراء الإعلام العرب إلي تلك الفضائيات وحتي إشعار آخر. ويبقي في النهاية ضرورة التأكيد علي أن دور الكثير من الفضائيات العربية في نشر الجهل والخرافة لم يعد مقبولا ويحتاج لموقف قوي من المثقفين ومن مؤسسات تدرس هذه الظاهرة وأبعادها وتأثيرها علي المجتمعات العربية, فليس مقبولا أن يحارب المثقف العربي الجهل بالقلم والكتاب والتعليم في مجتمعه كي يدخل إلي البيوت بطريقة سهلة من نافذة الفضائية*
|